'إر بي إن بي' مصدر وحي لشركات ناشئة في المنطقة

اقرأ بهذه اللغة

ليست مذكرة التفاهم التي وقعتها دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي مع موقع "إر بي إن بي" Airbnb في أيار/مايو 2016 تطوراً متكاملاً فحسب، بل دليلاً على استمرار الإمارة في إضفاء الطابع الديمقراطي على القطاع الفندقي.

من الممكن أن يكون تشديد الاتفاقية على الامتثال تنظيمياً للتشريعات المتعلقة بـ"بيوت العطلات" التي أصدرتها دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي في أواخر العام 2015 بمثابة خطوة احترازية لتجنيب اقتصاد دبي المستقبلي المبني على نموذج "إر بي إن بي" تكرار الفوضى التنظيمية التي حدثت نتيجة استخدام المركبات الخاصة في خدمة نقل الركاب. ولكن، على الرغم من الشروط الصارمة التي فرضتها الاتفاقية على المستأجرين وأصحاب العقارات، إلاّ أنها وضعت أيضاً معايير لبعض النقاط التي لم تكن واضحة أمام مشغّلي بيوت العطلات في الإمارات. وبذلك، تكون قد فتحت الطريق أمام الآخرين.

اقتصاد مبني على نموذج "إر بي إن بي" في دبي؟ (مصدر الصورة: "ويكيميديا كومونز")

تصوروا هذا المشهد: وصول وافد إلى دبي بعد حصوله على عرض عمل براتب مرتفع. وحينما تشارف مدة إقامته المدفوعة في الفندق التي تبلغ شهراً واحداً على الانتهاء، يقوم بالتحقق عبر "إر بي إن بي" من توافر أماكن للسكن المؤقت والمواقع الرئيسية، حيث يصادف قوائم عقارات متوسطة وعالية الجودة على منصات مماثلة مثل: "بلوجراوند" Blueground و"ميزون بريفيه" Maisonprive. ولكن بعد شهر سيحتاج الوافد إلى الاستقرار، لذلك يقوم بالتسجيل في موقع "ليتمايسبيس" Letmyspace، وهي منصة تمكّنه من تحديد ما الذي يفضّله في المساكن بالتفصيل، بالإضافة إلى التواصل مع أصحاب العقارات المتوافقين معه فكرياً – ناهيك عن تجنيبه رسوم السماسرة غير الضرورية.  

عند مقارنة أي من نماذج "بلوجراوند" و"ميزون بريفيه" و"ليتمايسبيس" مع نموذج "إر بي إن بي" على الأغلب ستتوصلون  إلى هذه الخلاصة بالإجماع: موقع "إر بي إن بي" شريك وقناة وليس منافساً.

قد تتداخل أعمال هذه المواقع وتعمل على تجزئة السوق التي تواجه تحديات بالفعل. ولكن، تراهن هذه الشركات الناشئة على غرار "إر بي إن بي" في المنطقة ـ وخاصة في الإمارات - خلال العامين الماضيين على ثلاثة اتجاهات رئيسية: عقلية مبنية على التفكير على المدى القصير فيما يتعلق بتأجير وتملك العقارات، وتفضيل التجارب "الفاخرة" على العقارات الفاخرة، والأهم الفرصة المتاحة نتيجة الفجوات التي أوجدتها شركات الضيافة التقليدية. واستحدثت هذه المواقع أيضاً باستحداث نماذج أعمال وإيرادات وسيطة تغنيها عن المتاعب التنظيمية.

البيع المكشوف

لنأخذ "بلوجراوند" كمثال، تلك الشركة الناشئة في مجال تكنولوجيا الضيافة كما تصف نفسها. فقد حققت 5.5 مليون يورو من شركة "في سي فينشر فريندز" VC Venture Friends التي تتخذ من أثينا مقراً لها، وبدأت أعمالها هنا قبل أن تتوسع إلى إسطنبول ثم دبي قبل ثمانية أشهر.

تقوم الشركة، التي تستهدف الموظفين الوافدين، بإدارة وتأجير 500 شقة غير مفروشة ذات جودة متوسطة وعالية من أصحابها، بينها 50 شقة في دبي. وتكمن القيمة في إتاحة تجارب مميزة للعملاء من خلال تأثيث هذه الوحدات السكنية وتجهيزها وتزيينها. ويقول الشريك المؤسس أليكس ماراجكوس: "ما نقوم به هو إضافة المزيد من القيمة لهذه الشقق."

تضمن "بلوجراوند" لأصحاب الشقق الحصول على أسعار السوق، وتطلب من المستأجرين سعراً أعلى ثم تحتسب الفرق كإيرادات لها. وتعمل الشركة في الآونة الأخيرة مع المسوّقين على أساس تقاسم التكاليف.

أما بالنسبة إلى "ميزون بريفيه"، فهي شركة أخرى تعمل في إدارة العقارات ذات الجودة المتوسطة والعالية، وتم إطلاقها في دبي في بداية العام الجاري. ويختلف نموذجها قليلاً، حيث أنها تدير الشقق المفروشة الشاغرة كبيوت للعطلات، مع التركيز على تطوير التصميم وتجربة العميل لتلبية معايير علامتها التجارية. ويقول رامي شماع، الشريك المؤسس والمدير الإداري للشركة : "فكروا بالأمر كأنه فندق افتراضي يلبي احتياجات السياح ذوي الدخل المتوسط إلى المرتفع والشركات خلال فترات إقامة سواء قصيرة كانت لمدة 10 أيام أو طويلة تمتد بضعة أشهر.

أما "غرفتي" Gurfati، فهي منصة إلكترونية في مراحلها الأولى في المملكة العربية السعودية، حققت نمواً سريعاً عن طريق رقمنة خدمات حجز الشقق المفروشة في المملكة وتعمل بشكل خاص مع العقارات التي تضم أكثر من 30 شقة، وتخطط للتوسع في الإمارات العربية المتحدة والكويت هذا الصيف. ويقول المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، محمد علي عبد الجبار: "يبلغ عدد (الشقق المفروشة) حوالي  10,000 شقة. فعادة ما يجوب الناس في الشوارع بحثاً عن شقق مفروشة للإقامة القصيرة، لكننا نعمل على جذبهم للبحث عنها عبر الإنترنت".

تقول جيوتي جويال، الشريكة المؤسسة في "ليتمايسبيس"، وهي منصة للتوفيق بين المستأجرين وأصحاب العقارات تم إطلاقها في الإمارات في تشرين الأول/أكتوبر 2016 ويتم احتضانها حالياً ضمن منصة "إن5" In5، أنها تركز على الفجوات الأوسع والاتجاهات الشاملة التي تشكل سوق العقارات في الإمارات. وتشير البيانات التي جمعتها المنصة التي تضم حالياً 2000 مالك عقار و 500 مستأجر إلى أن الوافدين الجدد يرغبون بعقود إيجار ذات أجل متوسط إلى قصير. وتتوقع جويال أن "تتحسّن الأوضاع في السوق مع ازدياد عدد المساكن ذات الأسعار المعقولة".

بحث على "ليتمايسبايس".

تضمن الإقامة قصيرة الأجل للوافدين، إلى جانب أوجه القصور لدى الوسطاء العقاريين الذين لم يعد بإمكانهم تبرير عمولاتهم المرتفعة، تكرار زياراتهم إلى موقع "ليتمايسبيس". ويعمل أصحاب الشقق والمستأجرون على إنشاء ملفات شخصية على المنصة، حيث يحدد المستأجر ما يفضّله في المسكن وصاحب الشقة في المستأجر. ومن خلال خاصّية المطابقة أثناء البحث، قد يقتصر ما يطلبه الساكن الجديد من المستأجر على وجود نادي رياضي.    

باختصار يشبه الموقع "تندر" Tinder ولكن للشقق  ويتمحور حول التفكير للمدى القصير عوضاً عن التفكير بالعطلات.

قريبة جداً من المنزل؟

يتلخص عمل "ليتمايسبيس" في التوفيق بين المستأجر ومالك العقار. ويغنيها نموذجها القائم على الاشتراك ودورها الوسيط عن الإجراءات القانونية المطلوبة من مشغلي بيوت العطلات، ولكن حتى الشركات المرخص لها بذلك  بما في ذلك "بلوجراوند" و "ميزون بريفيه" لم تواجه بعد أي تحديات في هذا الصدد. يقول ماراجكوس من "بلوجراوند": "يعتقد كثيرون أننا نعمل على التأجير من الباطن. نحن لا ننقل عملية التأجير إلى طرف آخر، لكننا نقوم بتأجير الشقق على غرار الفنادق".

البحث على "بوكينج" على "ميزون بريفيه".

يقول محمد عبد الجبار أن نموذج شركته شكّل إضافة مرحباً بها بالنسبة للسياحة الداخلية في المملكة العربية السعودية لدرجة أن الشركة باتت تشارك في الجولات الترويجية التي تنظمها هيئة السياحة المحلية في جميع أنحاء المملكة. ويضيف عبد الجبار لـ "ومضة": "تقترب سوق السياحة المحلية من تحقيق 60 مليون رحلة سنوياً يشمل 55% أو أكثر منها على الإقامة في شقق مفروشة."

ولكن إمكانية حصول "غرفتي" على المعاملة الملكية نفسها في دولة الإمارات العربية المتحدة ومدى مرونة البيئة التنظيمية في حال توسّع شركات مماثلة، هي على أي حال لعبة أرقام.

تشير الأبحاث التي أجرتها شركة "نايت فرانك" Knight Frank للاستشارات العقارية في أكتوبر 2016 إلى أن "إر بي إن بي" قامت بـ 4200 عملية تأجير قصيرة الأجل بدورها أثرت سلباً على أسعار سوق الفنادق في دبي. كما حذرت من أن الأسواق الفرعية مثل جزر النخيل ومرسى دبي ستكون الأكثر تضرراً بسبب ارتفاع المعروض لديها من بيوت العطلات. وعلى الرغم من أن ممثلي الحكومة أنفسهم يدعون قطاع الضيافة في الإمارات إلى احتضان الابتكار، فإن لعبة شد الحبل العالمية بين "إر بي إن بي" واللاعبين الموجودين منذ فترة طويلة شكلت علاقة تحذيرية بداية من مشروع قانون مدينة نيويورك الذي يهدف إلى الحد من نموذج تشارك المساكن، وحتى التقارير التفصيلية عن المنافسة غير العادلة الناجمة عن المزايا الضريبية لموقع "إر بي إن بي" في لندن.  

إن الشركات الناشئة في الإمارات العربية المتحدة، سواء كانت على غرار "إر بي إن بي" أو إذا كانت تعمل من خلالها، تراهن على معرض إكسبو 2020 على أنه أرض خصبة لجميع اللاعبين. وتقول جويال: "لا يوجد الكثير من الفنادق من فئة نجمتين أو ثلاث نجوم هنا، وهي الفجوة التي يمكن أن تستغلها بيوت العطلات بالتأكيد. وفي الوقت نفسه، سيتمكن مليون شخص من الحصول على وظائف جديدة على خلفية معرض إكسبو 2020، وهذا هو الجمهور المستهدف بالنسبة لي." ويعلّق شماع من "ميزون بريفيه" أن توسّع الخريطة الديموغرافية للسياحة الإماراتية يترجم إلى عملاء غرف فنادق مقابل عملاء بيوت عطلات. ويقول: "من وجهة نظري، هذا منتج مختلف ونعمل على توسيع نطاق عروض الضيافة في دبي."

ومع ذلك، فالسوق المجزأة إلى حد كبير يمكن أن تقضي على اللاعبين الأصغر حجماً خاصة مع الشركات القائمة التي قد توسع نطاق عملها على حسابهم. وبدأ موقع "بوكينج.كوم" Booking.com بالفعل بإدراج بيوت العطلات، في حين أن "إر بي إن بي" تعمل عكسياً على التعامل من خلال تجارب العملاء المتكاملة. وهناك سبب واحد لعدم حذو بوابات الإعلانات المبوّبة مثل "دوبيزل" Dubizzle ناهيك عن منصات تسجيل العقارات مثل "بروبرتي فايندر" Propertyfinder حذوها، وهو أنها تمتلك نموذج عمل يعتمد على قوائم الوكلاء والعمولات.

ويقول عبد الجبار لـ "ومضة" أن عدد الشقق المفروشة التي لديهم خلال ثلاثة أشهر يساوي ضعف ما حققه "بوكينج.كوم" Booking.com في خمس سنوات في السعودية. ويضيف أن السبب وراء ذلك هو تصميمهم لنموذج أعمال موقع "غرفتي" "للعمل في مجال الشقق المفروشة."

يراهن اللاعبون مثل "ليتمايسبيس" و"بلوجراوند" و"ميزون بريفيه" على ضمانهم للجودة والتجربة على منصاتهم لحماية أعمالهم مستقبلاً.

بات تعاون اللاعبين في مجال الفندقية في المنطقة أو منافسة لاعبين جدد، مسألة وقت فقط. وقد قيل أن "إر بي إن بي" والفنادق يحتاجان إلى بعضها البعض، ويبدو أن الإمارات أدركت ذلك بالفعل.

الصورة عبر "بيكسيلز" Pexels.com.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة