الفن للجميع: الإمارات نموذجاً

اقرأ بهذه اللغة

شهد عالم الفنّ في دولة الإمارات العربية المتحدة تطوراً ملحوظاً في السنوات القليلة الماضية، حيث يحتلّ معرض "آرت دبي" Art Dubai و"معرض سكة الفني" Sikka Art Fair ومعرض "فنون العالم دبي" World Art Dubai، صدارة الفعاليات.

وبدأت شركات ناشئة تظهر بصورة تدريجية في إطار هذه النهضة الفنية، تعمل على جعل الفنّ سهل المنال وبتكلفة مقبولة وأكثر تمثيلاً للمجتمع الإقليمي.

جاء ديفيد هاموند، المؤسّس والرئيس التنفيذي لمنصّة
"دروديك" Drawdeck، من لندن إلى دبي بصفته مهندس حدائق في العام 2011. وأطلق منصّة "دروديك" في العام 2013 كمنصّة إبداعية لتتحول في نهاية المطاف إلى سوق للأعمال الفنية بأسعار معقولة، تعمل في الوقت نفسه على دعم الفنانين المحليين.

موقع "دروديك".

يقول هاموند إنّ "الخيارات لا تزال محدودة لشراء الأعمال الفنية بأسعار معقولة في المنطقة"، مضيفاً أنّه "لدينا معارض عريقة ولدينا 'آيكيا' Ikea وبعض المعارض الأخرى، ولكن ليس هناك الكثير من الأماكن التي يمكنك إيجاد شيء فريد من نوعه".

هاموند. (الصورة من موقع "دروديك")

بدأت منصّة "دروديك" كتجمّع عالمي على الإنترنت للفنانين والرسامين لعرض أعمالهم، حيث يحتفظ الفنانون بحقوق النشر الإبداعية لأعمالهم مع تحديد هوامش الربح الخاصة بهم على كلّ عمل فنيّ. ونظراً إلى عدم وجود مخزون للاحتفاظ بالأعمال، يتم تحضير كلّ ّمنتج من صور ولوحات مطبوعة وأزياء ومستلزمات مكتبية وغيرها لتكون جاهزة عند الطلب. وفي تعليقه على ذلك، يقول هاموند لـ"ومضة": "جميعنا نعرف ما يكفي من الأمثلة عن شركات ناشئة يكون فيها المخزون، والمرتجعات، والتكاليف المرتبطة بهما، من المعوقات الرئيسية أمام نموذج عملها والتكلفة المبدئية التي ينطوي عليها ذلك. لذلك، كان هدفنا إنشاء نموذج ذكي حقاً يتوسّع بسهولة".

الحفاظ على واقعية التجربة

فاليري كوندي، الشريكة المؤسّسة والرئيسة التنفيذية لمنصّة "كوليكشينير" Collectionair، ركّزت أيضاً على قابلية التوسع والاستقلالية والمرونة الإبداعية، بالتوازي مع تغيير علامتها التجارية من "بافيليون 33" Pavillion33 إلى "كوليكشينير" في العام 2016.

وكانت شركة "بافيليون 33"، وهي شركة متخرّجة من برنامج "فلات 6 لابز" Flat6labs، بدأت كسوق إلكترونية لبيع الأعمال الفنية وتأجيرها وتبادلها. كما أبرمت شراكات مع معارض للوصول إلى الفنانين والأعمال الفنية واختيار الأعمال والأسعار. ونظراً إلى معاناتها سابقاً مع بيع الأعمال الفنية عبر الإنترنت ومع الوعي الشديد بكيفية إحداث تأثير في عالم الفن، أدركت كوندي أنّ قيمة سوقها تكمن في أن تصبح مركزاً للخيارات الفنية المصممة بشكل مدروس.

تشرح كوندي أنّه "عندما تنتقل إلى الإنترنت يصبح بيع قطعة فنية أكثر صعوبة. فما تريد الحصول عليه حقاً هو هذا الخيار وتلك الجودة. لذلك قررنا التحول ممّا كنا نقوم به [من الشراكة مع صالات العرض] إلى إعطاء الصلاحية للأمين الفني".

 وفي إشارة إلى شريكها المؤسّس والأمين الدولي للفنون أوليفير فارين، تقول: "لقد تمكنا من جمع شبكة من الأمناء يقودها واحد منهم".

يختار الأمناء، مقابل رسوم ثابتة، مجموعة من الفنانين والأعمال الفنية التي تشكل معرض "كوليكشينير" على الإنترنت، حيث يتم تسعير كل قطعة فنية بـ10 آلاف دولار أو أقلّ. وبهذه الطريقة، بدأت منصّة "كوليكشينير" تعرض أعمال الفنانين الناشئين الذين كانوا يعرضون أعمالهم في بلادهم، ولكن ليس في المعارض الكبرى.

ورغم استعداد المعارض للتعاون مع منصّة "كوليكشينير" من قبل، إلاّ أنها نادراً ما "شاركت في قضية" إتاحة الفن للجميع، بحسب كوندي. 

هواة اقتناء الأعمال الفنية

إذا كانت منصة "كوليكشينير" تناسب الأمناء الفنيين وهواة اقتناء الأعمال الفنية والفنانين على المستوى العالمي، فإن موقع "إميرجيست" Emergeast يركّز على بناء الجيل المقبل من الفنانين وهواة اقتناء الأعمال الفنية إقليمياً.

مفتاح وعبد القادر (الصورة من موقع" إميرجيست")

التقت نيكي مفتاح وديما عبد القادر في لندن حين كانتا طالبتين في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بـ"جامعة لندن"، واستمرّت صداقتهما بالتوازي مع سعيهما لتعزيز تجاربهما الفنية في مؤسسة "ماجيك أوف بيرشا" Magic of Persia و"جمعية الفن المعاصر في لندن" على التوالي. ويقوم الثنائي - نيكي مفتاح إيرانية ولدت وترعرعت في لندن، وعبد القادر فلسطينية ولدت وترعرعت في قطر - بجمع الأعمال الفنية أثناء سفرهما.

وفي هذا الصدد، تقول عبدالقادر: "[بدأت إميرجيست] باستهداف أبناء الثقافة الثالثة المستعدّين لبدء اقتناء الأعمال الفنية"، وتضيف أنّ "المميز لدينا هو عرض الأعمال الفنية على الإنترنت، ما يجنّب الشباب ذلك الشعور بالإحراج لدى دخول صالة عرض فنية والإحساس بأنّهم مضطرون لأن يكونوا مثقفين فنياً. وبالتالي نحن نحاول جعل تجربتهم الفنية مريحة وسهلة". 

في الواقع لا يزال تقدير الفنّ يعتمد في الغالب على التواصل الفعلي على أرض الواقع. وقد قامت مفتاح وعبدالقادر بتنظيم مزاد في مرحلة ما بعد الإطلاق في العام 2014 لعرض نوعية أعمالهما الفنية. وقد ساعدت هذه الخطوة "إميرجيست" أيضاً في الجانب التعليمي من مهمتهما، والذي يركز على رعاية الفنانين وهواة اقتناء الأعمال الفنية ويساعدهم على الاحتفاظ بعملائهم.

"لقد كانت مخاطرة بعرض أسعار تصل إلى ألف دولار"، تقول عبدالقادر، مشيرة إلى أنّ الجمهور الذي تستهدفه "إيمرجيست" يتمثل بالشباب الذي يسكنون في المدن.

فنانون جدد على منصة "كوليكشينير".​​​​​

إتاحة الأعمال الفنية عبر الإنترنت

تحضّر كوندي وفريقها المعارض الفنية وغيرها من الفعاليات ذات الصلة، لإقامة جسر بين التجربة المباشرة والتجربة عبر الإنترنت، لأنّ "اختيار قطعة فنية عبر الإنترنت صعب للغاية" على حدّ قولها.

"صحيح أنّ الناس قاموا بذلك بالفعل، إلا أنّهم ما زالوا بحاجة للثقة بالصور المطبوعة أكثر من أيّ شيء آخر. من هذا المنطلق، من المهمّ أن يكون لديك روابط قوية جداً مع عالم الفن نفسه كي تحافظ على جودة معروضاتك وعلى ثقة عالم الفن، وبالتالي على ثقة المشترين المحتملين".

يوجد لدى "دروديك" و"كوليكشينير" و"إميرجيست" الكثير من الأمثلة عن الفنانين الذين بدأوا على هذه المنصّات وتمكّنوا من النمو لتحقيق انتشار دولي، وفي بعض الحالات الانضمام إلى مراكز دولية للفنانين. وبغضّ النظر عن ذلك، لا يزال العمل قائماً.

تشير كوندي إلى أنّ "ما أردنا تحقيقه بالفعل هو تمكين الناس من امتلاك قطع فنية في منازلهم مقابل رسوم رمزية شهرياً، وأن يكون بإمكانهم تبادلها مع الآخرين وتغيير الأعمال الفنية الموجودة لديهم، وهذا أمر لم نحققه بعد". وتضيف أنّ "ما تمكّنا من تحقيقه هو توفير أعمال فنية ذات نوعية جيدة للغاية على المنصة وبأسعار معقولة جداً".

في غضون ذلك، كانت "تيكوما" Tekuma، التي تتخذ من بوسطن مقراً لها، تسلك مساراً مماثلاً في الولايات المتحدة وتعمل على ربط الفنانين الناشئين بأصحاب العقارات من خلال التكنولوجيا.

من جهته، يقول هاموند وشريكه التجاري أليكس دون إنّهما شهدا نمواً بنسبة 400% منذ إطلاقهما لسوق "دروديك" في العام 2016. وتعليقاً على مشاريعهما مع المؤسسات الأخرى، ومنها هيئة الطرق والمواصلات في دبي وفندق جميرا النسيم، ذكر هاموند أنّ الفريق يريد الاستمرار في تقديم أعمال فنية فريدة لكل جهة.

ماذا عن المنافسة في السوق؟ تجيب مفتاح أنّ كلّ شركة من الشركات، بما فيها "أرتسكوبس" Artscoops، وهي منصّة فنية على الإنترنت لفناني الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والفنانين الدوليين، تلبي قطاعات مختلفة من السوق.

أما عبد القادر فتعتقد أنّه "يمكنك القول [إنّنا] نكمل بعضنا البعض. فهي ليست منافسة مباشرة، فكلّ منّا يركّز على جانب معيّن... وجميعنا نستهدف شرائح مختلفة للغاية من الجمهور، كما أنّ لكل واحد منا مكانة وأبعاد فردية في بيئة العمل الفني".

رغم ذلك، هناك أبعاد مفقودة في مجال العمل الفني في البلاد تتمثل في العدد القليل لشركات إدارة الفنانين وخدمات الفن اللوجستية. غير أنّ هذه الفجوة تختفي بصورة بطيئة، بحسب مفتاح، إلا أنّ هناك حاجة لوجود بيئة حاضنة أكثر قوّة لمساعدة الفنانين في تبوؤ مكانتهم المستحقة والوصول إلى أقصى إمكاناتهم، وهو ما يعود بالفائدة في الوقت نفسه على هواة اقتناء الأعمال الفنية وصالات العرض.

بالإضافة إلى ذلك، شهدت السنوات الثلاث الماضية تغييراً كبيراً كما ترى كوندي، حيث تقول: "كان المشهد الفني الإماراتي بمثابة مسرح صغير للغاية يحاول إبراز مكانته. والآن تجري مزايدات حقيقية تقودها دور مثل ’كريستيز‘ و’سوذبيز‘ وغيرها، حيث أصبحت الدولة مركزاً كبيراً لعرض أعمال الفنانين من جميع أنحاء الدول الناشئة".

تقول كوندي إنّه كان هناك الكثير من التكرار لما سبق القيام به، ولكن ليس بالضرورة أن ينجح ذلك في المنطقة. 

وفي حين تشير إلى أنّه ينبغي على رواد الأعمال الفنية العمل خارج الإطار المألوف، تضيف أنّ "جميع القطاعات الإبداعية والثقافية تسير بالسرعة اللازمة عندما يتعلق الأمر بالتحول الرقمي، والفنّ يُعتبر آخر من دخل العالم الرقمي؛ ولهذا السبب هناك الكثير من الفرص المتاحة... وبالنسبة لي، هذا قطاعٌ ينتظر طفرة كبيرة، والآن هو الوقت المناسب لذلك".

الصورة الرئيسية من "كوليكشينير" لأحمد موصلّي.

اقرأ بهذه اللغة

برعاية

Tarjama.ae

شارك

مقالات ذات صِلة