هل من يستمع إلى موسيقاك [الجزء الثاني]

اقرأ بهذه اللغة

ركّز الجزء الأول من هذا البحث على المشاريع الموسيقية عبر الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بينما سيركّز هذا الجزء على الصعوبات التي تواجه الفنانين في جني الأرباح من أعمالهم، والسبل الرقمية الجديدة المتاحة لهم، وما يمكن للمنطقة أن تتعلمه من نظيراتها في الخارج.

في آذار/مارس 2017، حقّق ألبوم المغني الكندي درايك: "مور لايف" More Life، نسباً غير مسبوقة من الاستماع عبر الإنترنت. فقد سجّل الألبوم على منصّتي "سبوتيفاي" Spotify و"آبل ميوزيك" Apple Music في يوم واحد فقط 250 مليون عملية استماع. ومع اختلاف التقديرات بشأن الأرباح التي جناها المشروع، يبدو أنّ هذا الأخير حقّق أكثر من ثلاثة ملايين دولار أميركي كإيرادات من الاستماع عبر الإنترنت فقط.

وفي حين يتصدّر نجوم الموسيقى دائماً قائمة أغنى المشاهير، فتحت منصّات الموسيقى الرقمية الباب مؤخراً أمام فنانين أقلّ شهرة لتحقيق استقرارٍ مالي ونجاح عالمي.

لماذا يُعدّ الموسيقيون رواد أعمال

لا يُعتبر الموسيقيون في الوقت الحالي مجرّد مبدعين يحرّكهم الشغف، بل ما يدفعهم أكثر هو ضرورة التصرّف كروّاد أعمال. فهم يؤسّسون أعمالهم الخاصة ما يوجب عليهم البحث عن وسيلة لتمويل أنفسهم رغم المخاطر. ويدفعهم ذلك في كثير من الأحيان إلى أداء المزيد من المهام اللوجستية بأنفسهم مثل تولّي هندسة الصوت وتعلّم كيفية استخدام المعدات في المنزل.

 الروح الريادية هي الدافع الأكبر للفنانين في الوقت الحالي.

يتولى هؤلاء أيضاً إدارة العلاقات العامة لأعمالهم، فيتولّون النشر بأنفسهم على الشبكات الاجتماعية لجذب المتابعين، ويعملون كمروّجين لأنفسهم، ويتواصلون مع القيّمين على الأماكن المخصّصة للعرض، وينظّمون حفلاتهم [انفسهم أيضاً. ولكي يحققوا النجاح، يتوجب عليهم أداء عدة مهام، وتحمّل المزيد من المسؤوليات؛ وكلّ هذا من أجل حفلة أو ألبوم من 30 دقيقة.

لذلك رغم أنّ الموهبة عنصر أساسي، إلاّ أنّ الموسيقيين الذين لا يستطيعون تولّي زمام القيادة الفعالة يتحولون إلى مجرّد أشخاص يمارسون هواياتهم في نهاية الأسبوع.

كسب لقمة العيش من الموسيقى

مع تراجع مبيعات الأقراص المدمجة في العقد الماضي، لجأ النجوم العالميون إلى وسائل أخرى لجني المال. فأصبح الكثير منهم يؤدّون أمام حشد أكبر، في حين يلجأ البعض إلى الترويج لسلع العلامات التجارية مثل العطور ومستحضرات التجميل والملابس. حتى أنّ بعضهم أصبحوا أعضاء لجان تحكيم في برامج تلفزيونية مثل "إكس فاكتور" X factor، أو توجّهوا نحو التمثيل في أفلام سينمائية ذات إنتاج ضخم.

ولكن رغم أنّ الأمر قد ينجح مع المشاهير، إلاّ أنه ليس خياراً متاحاً للفنانين الجدد.

تحقيق دخل من المحتوى الرقمي

برز التمويل الجماعي كوسيلة يستخدمها الفنانون لتأمين التمويل والوصول إلى جمهور أوسع.

ويتوافر من أجل ذلك منصات تمويل جماعي مختلفة، مثل "باتريون"Patreon  تتيح للفنانين نشر إصدارات حصرية يمكن الاستماع إليها من قبل أصحاب الاشتراكات المدفوعة، وتقدّم للمعجبين جوائز مثل المحتوى المجاني بعد الوصول إلى هامش من الربح.

يعتمد الكثير من الفنانين على مصادر دخل بديلة.

بدأ بعض الفنانين في المنطقة باللجوء إلى التمويل الجماعي. فعلى منصّة "ذومال" Zoomal، جمعت المغنية اللبنانية تانيا صالح 51 ألف دولار لألبومها الرابع "شوية صور"، وتمكّنت فرقة "مشروع ليلى" اللبنانية من جمع 66 ألف دولار لألبومها "رقصوك".

وهناك منصات جديدة مثل "تراديو" Tradiio و"تمبو ترايدر" Tempotrader تجمع بين حب الموسيقى وتداول الأسهم، بحيث "يستثمر" المشتركون في عمل موسيقي عبر شراء أسهم يمكن تداولها مع مشتركين آخرين. ويمكن أن ينتج عن هذه الأسهم هوامش ربح صغيرة للمستمعين الذين توقعوا نجاح فنانٍ ما، أو قد يحصلون على مكافآت مثل قسائم شرائية وتذاكر لحضور أحد المهرجانات.

جني المال 

عادةً ما تكون إيرادات الاستماع إلى الموسيقى عبر الإنترنت ضئيلة، سواء كانت على "سبوتيفاي" أو "آبل باي" او "دريزر" Dreezer. ولا تحقق الأعمال ربحاً إلا إذا كان لديها عدد كبير من المستمعين، خصوصاً وأنّ الكثير من المنصّات الرقمية تقدّم بين 0.0004 دولار و0.0007 دولار عن كلّ عملية استماع. وإذا افترضنا أنّ الفنان يمتلك الحقوق الكاملة لموسيقاه، فإنّ منصّات البثّ تقتطع ما بين 15 و30% من هوامش الربح، إضافة إلى أنّ الموزّع الذي أوصل الموسيقى إلى الموقع الإلكتروني يحصل أيضاً على جزءٍ من هوامش الربح.

وبالتالي يمكن للفنانين المستقلين الوصول إلى مجموعة واسعة من الموزعين لإتاحة محتواهم عبر الإنترنت. وبالنسبة لمنشئي المحتوى المتوسطين الذين يحظون بدعم إداري ولديهم قاعدة متابعين، يمكن لخدمات مثل "ستيم" Stem أن تساعدهم على توزيع محتواهم والإشراف على عائداتهم.

أمّا الفنانون الأقل شهرة فيمكنهم الحصول على مساعدات رقمية من منصّات مثل "سيدي بايبي" CD Baby و"ديسترو كيد" Distrokid، بحيث تعمل الأولى على تحميل الموسيقى مجاناً إلى جميع المنصّات المختارة مقابل حوالي 10% من الأرباح، في حين تأخذ الثانية رسوماً ثابتة تبلغ حوالي 20 دولاراً وتضمن للفنانين الحصول على 100% من أرباحهم.

تُعتبر منصّة "أنغامي" Anghami في المنطقة العربية أبرز المنصّات التي تبرم شراكات مع فنانين مستقلين. فهي تتيح للفنانين المسجّلين لديها الاستفادة من دعم ترويجي خاصّ داخل التطبيق، وتوفر لهم فرصاً لإحياء الحفلات. كما تمكّن جميع الفنانين المسجّلين على منصّتها من الوصول إلى لوحة تحكّم رقمية يمكن من خلالها رفع الموسيقى الخاصّة بهم وإدارتها مباشرة. وتقدّم لهم أيضاً تقارير تتضمّن تحليلاً للأغاني التي تعجب المستمعين بحسب العمر والجنس والمكان. ورغم عدم الكشف عن إيرادات الفنانين المستقلين على "أنغامي"، يبدو أنّ هذه الأرباح لا تختلف كثيراً عمّا يحققه هؤلاء على منصّات منافسة.

يشار إلى أنّ تحميل الموسيقى على شبكة الإنترنت يعرّض الفنان لخطر الوقوع ضحية القرصنة. وعلى الرغم من صعوبة العثور على أرقام دقيقة لعمليات التنزيل غير القانونية والخسائر الناجمة عنها، فإنّ الموسيقى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبدو أكثر عرضةً للقرصنة كون المستمعين ​​أقلّ استعداداً للإنفاق على الموسيقى المسجلة. 

الموسيقى عبر الإنترنت مربحة أكثر من الحفلات على المدى الطويل.

بالأرقام

إذا احتسبنا الأمر بالأرقام سنجد أنّ الفنانين الذين يحمّلون موسيقاهم على منصّة للاستماع عبر الإنترنت يحققون 5 آلاف دولار إذا حصلت أعمالهم على مليون عملية استماع. وهو ما يساوي إحياء حفلة يحضرها ألف شخص يدفع كلّ منهم 5 دولارات، أو حوالي 10 حفلات صغيرة تجمع كلّ منها 100 شخص.

ورغم اختلاف أعداد المستمعين، فإنّ الحفلات يمكن أن تستغرق في كثير من الأحيان عدة سنوات للبدء بتحقيق الأرباح، وذلك بعد احتساب جميع النفقات. غير أنّ تحقيق الدخل من الموسيقى رقمياً يسمح للفنان بالاستمرار والاستفادة من نشاط المستمعين بعد فترة طويلة من إنجاز المحتوى، كما يمكن أن يكون أكثر ربحية على المدى الطويل.

من اللامكان إلى كلّ مكان

للنجاح في الموسيقى كمهنةٍ في هذا العصر، ينبغي الإلمام بمهارات جديدة في استخدام مختلف الأدوات والمنصّات الرقمية. وساهمت ثورة الإنترنت في إبراز فنانين لم تكتشفهم شركات الإنتاج التقليدية، كما أنشأت سوقاً عالمية كبيرة تسمح للناس بالاستماع إلى ملايين الأغاني بواسطة حواسيبهم وفي أيّ وقت.

قد لا يساعد وجود جمهور لك على الإنترنت في حشد الكثير من الناس لحضورك تعزف أو تغنّي في سهرة في ليلة عطلة، إلّا أنّه يغنيك عن الالتزام بمكان واحد لإحياء الحفلات، ويساهم مع مرور الوقت في تأمين الاستقرار المالي لك؛ وهي من الأمور التي تشكّل تحدّياً للمشاريع الموسيقية.

الصورة الرئيسية من "بيكسيلز" Pexels.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة