التمييز ضد المرأة في ريادة الأعمال: أين نساء المنطقة من ذلك؟

تمكين المرأة قضية أساسية في البيئة الحاضنة للشركات الناشئة (الصورة من" بيكساباي" Pixabay).

اقرأ بهذه اللغة

هذه مقالة أولى من اثنتين حول انعكاس التطورات العالمية الأخيرة المؤثرة على الديناميكيات بين الجنسين والتمييز ضد المرأة في مجال التكنولوجيا ـ أو عدمه ـ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وُسِم وادي السيليكون على مدى عقد من الزمن بحالات تمييز وتحرّش جنسي ضد نساء من دون أن يوثّق الكثير منها أو يتم التبليغ عنها. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى ثقافة عمل قائمة على التمييز على أساس الجنس وسياسات متحيزة للشركات. ولم يبدأ الأمر بالتحسّن إلّا بعد خطوات اتّخذها العديد من المستثمرين المخاطرين ونجوم التكنولوجيا الموقّرين (وهم ذكور)، في النصف الأول من العام 2017 - مثل ديف ماكلور وكريس ساكا من "500 ستارتبس" 500 Starups، وأميت سنغال المدير السابق في كلٍّ من "أوبر" Uber و"جوجل" Google، إلى جاستين كالدبيك من "بايناري كابيتال" Binary Capital – وذلك لحثّ هذا القطاع على اتخاذ إجراءات ترمي إلى تحسين حماية المرأة. فما الذي دفع هذه الحالات إلى دائرة الضوء في الأشهر الستة الماضية؟

الأمور تتغيّر أخيراً؟

تقول إليسا فريحة، مؤسِّسة "وومينا" Womena، وهي منصّة للاستثمار التأسيسي تتخذ من دبي مقراً لها، إنّ ظاهرة دخول المرأة في العالم التكنولوجي وتسلّق سلّم الشركات قد أحدثت فرقاً كبيراً. وتضيف في حديث مع"ومضة" أنّ "التحرّش الجنسي الحاصل في عالم التكنولوجيا لا يبعث على الصدمة". ولكن لماذا يتصدّر العناوين اليوم؟ تجيب: "لأنّ الموضوع الأكثر إثارة اليوم هو تمكين المرأة، والاختيار المهني الأكثر إثارة [للنساء] اليوم هو الشركات الناشئة والتكنولوجيا". وتؤكّد فريحة أنّ الاهتمام الذي يحظى به هذا الموضوع له ما يبرره، وقد دفع الكثير من النساء المتخصّصات في التكنولوجيا للتحدّث بصوتٍ عالٍ للمرّة الأولى.

"خطّطت للقيام بالشيء نفسه"، تقول سمر ناصيف، التي تشغل حالياً منصب مديرة قسم الرعاية الصحية في الشرق الأوسط في شركة "هانيويل" Honeywell. بدأت ناصيف حياتها المهنية الطويلة مع الشركات الكبرى في مكتب شركة "آي بي إم" IBM في سان فرانسيسكو في العام 2001، ثمّ انتقلت إلى مكتبها في لوس أنجلوس في العام 2005، ثمّ إلى مقرها في دبي العام 2009 حيث قادت جهود "آي بي إم" الرامية إلى إنشاء مكتب في السعودية في العام 2012.

تشير ناصيف إلى أنّ المرأة تحسب ألف حساب قبل قول أي شيء عن تحرّش زملائها أو رؤسائها الذكور بها وكراهيتهم لها، وذلك للحفاظ على وظيفتها التي غالباً تكون بسيطة في الشركة التي تعمل فيها. ولكن بمجرّد وصول هؤلاء النساء إلى مناصب عليا، وهي ظاهرة متزايدة هذه الأيام، "لن يكون لديهنّ ما يخسرنه".

ومع ذلك، تلاحظ فريحة أنّ العدد الإجمالي للنساء في مجال التكنولوجيا لا يزال قليلاً مقارنةً مع عدد الرجال. هذا الواقع، إضافة تحفّظ النساء اللواتي يعانين من التمييز على نشر شكواهم، يعمل ضدّ المطالبة بالتحرّك إلى جانب النساء في قطاع التكنولوجيا.

العوامل المتغيرة

بغض النظر عن الجندر، ونظراً إلى كون نجاحهم يعتمد على الاستفادة من قوة علاقاتهم الشخصية، غالباً ما يكون رواد الأعمال في وضع هش خلال الأوقات الحاسمة لا سيما خارج أوقات الدوام الرسمي.

في الشرق الأوسط، لا يوجد حوار حول التحرش الجنسي.

وتتابع فريحة أنه "حين يجعلك شخص في موقع سلطة تشعر بأنّ بإمكانه مساعدتك في التخفيف من [الضغط] مقابل [شيء ما]" يصبح من الأصعب التمييز "بين ما هو مناسب وما هو غير مناسب".

عقبات ثقافية

في بعض أماكن العمل حيث يكون المزاح غير الملائم هو قاعدة المحادثة، من الصعب إقناع الرجال، وحتى النساء، بأنهم يقترفون خطأ ما.

وفي الوقت نفسه، "لا أحد في الشرق الأوسط، يتحدث عن التحرش الجنسي، لأن ثقافة الحياء المنتشرة بين الرجال والنساء تفترض بأنّ لا شيء يحصل من هذا القبيل"، بحسب فريحة.

ومع ذلك، أظهر استطلاع للرأي أجراه "تلفزيون الآن" Al Aan TV في شراكة مع "يو جوف" YouGov، في العام 2013، وشمل أكثر من 500 امرأة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أنّ المشكلة موجودة، وذلك بحسب الجزء غير المنشور من التقرير والذي حصلت "ومضة" عليه. ومن بين النساء اللواتي شملهّن الاستطلاع، تقول 11% أنهنّ تعرضنّ لتحرّش لفظي، و4% أنّهنّ تعرضنّ لاعتداء جنسي جسدي أثناء العمل.

في البيئة الحاضنة للشركات الكبرى، هناك توافق على أنّ المضايقات تخفت بالمقارنة مع المشاكل الناجمة عن عدم المساواة بين الجنسين في المنطقة. وتقول دلفين إده، الشريكة المؤسِّسة لشركة "ديواني" Diwanee: "لقد اختبرت العمل مع رجال لا يريدون العمل مع نساء، وفي بعض الحيان لم يأخذوني على محمل الجد، وذلك على الرغم من أنّني كنت مؤسّسة الشركة ورئيستهم".

بدورها، عانت ناصيف من التحرش في الولايات المتحدة، والتمييز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولكن كمواطنة سعودية، كانت سوق بلدها الأم مسرحاً لأكثر تجاربها . وتقول ناصيف إنه كان عليها أن تواجه الشكوك في ما إذا كانت مؤهلة لتكون سعودية (نظراً لأصولها المختلطة). والأسوأ كما تقول، أنّ صناع قرار كباراً لم يدّخروا "جهداً للتمييز ضدها" مانحين إيّاها قطاعات حيث بيئة الفصل بين الجنسين في الشركات تجعل مستحيلاً تقريباً على النساء خوض مجال الأعمال إن لم نقل تأسيس شركات.

الأسباب

تشير ميشيل مادانسكي، المشاركة في كتابة دراسة "فيل في الوادي" Elephant in the Valley، إلى "قضيتين أساسيتين" بشأن التمييز ضد المرأة في مكان العمل. الأولى هي "التحيز اللاواعي" الذي يتجلى في " الاستخفاف/السلوكيات الصغيرة التي قد تبدو غير مؤذية، ولكنّها تتراكم وتصبح ذات أهمّية مع مرور الوقت". والثانية هي "تغاضي المدراء عن السلوك الفظيع لبعض الرجال ذوي ’الأداء العالي'".

يكشف الاستطلاع الذي شمل أكثر من 200 امرأة يعملن في وادي السيليكون، أنّ أكثر من 60% منهنّ استُبعِدن من فرص التشبيك بسبب جنسهنّ، وأنّهنّ سُئلن عن الزواج والأطفال أثناء المقابلات.

حتى في البيئات الاستثمارية الأكثر تقدّماً نسبياً، كان على سيدة مثل فريحة أن تستدعي زملاءها الذكور فيما خصّ تحيّزهم اللاواعي. وكان عليها أن تقدم لهم أدلة بالأرقام على الخلل بدءاً من قلّة عدد المؤسسات المشاركات على لوائح الشركة وصولاً إلى صعوبة مفاوضات تقييم الشركات حين تجري مع نساء.

ترى ناصيف أنّ سدّ هذه الفجوة يبدأ بالسؤال التالي: "كيف يمكن التأسيس لبنية يمكن للجميع أن يتطور فيها ليصلوا إلى هذا المستوى من فهم المساواة، وأن يحصلوا كذلك على المساعدة خلال ذلك؟".

في النهاية، في حين قد يقع العبء على رائدات الأعمال لإثبات أنفسهنّ، من الضروري أن يعرف المستثمرون الذكور أنّ تجاوز الحدود - سواء بوعي أم بدونه - له عواقبه.

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

شارك

مقالات ذات صِلة