نشأة الاقتصاد المشفّر

التطور السريع لسلسلة الكتل اليوم يشبه الأيام الأولى للإنترنت. (الصورة من "بيكساباي" Pixabay)

اقرأ بهذه اللغة

لا تتطرّق هذه المقالة إلى الجوانب التقنية من سلسلة الكتل blockchain أو العملات المشفّرة cryptocurrencies، إنّما تهدف إلى التعريف بالمبادئ الأساسية لسلسلة الكتل والعملات المشفّرة، والعملات الرمزية tokens، والإشارة إلى نتائجها التي تبشّر بتحوّل كبير. وهذه المقالة هي جزء من سلسلة مقالات نجمع فيها مفاهيم وأفكار روّاد في قطاعات مختلفة. وسأزوّدكم في نهايتها بلائحة مصادر شاملة لمن يرغب بمعرفة المزيد.  

الأسباب والأساليب

ما زال مفهوم سلسلة الكتل غامضاً بالنسبة إلى معظمنا، وهذا أمر غير مفاجئ نظراً إلى أنّ المستخدمين اليوميين للإنترنت ليس لديهم أدنى فكرة عن بروتوكولات SMTP، أو HTTP، أو TCP/IP، رغم أنّهم يستخدمونها باستمرار أثناء تبادل الرسائل الإلكترونية، أو تصفّح الإنترنت، أو تبادل أي نوع من البيانات عبر الإنترنت. سوف تحدث سلسلة البلوكات ثورةً لا تقلّ عظمتها عن تلك التي أحدثتها هذه البروتوكولات الحاسوبية التقليدية.

النمو السريع الذي تشهده سلسلة الكتل اليوم، يتشابه مع ذلك الذي شهده الإنترنت في الأيام الأولى من انطلاقه في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وفي حين يجري اليوم إرساء دعائم البنية التحتية الرقمية المستقبلية لسلاسل الكتل، يرى كثيرون أنّ سلسلة الكتل تفي بوعد الإنترنت الأصلي بأنّه شبكة ند للند peer-to-peer متوفّرة للجميع ولا يتحكّم بها أحد؛ فهي إذاً سلعة عامة يستطيع أيٌّ كان استخدامها بالعدل والتساوي بين الجميع.    

تتحكّم بالبيانات الشخصية على الإنترنت حالياً مجموعةٌ صغيرةٌ من الشركات مثل "فايسبوك" Facebook، و"تويتر" Twitter، و"جوجل" Google. وبعض مزوّدي خدمة الإنترنت يتيحون مواقع إلكترونية معيّنة فقط، فيما تفرض حكوماتٌ حظراً كاملاً على بعض المعلومات التي تعتبرها مسيئة، والمصارف وشبكات المدفوعات تتحكّم بمعلومات مالية، والمصارف المركزية تُحكم سيطرتها وبشكل غير مباشر على قيمة الأموال. صحيحٌ أنّ الإنترنت منحنا المزيد من الحرّية والأمن وقدرة التحكم بحياتنا الخاصّة، إلا أنّ الأنظمة والشبكات التي تربطنا ما زالت مركزية، وببياناتنا الشخصية تحتفظ بها كياناتٌ جلّ ما يمكننا فعله حيالها هو تمنّي أن تراعي مصالحنا.

تتم صفقات البيتكوين في غضون ساعة أو أقل.

 

يقلق "خبراء التشفير" Cypherpunks بشكل كبير من مخاطر تحكّم مؤسّسات وحكومات بالبيانات على الإنترنت، وقد انطلقت دعوتهم إلى تشفير بيانات المستخدمين وحماية خصوصيتهم قبل أربعين عاماً تقريباً. أمّا التطوّر الأبرز، فقد تمثّل في بناء ساتوشي ناكاماتو، وهو شخص مجهول أو مجموعة أشخاص مجهولون أسّسوا البيتكوين Bitcoin وأصدروا الوثيقة البيضاء للبيتكوين bitcoin whitepaper، وبنوا إطار عمل لقاعدة بيانات عامة لامركزية وموزّعة وثابتة لا يتحكم بها فردٌ أو كيانٌ ما ولا تستلزم وضع الثقة في طرف ثالث لحماية بيانات المستخدم.

أُطلِق على هذه الفكرة مصطلح "سلسلة الكتل الموزّعة" distributed blockchain، وكانت البيتكوين العملة الرقمية المشفّرة الأولى التي استخدمت سلسلة الكتل هذه، وهي عملة انكماشية بطبيعتها ولا يسمح تصميمها بأن يتحكّم بها أيُّ بنك مركزي أو حكومة.

العملات والعقود الذكية والتطبيقات اللامركزية

تعِد العملات المشفّرة بضمان الثقة والأمن والسرية والمنفعة المتمثّلة بخفض رسوم المعاملات المالية التي تعجز النقود الإلزامية والمصارف عن تقديمها اليوم. وفي حين تستلزم الحوالات المالية التقليدية ما لا يقلّ عن ثلاثة أيام، تتمّ صفقات البيتكوين في غضون ساعة أو أقل. وبينما تصل رسوم الحوالات الخارجية في المؤسّسات التقليدية مثل "وسترن يونيون" Western Unioin إلى 10% من قيمة الحوالة، تكلّف حوالات البيتكوين أقل من 1%. ثمّة عدد محدود ونهائي من عملة البيتكوين، وهو 21 مليوناً، مما يجعلها عملة انكماشية يُحدَّد سعرها وفق قانون العرض والطلب، فيما تستطيع البنوك المركزية التحكم بأسعار النقود الورقية من خلال طبع المزيد من الأموال. ولا يحتاج مستخدمو العملات المشفّرة إلى وضع الثقة في طرف ثالث أثناء تحويل هذه العملات أو تبادل البيانات، وذلك نظراً إلى عدم وجود وحدة مركزية تتحكّم بها، إنّما تتولّى آلاف العقد الموزّعة مهمة الحفاظ على نزاهة السّجل العام للعملات المشفّرة cryptocurrency public ledger، أو ما يُعرف بسلسلة الكتل blockchain، ممّا يعيق أية محاولة لتعديل المعاملات المثبّتة سابقاً.

تتألّف سلسلة الكتل من مجموعة من الكتل أو الكتل المنفصلة يحفظ كلٌّ منها بيانات عن معاملات بين مستخدمين. والمعاملات الجديدة تُحفظ في بلوكات جديدة تُضاف إلى السلسلة من خلال عملية تُعرف بالتعدين. يتم حماية البيانات بواسطة آلية التشفير cryptography التي تعمل بشكلٍ يضمن دقّة رصد أية محاولةٍ للمساس بها، كما تستخدم السلسلة عدّة عقد مستقلة بشكل آني بحيث لا يؤدّي عطلٌ ما في أحدها إلى تعطيل سائر العُقَد. فسلاسل الكتل هي عبارة عن قواعد بيانات آمنة وفعالة. وفي إطار العملات المشفّرة، تشكّل قاعدة البيانات هذه سجلّاً يحفظ كافة المعاملات التي تمّت باستخدام العملة المعنيّة.

وعلى غرار وضع الدولار الأميركي بعد إبطال نظام قاعدة الذهب، لا تمتلك العملات المشفّرة قيمة بحدّ ذاتها. فالبيتكون هي مجرّد أداة تبادل تُحدّد السوق قيمتها، بحيث يرتفع سعرها مع زيادة الطلب عليها، وترتفع قيمتها وقابلية استبدالها بسلع وخدمات أخرى مع زيادة نسبة استخدامها، وهي كأي عملة أخرى، تستفيد من تأثيرات الشبكة. على سبيل المثال، لا يملك الدولار أيّ قيمة لو كنت أنت الشخص الوحيد الذي يستخدمه. وفي حين تعدّ البيتكوين اليوم العملة الرقمية النموذجية، ثمّة عملات مشفّرة أخرى يجري استخدامها أيضاً مثل "لايتكوين" LiteCoin، و"داش" Dash، و"مونيرو" Monero، ولدى كلّ منها خصائص معينة.  

مع انتقال المجتمعات من اقتصاد مبنيّ على المقايضة إلى استخدام عملة موحّدة في كافة المعاملات، أصبح هناك فصل بين القيمة والمنفعة. ففي المقايضة، تكون أداة التبادل هي نفسها المنفعة. فعندما أقايض ثلاث دجاجات مقابل كيلوجرامين ونصف من الملح، يشكّل الملح في هذه الحالة العملةَ والمنفعة في آنٍ معاً. ذلك أنّ حاجتي إلى الملح هي التي دفعتني إلى قبولها كعملةٍ مقابل بيع دجاجاتي. أمّا العملات فهي في المقابل مجرّد أدوات تبادل، وتكمن قيمتها في السلع أو الخدمات التي تستطيع شراءها. وقد أثبتت المقايضة أنّها وسيلة غير فعالة بسبب عجزها عن تثبيت قيمة بعض السلع، وأنها غير عملية نظراً إلى أنّها لا تستلزم إيجاد طرف يمتلك منتج معيّن وحسب إنما أن يقبل هذا الطرف بتقديم ذلك المنتج مقابل منتج معيّن آخر وضمن ظرف زمني محدّد. أما العملات، فقد سهّلت عملية التبادل باستخدام قيمة مثبّتة وقابلة للاستبدال بسلع أو خدمات في كافة الأوقات. وشكّل هذا الفصل بين القيمة والمنفعة المحرّك الأساسي الذي دفع عجلة التبادل التجاري العالمي.    

سهّلت العملات المشفّرة عبء حمل العملات المادية، بحيث أنّها عملات افتراضية ويمكن استخدامها على مدار الساعة عبر الإنترنت. تستطيع اليوم حمل أنواع مختلفة من العملات التي يصلح استخدامها في حالات معيّنة؛ ستكون بعض العملات أكثر جاذبية في المعاملات الفورية ذات القيمة المنخفضة، فيما تصلح عملات أخرى لمبالغ أكبر تتطلّب المزيد من السرية والأمن. وعلاوة على ذلك، تتطلّب بعض العملات حاليّاً استيفاء لائحة قواعد معينة لإجراء التبادل، وتُعرف هذه العملية بالعقد الذكي smart contract وهو عقد يُبرم بين طرفين أو أكثر ويستلزم تنفيذه الالتزام بشروط معينة. يمكن برمجة هذه الشروط داخل العملة الرمزية ذاتها التي تكون غالباً مفتوحة المصدر، أي أنّها تخوّل المستخدمين الاطّلاع على الرمز والتأكّد من صحّته.  

على غرار وضع الدولار الأميركي بعد إبطال نظام قاعدة الذهب،
لا تمتلك العملات المشفّرة قيمة بحدّ ذاتها.

تلغي العقود الذكية الحاجة إلى وسطاء من خلال ضمانة عدم إتمام الصفقة بين الأطراف المتعاقدة إلّا في حال استيفاء معايير معيّنة. وعلى سبيل المثال، يمكن برمجة العقد بشكلٍ لا يُرسَل فيه سند ملكية عقار معيّن إلى الشاري إلّا بعد أن يتلقّى البائع المبلغ المتوجّب كاملاً، ممّا يلغي الحاجة إلى طرفٍ ثالثٍ يلعب دور الوكيل القانوني. ويمكن برمجة عقدٍ آخر بهدف التأكد من شفافية استخدام الأموال وعدم إنفاقها على أغراض غير قانونية. ويجوز برمجة هذه الشروط ودمجها داخل العملة المشفّرة بحدّ ذاتها. وينتج عن ذلك استبدال الوسطاء المركزيين بعقود تتولّى بنفسها سلطة حفظ سلامة المعاملات، وبالتالي وضع الثقة بثبات العقد وقابليته للتدقيق.

"تعدّد التواقيع" multi-sig هو مثل بسيط عن عقد ذكي تستلزم المعاملات التي تتم بموجبه الحصول على تواقيع متعددة قبل تنفيذه. عددٌ كبيرٌ من العقود الذكية يتضمّن اليوم عنصر "تعدد التواقيع" إضافة إلى شروط أخرى مفروضة على الأطراف المتعاقدة، مثل تحويل الأموال القائم على الالتزام بالوقت أو فور الاستلام.    

تمتلك تطبيقات العقد الذكي عملتها الرمزية وقيمتها الخاصة ولكن ليس بالضرورة سلسلة الكتل الخاصة بها. يستطيع أيٌّ كان بناء عملات رمزية أو رقمية واستخدامها في سلسلة بلوكات شرط أن تكون منتجاته ملتزمة ببروتوكول تلك السلسلة. ويدفع العملاء في المقابل عمولات بالعملة الأساسية التي تعتمدها هذه السلسلة. وتعتبر "إيثيريوم" Ethereum الأشهر والأكثر رواجاً من بين سلاسل الكتل الموجودة حالياً مثل "إي أو أس" EOS، و"تيزوس" Tezos، و"كيوتم" Qtum، و"أن إي أو" NEO، فيما تتميز كلٌّ منها بعروض مختلفة. على سبيل المثال، يمكن بناء عملة رمزية وبرمجة قواعدها الخاصة وامتلاكها اسمها الخاص وقيمتها الخاصة باستخدام سلسلة "إيثيريوم"، إنّما يتوجب على الأطراف الذين يجرون معاملات عليها دفع العمولات المستوجبة بعملة "الإيثر" أي "غاز" الإيثيريوم. وكلما زاد استخدام سلسلة "إيثيريوم" نتيجة بناء المزيد من التطبيقات عليها، ارتفعت معه قيمة "الإيثر".

يمكن اعتبار هذه الأنواع من البروتوكولات تطبيقات لامركزية يُشار إليها بمصطلح "دابس" Dapps. توفّر هذه التطبيقات الاتّصال المباشر بين مستهلكي الخدمات ومزوّديها من دون الحاجة إلى وسيط أو المساومة على الثقة، وهي عادةً مشاريع مفتوحة المصدر تستخدم سلاسل بلوكات عامة. عمولات التحويل ومكافآت التعدين تسهم في تحفيز البيئة الحاضنة على الحفاظ على النزاهة وتحديث سلسلة الكتل. وتعدّ سلسلة "إيثيريوم" أحد أشكال هذه التطبيقات اللامركزية وهي تحتضن مجموعة مطوّرين يتولّون المحافظة على رمزها وتقديم مقترحات لتحديث بروتوكولها، ومُعدّنين يعملون باستمرار على تعدين الكتل ويحصلون على "الغاز" مقابل ذلك، كما يستطيع أي طرفين استخدامها من دون الاستعانة بمؤسّسة أو وحدة تلعب دور الوسيط.

العملات الرمزية للمنفعة مقابل السندات الرمزية

تأتي العملات المشفّرة cryptocurrencies على شكل عملات رمزية tokens أو عملات مالية coins تستمدّ قيمتها من حركة العرض والطلب. وتنقسم العملات الرمزية عادةً إلى نوعين: عملات رمزية للمنفعة Utility tokens يمكن استبدالها بسلعة أو خدمة معينة؛ وسندات رمزية tokenized securities وهي تلك التي تثبت ملكية أصول معينة مثل حصص، أو نقود إلزامية، أو سلع.

تكمن أهمية السندات الرمزية في أنّها سندات ملكية تُدوّن في سجلّات عامة وثابتة وغير قابلة للتلاعب أو الاختراق ممّا يضمن لمالكيها عدم فقدانها. يمكن أن تُحدِث هذه السندات تحوّلا جذرياً في نموذج حراسة الأصول المعتمد حالياً، كما يمكن أن تسهم في رفع سيولة الأصول نتيجة سرعة إجراء المعاملات وبرمجة القواعد والقيود داخل هذه السندات بما فيها تلك التي ما زالت تجري اليوم بصورة يدوية مثل اختبارات "اعرف عميلك" KYC و"مكتفحة تبييض الأموال" AML، وتوثيق صافي قيمة الأصول، والقيود الجغرافية. يمكن دمج كافة هذه القيود في طبقة العقد الذكي داخل السند الرمزي. تعتبر "شبكة جبريل" Jibrel Network التي أسّسها كلٌّ من يزن برغوتي، وفيكتور مزرين، وطلال طبّاع، مشروعاً رائعاً في هذا المجال. تهدف الشبكة إلى تحويل الأصول المالية التقليدية إلى سندات رمزية على سلسلة بلوكات "إيثيريوم" مع إبقاء الأصول في حراسة المصارف. يسهم ذلك في رفع السيولة، وخفض العمولات، وضمان انتقال أسرع للأصول بين الأطراف.

أما عملات المنفعة، فهي أشبه بنظام تجميع النقاط لدى شركات الطيران بحيث يمكن استبدالها برحلات، أو الرفع إلى درجة سفر أعلى، أو شراء السلع في المحلات التجارية، وهي تشبه أيضاً دقائق الهاتف المحمول التي يمكن استخدامها لإجراء اتصالات أو استخدام الإنترنت أو تبادل الرسائل النصية القصيرة.

عروض العملات المالية أو فعاليات بيع العملات الرمزية عادة ما تقوم بها تنظّمها شركات، أو فرق عمل، أو مؤسّسات، غير أنّ عملات المنفعة تشكّل الجزء الأكبر من العملات المعروضة للبيع.

سوف أتناول موضوع العملات الرمزية ومبيع العملات الرمزية بشكل مفصّل في مقالات لاحقة، ويكفي هنا معرفة أنّ بيع العملات هو بمثابة نشاط لبناء البيئة الحاضنة. ترتفع قيمة هذه العملات الرمزية مع ارتفاع تقدير المالكين للبيئة الحاضنة، تماماً كما في سوق الأسهم إنّما بشكل أشمل. ويصعب التمييز بين عملات المنفعة والسندات الرمزية من حيث البيئات الحاضنة وفعاليات بيع العملات الرمزية التي تغيّر أساسات الشركات وعلاقتها مع أصحاب الحصص. باختصار، تستطيع العملات الرمزية توزيع الأرباح على مختلف أصحاب الحصص في بيئة حاضنة معينة بشكل لم يكن ممكناً في السابق.  

ومن بين العملات الرمزية الشائعة:

  • "أوغور" Augur وهي عملة رمزية لسوق التنبؤات مبنية على سلسلة بلوكات "إيثيريوم".

  • "غولم" Golem وهو الحاسوب اللامركزي الأقوى والأول في العالم، وهو يستخدم القدرات الحاسوبية الصغيرة للآلات الضعيفة والتي تشكّل مجتمعة قوة الحاسوب الأكبر.

  • "سيفيك" Civic وهو نظام لإدارة الهوية مبني على سلسلة الكتل.

  • "بايزك أتنشن توكن" Basic Attention Token وهي شبكة لتبادل الإعلانات مبنية على سلسلة بلوكات "إيثيريوم".

  • "تِذر" Tether التي تصدر عملات تثبّت قيمة النقود الإلزامية.

جني الأموال من طبقة البروتوكول

يمثل العَقد الذكي نوعاً من البروتوكول، بحيث يفرض ما هو مسموح أو غير مسموح به ضمن شبكة معينة. ويكمن الفارق الأساسي بين البروتوكولات التقليدية وبروتوكولات اليوم الرمزية tokenized protocols في أنّ تبادل البيانات عبر البروتوكول بات اليوم قادراً على درّ الأموال. كتب فراد ويلسن من شركة "يونيون سكوير فينتشرز" Union Square Ventures مقالةً رائعةً حول هذا الموضوع يمكن الاطّلاع عليها عبر هذا الرابط. ففي حين استفاد المستخدمون إلى حدٍّ كبيرٍ من بروتوكولات الإنترنت التقليدية، إلا أنّ التطبيقات مثل "فايسبوك" و"جوجل" و"تويتر" هي وحدها التي جنت الأرباح، مستفيدةً من انتشار الإنترنت الذي لم يحقق بدوره ولا البيئة الحاضنة من حوله أي منفعة مالية من استخدام هذه المنتجات. وانطلاقاً من هنا، فإنّ القدرة على إنتاج الأموال عند طبقة البروتوكول هي تحوّل ضخم سوف يغيّر بشكل جذري المقاربة التي يتبنّاها روّاد الأعمال والمبرمجون في تطوير تقنيات جديدة.

يسترسل فراد ويلسون بشرح النقاط التي تطرّق إليها في المقالة المشار إليها أعلاه، وذلك في مقالةٍ أخرى نشرها مؤخراً بعنوان "كيف يتم تقييم الأصول المشفّرة" How to Value Crypto Assets. يرى ويلسون في مقاله الثاني أنّه من الخطأ تقييم العملة المشفّرة باعتماد أسلوب تقييم شركة تقليدية، ذلك لأنّ الكثير من هذه العملات المشفّرة هو عبارة عن منصّات تفوق فيها قيمة طبقة البروتوكول مجموع قيم التطبيقات المبنية عليها.

سوف أناقش موضوع تقييم العملات المشفرة أو الرمزية في مقالات لاحقة. ولكن في المحصّلة، من الخطأ تقييم العملات ولا سيّما المنصّات بالطريقة نفسها التي يجري فيها تقييم المنتجات والشركات اليوم، ذلك لأن هذه البروتوكولات والبيئات الحاضنة تمثّل بالنسبة للتطبيقات ما تمثّله الإنترنت بالنسبة إلى الشركات التقنية: إنها الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها كافة المنتجات؛ فكيف يمكن تقييم الإنترنت؟

ما زلنا اليوم في مرحلة بناء البنية التحتية والبروتوكولات.

النتائج

قد يكون للعملات المشفرة وعملات المنفعة تأثيرات ضخمة في الشركات التقليدية ولا سيما ضمن القطاع المالي والرأسمال المخاطر. فالعملات المشفّرة تحدّ من وظيفة المصارف كوسيط في المعاملات، وتحلّ مكان النقود الورقية الإلزامية والسلع على أنّها وسيط التبادل النموذجي. كما أنّ العروض الأولية للعملة المشفّرة ICO ومبيعات العملات الرمزية تساهم في تغيير استراتيجية جمع الأموال التي تتبنّاها الشركات الناشئة حالياً مع المستثمرين المخاطرين. وأكثر من ذلك، فإنّ آلية العقود الذكية والتطبيقات اللامركزية التي لا تتطلّب وضع الثقة في طرف ثالثٍ يمكن أن تؤثر في كافة القطاعات والمجالات الاجتماعية، بدءاً من إدارة سلسلة التوريد مروراً بالتصويت، ووصولاً إلى الحوكمة العامة. وشركات الإنترنت الضخمة ستتأثّر بدورها بعد أن تبدأ الأسواق والشبكات الاجتماعية اللامركزية بالاستحواذ على حصة في السوق. تبدو الفرص عظيمة والصعوبات بسيطة جدّاً في المرحلة المقبلة، فهل هي مسألة وقت فقط قبل أن تحلّ العقود الذكية والأصول الرقمية مكان العقود الاجتماعية التقليدية، أم أن المسألة تكمن في ما إذا كانت ستنجح بذلك على الإطلاق؟

أضفتُ في نهاية هذه المقالة بعض المقالات والفيديوهات المقترحة لكلّ من يرغب بتعميق معرفته حول هذا الموضوع. وإذا كان لديك الفضول لمعرفة المزيد، فكّر في الاستثمار في "بيتكون" و"إيثيريوم"، أو خاطر بشراء بعض العملات البديلة (يمكنك استخدام منصة "شايب شيفت" ShapeShift لهذه الغاية). وإذا كنت تقطن في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، فالعنوان الأفضل لشراء "إيثيريوم" و"بيتكوين" هو عبر منصة "بت أويزس" BitOasis. كما يمكنك التسجيل في دورات إلكترونية حول التشفير من أجل التعمّق بفهم مبادئ العملات المشفّرة.

ما زلنا اليوم في مرحلة بناء البنية التحتية والبروتوكولات، ولا يمكن اعتبار عدد المستهلكين دليل نجاح أو فشل في هذه الفترة. فالهدف الأساسي من هذه المرحلة هو رفع عدد المستخدمين، وإنشاء البنية التحتية، وتحسين أمن تكنولوجيا سلسلة الكتل وثباتها.  

سوف أتطرّق في المقالة المقبلة إلى التحوّل الكبير الذي ستحدثه البيئات الحاضنة المبنية حول التطبيقات اللامركزية والعملات المشفّرة، على مستوى نظرتنا حيال تأسيس الشركات أو المنتجات أو التطبيقات، وكيف يمكن توزيع قيمة الشبكات والبيئات الحاضنة بين كافة أصحاب الحصص بشكل يكون أكثر إنصافاً من نماذج الشركات التقليدية المنتشرة اليوم.  

في عالمٍ بات فيه تحقيق شفافية البيانات وسريّتها وثباتها أمراً ممكناً ومحبّذاً، تعِد سلسلة الكتل بحلولٍ أكثر فعالية وإنصافاً.

وأقترح في النهاية العناوين الآتية (باللغة الإنجليزية) لكلّ من يرغب بالاطّلاع على المزيد من المعلومات، كما يمكنكم متابعة تغريدات خبراء في هذا المجال أدرجت أسماؤهم على قائمة خاصة على تويتر.

(الصور من "بيكساباي" Pixabay)

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة