القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2017: هل يمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص الحدّ من الروتين في الاقتصاد الأخضر؟

اقرأ بهذه اللغة

هذه هي المقالة الأولى من مقالتين حول مستقبل الاقتصادات الخضراء العالمية والإقليمية.

في ديسمبر 2015، برز القانون الإيطالي رقم 221 باعتباره معلمًا تشريعيًا مهمًا لخطّة الاقتصاد الأخضر العالمية. على الصعيد العالمي، كانت الحكومات تعمل بنشاط على تصميم برامج لتحفيز الاستدامة البيئية والاقتصادية، ولكن القانون الإيطالي رقم 221 كان من أول القوانين التي وضعت إطارًا تنظيميًا جعل الشركات تخضع للمساءلة كما هو الحال مع المواطنين.

وفي المنطقة، أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2012 مبادرة الاقتصاد الأخضر، التي تستهدف البلاد من خلالها إلى أن تصبح مركزًا عالميًا للاقتصاد الأخضر الجديد في سبيل تعزيز القدرة التنافسية للبلاد واستدامتها والحفاظ على بيئتها للأجيال القادمة.

وبالنسبة لأولئك الذين يعملون ويعيشون على حساب البيئة، يبدو الاقتصاد الأخضر المطلق أمرًا مثاليًا فوق الحاجة. وهذا بالضبط هو السبب في أن النماذج الخضراء لا تزال في المنطقة الرمادية، على الرغم من الجهود المبذولة من جانب التكتل العالمي وعلى مستوى البلاد.

إن هذا الانتقال المليء بالإشكاليات إلى اقتصاد تدفع فيه الاستدامة البيئية المصالح المؤسسية والحكومية، بدلاً من أن تعطلها، لم ينل حظه من تركيز ممثلي القطاع الخاص أو القطاع العام في مؤتمر القمة العالمية للاقتصاد الأخضر الذي انعقد في دبي أواخر أكتوبر من هذا العام. ولكن كلاهما يراهن، ويراهن بشدة، على التزامه الحتمي بتحقيق الاستدامة للبلاد والشركات ومن ثم الشعوب. لماذا، ولماذا الآن؟

هاجر نجدي (صورة في إطار القمة العالمية للاقتصاد الأخضر)

المصلحة الضرورية

أوضح هاجر نجدي، المدير الإداري الأول ورئيس مجموعة ماكواري كابيتال لمنطقة آسيا والشرق الأوسط، في كلمته الرئيسية، أنه إلى جانب برامج الإصلاح الجاري تنفيذها على مستوى البلاد في مختلف مناطق العالم، يصنع التقدم التكنولوجي في قطاع الطاقة فرقًا ملحوظًا وسريعًا في تطوير الاقتصادات الخضراء. وقال نجدى "تتزايد الآن الجهود الرامية إلى التخلص من الكربون في جميع اقتصادات العالم"، وهذا الاتجاه مدعوم بسياسات حكومية عالمية أكثر صرامة، إلى جانب المزيد من الأهداف البيئية قصيرة الأجل. ويعتمد الكثيرون على عام 2020؛ حيث كان من المفترض بحلول ذلك الوقت أن تكون اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ وصندوق المناخ الأخضر قد جمعوا 100 مليار دولار، وتكون دبي قد وصلت إلى هدفها بالوصول بنسبة الطاقة النظيفة إلى سبعة بالمئة.

وقد أدى انخفاض أسعار النفط، ومن ثم الحاجة الماسة لتنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن النفط والغاز، إلى تحويل بوصلة المصالح العامة والخاصة نحو الطاقة المتجددة. وعلى الصعيد العالمي، ستكون التكنولوجيا الرخيصة عاملاً رئيسيًا في إضفاء الطابع الديمقراطي والشفافية على قطاع الطاقة - وهو ما لا يتضح في أي مكان أكثر منه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا،  حيث ظهرت مجموعة كبيرة من الشركات الناشئة تعمل بنشاط على مواجهة مشاكل الطاقة.  

وقد أشار نجدي إلى أن هذا التحول سيكون أكثر وضوحًا في توزيع الطاقة اللامركزي، ومن ثم في النماذج التجارية، وأخيرًا سيظهر أثره على الشركات الناشئة. وبالطبع سيأتي المال بعد ذلك، ولكن ليس بالصورة التقليدية المتوقعة. وأضاف نجدي "إن من الواضح أنه لن يكفي الاعتماد على نهج استمرار العمل رغم الصعوبات في استثمارات البنية التحتية الخضراء".

الرأي العام

لقد كان اتفاق باريس القائم على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ بداية قوية، حيث دخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ في نوفمبر 2016. ويجمع الاتفاق الحكومات من جميع أنحاء العالم لمواجهة تغير المناخ ووضع أطر مالية وتكنولوجية وأطر لبناء القدرات. ومع ذلك، ونظرًا لنهج الاتفاق في "السماح للدول بتحديد إسهاماتها في تحقيق أهداف الاتفاق" على نحو وفر للدول الأعضاء قدرًا كبيرًا من المرونة، فقد اعتبر النقاد ذلك الاتفاق متهاونًا كثيرًا بسبب ذلك. وعلى هذا الأساس، انسحب الرئيس ترامب من الاتفاق، على اعتبار أن الولايات المتحدة ستعاود الدخول في ذلك الاتفاق بشروط أكثر ملاءمة.

حلقة نقاش في اتفاق باريس (صورة في إطار القمة العالمية للاقتصاد الأخضر).

وفي حلقة النقاش حول الاتفاق، قال وزير الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة المغربي، عزيز رباح، أنه "يجب على الدول المتقدمة صاحبة النصيب الأكبر في تلويث البيئة أن تعزم النية بصدق على مواجهة تغير المناخ." يقول رباح أن الاتفاق يجب أن يعتمد على ثروة الدول الغنية ونفوذها، خاصة في تنظيم فوائدها من الاستثمار في صندوق المناخ الأخضر.

بموجب اتفاق باريس، كان من المقرر أن تساعد الدول المتقدمة الدول النامية على تمويل بناء قدراتها الخاصة. وفي هذا الإطار كان من المخطط أن توفر الدول المتقدمة 100 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2020، إلا أنها لم تجمع سوى 10.3 مليار دولار أمريكي فقط. ولم يعد لديها سوى وقتٍ قليلٍ للوفاء بوعدها.

وفيما يخص محدودية الموارد، أكد رباح أنه من الأفضل للدول النامية أن تستثمر في تطوير التقنيات بما يتناسب مع احتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية، بغض النظر عن مدى تقدمها. وأضاف قائلاً لا ينبغي للدول النامية، من الناحية المثالية، "أن تسمح بوجود الشركات العالمية في بلداننا إذا لم تحترم البيئة".

الممارسة تؤدي إلى الاتقان

ليس بالضرورة أن تلقى رؤية رباح المثالية صدى في الاقتصادات الكبرى المرتبطة في الأساس بمصالح الشركات. ويزيد الشعور بالحاجة الملحة لدى المتضررين ضررًا مباشرًا من تغير المناخ؛ وهي النقطة التي تم التأكيد عليها في حلقة نقاش لاحقة ضمن كلمة قوية لإديم بخشيش، رئيس شعبة الدول العربية وأوروبا ورابطة الدول المستقلة في مكتب الأمم المتحدة للتعاون فيما بين بلدان الجنوب.

يتركز اختصاص بخشيش على دول العالم الجنوبية [الدول النامية]، وهي المنطقة التي تشمل "أصحاب المصلحة الأكثر حرصًا" على بذل الجهود لمواجهة تغير المناخ. ويركز بخشيش نقده خصوصًا على طرق تحايل الشركات على اللوائح البيئية.

وقد أوضح بخشيش أن النجاح الاقتصادي "يرتبط غالبًا وبصورة مباشرة بزيادة معدلات الاستهلاك المتنامية غير المستدامة"؛ وعادة ما يخص ذلك الاستهلاك منتجات التكنولوجيا التي تتسم "بالتقادم الذاتي السريع"، حيث ظلت تلك المنتجات توفر مصادر دخل ثابتة لشركات التكنولوجيا على نحو مستمر. ومع ذلك، فإن شيوع سمة التقادم السريع للمنتجات الإلكترونية على نطاق واسع يمكن أن يؤثر سلبًا على نحو كارثي على البيئة، كما حدث في الحي الغاني الذي تحول إلى أكبر مقلب نفايات إلكترونية في العالم. وتعتبر هذه الدولة هي الوجهة النهائية لنحو 215,000 طن من الأجهزة الإلكترونية المستعملة القادمة في معظمها من أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

وأوضح بخشيش "إنهم يرسلون أجهزتهم تحت مسمى السلع المستعملة بغرض 'سد الفجوة الرقمية'، في حين أن معظم هذه السلع في الواقع غير مفيدة".

من ناحية أخرى، أكدت عائشة العبدولي، مدير إدارة التنمية الخضراء بوزارة التغير المناخي والبيئة أن دولة الإمارات العربية المتحدة تعمل الآن، من خلال مجموعة أدوات مكونة من 41 مؤشر أداء رئيسي تشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لتحولها إلى الاقتصاد الأخضر، على تقدير حجم جدول أعمالها الخاص بتعزيز الاقتصاد الأخضر 2015-2030.

وشددت العبدولي على أهمية منح القوة للمشاريع الخضراء من خلال فرص التمويل، مع التركيز الخاص على الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

كيف يمكن للبيئية الإقليمية للشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تنطلق إلى ما وراء صفقات التمويل الضخم للبنية التحتية؟ ويعلق وسام الربضي، مدير برنامج التنافسية الأردني، قائلاً "إن السياسات القابلة للتنبؤ والشفافة التي تؤدي إلى استراتيجيات تضم مجموعة من الأهداف ومؤشرات الأداء الرئيسية، سوف تؤدي فيما بعد إلى قوانين وإطار تنظيمي، وسوف تنتهي أخيرًا إلى إجراءات شفافة على المستوى البيئي والاجتماعي".

يبدو هذا وكأنه شيء من الرطانة. ولكن كما علم الربضي بالتجربة المباشرة، فإن الشيطان يكمن في تفاصيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص. وذكر الربضي أنه في عام 2011، "مع الارتفاع الشديد في أسعار النفط وتعطل خط أنابيب الغاز المصري، وجد [قطاع الطاقة في الأردن] نفسه في موقف صعب حقًا".

وهكذا، وضعت الحكومة هدفها بالوصول بحصة الطاقة المتجددة إلى نسبة 15 بالمئة من إجمالي إنتاج الكهرباء بحلول عام 2020. وأبرمت الحكومة صفقات شراء كبيرة مع 12 شركة من شركات إنتاج الطاقة المستقلة، وبعد ذلك بعامين، حاولت التفاوض لتخفيض هذا الكم مع انخفاض أسعار تكنولوجيا الطاقة. وأوضح الربضي أن "هذا الأمر قد عرَّض مصداقية الحكومة مع القطاع الخاص للخطر فعلاً".

من المتوقع أن يؤدي سوء التخطيط وعدم المرونة في الشراكات بين القطاعين العام والخاص إلى مخاطر نظامية وتطورات في قطاع الأعمال المعني على نحو يفسد عطاءات الشراكات بين القطاعين العام والخاص. ولكن قد يؤدي إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة إلى قصص نجاح، ويوجد نموذج لذلك أيضًا في الأردن.

وتحدث الربضي أيضًا عن ظهور برنامج تحالف بين المستشفيات في الأردن لتوليد 50 ميجاوات من الطاقة المتجددة اللازمة لها، حيث واجه برنامج التحالف هذا مقاومة في البداية، ثم استطاع الفوز بالمشروع بعد التفاوض؛ فتم الاتفاق على زيادة مقدار الطاقة التي تولدها المستشفيات إلى 60 ميجاوات، بحيث يتم توجيه نسبة 10 بالمئة منها لأغراض التدفئة بالمدارس الحكومية. ولم يتضح بعد ما إذا كان هذا الحل الوسط سيؤتي ثماره أم لا.

حلقة نقاش بشأن التمويل الأخضر (صورة في إطار القمة العالمية للاقتصاد الأخضر)

الإبهام الأخضر

ومع ذلك، على حد قول سيباستيان برنارد، المستشار العام لشركة فيوليا الشرق الأوسط، فإن "المقرضين عادة ما يحرصون على العثور على بيئات مستقرة جدًا ويمكن التنبؤ بها". ويعطي مقرضو شراكات القطاعين العام والخاص الأولوية لقدرة الجهات الراعية على الوفاء بالتزاماتها من حيث التدفق النقدي وخدمة الدين، وهم يقدمون ذلك على أي شيء آخر. ماذا يعني هذا للتمويل الأخضر؟

أوضح برنارد أن التمويل الأخضر يخضع لديناميات المخاطر والعوائد نفسها كما في القطاعات الأخرى. وقد أكد نجدي في كلمته أنه عندما تغيب معايير الإدارة المالية بسبب الحاجة لمثل هذه الاستثمارات لدفع الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية، فسوف يحتاج المختصون والمستثمرون المتعهدون إلى المشاركة ودفع نطاق "ما يمكن استثماره تجاريًا".

ومن جانبه، قال أنتوني كوري، محرر مشارك في قسم التحليلات المالية Breakingviews بوكالة أنباء رويترز، في مستهل حلقة نقاش حول التمويل الأخضر "إن هناك انطباعًا شائعًا بأن البنوك و[التمويل المؤسسي] لا يضخون ما فيه الكفاية من الاستثمارات الخضراء". وهو يُلمّح إلى الجيل القادم من أبناء الألفية الجديدة ذوي الوعي البيئي الجيد، وورثة الثروة الرمادية، باعتبارهم المحفزين الرئيسيين لجداول أعمال البنوك الخاصة بتعزيز الاقتصاد الأخضر.

بدوره، اعترف فرانك بيكرز، رئيس تمويل المشاريع والخدمات الاستشارية في بنك أبوظبي الأول، بالالتزام الفاتر للبنوك المحلية تجاه الاستثمارات الخضراء الصغيرة، ناهيك عن المشاريع التي تحتاج إلى تمويلات ضخمة. وأكد أيضًا أنه في هذا السياق نفسه، ستتطلب الأهداف البيئية الطموحة، "والتي تفوق كثيرًا أهداف البلدان الأخرى"، سيولة ضخمة من أسواق رأس المال. ولا يمكن للمقرضين القيام بذلك الدور بمفردهم.

ويتسأل كوري، إذا كان إصدار السندات الخضراء قد ظل هو الدافع الرئيسي لأعمال الشركات المتعلقة بالطاقة النظيفة، حيث انضمت شركة أبل مؤخرًا للمشاركة في تلك الأعمال.إذن، "هل هذا الأمر هو حيلة سوق للشركات الغنية بالسيولة؟"  

لا يستشعر روبرت تود، المدير العالمي لمصادر الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة في بنك HSBC، مثل هذه الشكوك. إنه يرى أن تجاوز حد الاكتتاب على السندات الخضراء، والتنوع في مصادر التمويل، يعود إلى نضج مشاريع الطاقة المتجددة.

ومن ناحية أخرى، فقد دعا القطاع المصرفي إلى تطبيق حوافز تنظيمية على التمويل الأخضر، ومنها على وجه التحديد خفض متطلبات رأس المال للسندات والقروض الخضراء. ولكن يعترض الكثيرون على التقليل من المخاطرة المرتبطة بمشاريع الاستدامة البيئية في سبيل المرونة الرأسمالية. وفي ختام حلقة النقاش، قال البروفيسور فاليريو دي لوكا، الرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للاقتصاد والتنمية الاجتماعية، "بغض النظر عن مشكلات رأس المال، يتمثل الحاجز الرئيسي أمام الاستثمارات الخضراء في "أن السوق والمؤسسات المالية غير مستقرين على تعريف واضح للاقتصاد الأخضر". وهذا هو تحديدًا خط الأساس الذي ينبغي التركيز بشدة.  

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة