ألعاب اليوم، كتب الغد

ألعاب اليوم ستكون كتب الغد. (الصورة عبر بيكساباي Pixabay)

اقرأ بهذه اللغة

في المستقبل، قد يستبدل الأولاد مئات الألعاب التي يتلقونها في المناسبات (والتي لا يلعبون سوى بعدد ضئيل منها) بألعاب قابلة للتخصيص يبتكرونها بأنفسهم.

فقد لاحظ رائدا الأعمال اللبنانيان إبراهيم عز الدين وباسل جلال الدين أنّ الأولاد سرعان ما يملّون من الألعاب التي يحصلون عليها ويفكرون في اللعبة التالية. فقررا تصميم منصة شيربا Cherpa، وهي برنامج يسمح للأطفال والمراهقين والبالغين بابتكار مواضيع للألعاب عن طريق استخدام أدوات برمجة بسيطة وربطها بالروبوتات وغيرها من حزم الأجهزة التي يمكن شراؤها من المتاجر.  

لا تزال المنصة في المرحلة التجريبية ويختبرها أكثر من 100 لاعب ومطوّر برامج ولديها سفراء من ستة دول هي: البرتغال وإسبانيا وألمانيا وهولندا والولايات المتحدة الأميركية والكويت.

استهدفت المرحلة الاختبارية الأولى المستهلكين مباشرة B2C"؛ حيث كان بوسع المستخدمين شراء أي حزمة أجهزة أو لوح التطوير "آردوينو Arduino" (منصة مفتوحة المصدر تُستخدم لكتابة رموز الكمبيوتر وتحميلها إلى اللوح المادي) من أي محل للأجهزة التقنية، ومن ثم التسجيل على "شيربا" لاستخدام المنصة وربط الجهازين. وعلى المنصة، سيجدون روبوت دردشة للمساعدة يعمل بالذكاء الاصطناعي ويجيب على أسئلة المستخدمين حول كيفية ربط الأجهزة وماهية الرابط أو المقاوم أو المتحكم الدقيق، وما إلى ذلك.

أما المرحلة الاختبارية الثانية فستهدف المؤسسات B2B"؛ حيث يعكف المؤسِّسان على إعداد منهج لعلم الروبوتات يستغرق 30 ساعة ويستهدف المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و18 سنة، وبهدف طرح هذا المنهج في المدارس.

ستساعد مثل هذه الدروس الأولاد على دراسة علم الروبوتات من خلال مهمة حقيقية في أحد المواضيع الثلاثة التالية: المدن الذكية، وعلم الفلك، وصناعة السيارات. وسيتمكن أولياء الأمور والمدربون من إنشاء مدينة افتراضية ذكية وتعيين المهمات ليؤديها المراهقون، مثل إنارة الطرقات ليلاً. يمكن إعداد هذه المهمات بسهولة دون الحاجة إلى أي خبرة مسبقة في مجال البرمجة. وحين يبدأ المراهقون بكتابة الرموز، سيشاهدون بشكلٍ فوري التغيرات منعكسة في البرنامج. ويستطيع أولياء أمرهم أن يشتروا حزم أجهزة مختلفة، قد يشمل بعضها أجهزة الاستشعار أو أجهزة التنبيه الطنانة أو مقاييس الحرارة، وما إلى ذلك.

سينطلق المنهج في شهر فبراير هذا العام ضمن عدة مدارس في مختلف أنحاء لبنان. ويقول جلال الدين في هذا الصدد: "نقوم بالتنسيق مع المدارس، ونسعى إلى أن تتمتع كل مدرسة بنادٍ لتدريس علم الروبوتات أو أن تندمج الدورة في منهجها الدراسي. كما نرغب في أن يعمل المدربون على توجيه الطلاب وابتكار المواضيع وتدريسها لهم". ويخطط المؤسِّسان لتدريب المدربين على كيفية استخدام البرنامج لابتكار مهمات جديدة.

ألعاب المستقبل

في عام 2007، بلغ مجمل عائدات سوق الألعاب العالمية 78 مليار دولار؛ أما في عام 2015 فقد وصلت إلى 87 مليار دولار. ويهيمن منذ سنوات على هذا القطاع الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات شركاتٌ ضخمة مثل "ليجو Lego" و"ماتيل Mattel" و"نامكو بانداي Namco Bandai".

وتدرك هذه الشركات الضخمة تنامي أهمية التكنولوجيا في قطاع الألعاب. على سبيل المثال، تُنتج منصة الأجهزة "ليجو مايندستورمز Lego Mindstorms" روبوتات قابلة للبرمجة تسمح للأولاد ببناء الروبوتات باستخدام قطع بناء الليجو وكذلك التحكم بها. ويُعد منتَجها "ليجو بوست Lego Boost" نموذجاً آخر من الروبوتات يستطيع الأولاد من خلاله كتابة البرامج باستخدام تطبيق على الأجهزة المتنقلة.  

وخلافاً للرسوم المتحركة والألعاب التي اعتدنا عليها، ستساعد هذه الأجهزة الجديدة الأولاد على اكتساب مهارات أفضل بمساعدة الحاسوب وتحصيل المعرفة بشكلٍ أسرع نظراً إلى طبيعتها التي تشجع التعليم الفعال.

وفي هذا الصدد، شدّد البنك الدولي على أهمية الابتكار الرقمي باعتباره أحد التوجهات الثلاثة التي ستحدث تغييرات جذرية في قطاع الطاقة إذ سيولّد هذا الابتكار فرصاً جديدة للاقتصادات العالمية. وبالرغم من أن تدريس البرمجة لا يشكِّل سوى جزءاً واحداً من هذا الابتكار، فهو يوفّر الدافع اللازم لتغيير العقليات ووجهات النظر وبذلك إشراك الشباب في بناء بيئة مستدامة. وسيؤدي الاستثمار في إدماج مثل هذه المعرفة في المدارس إلى جني فائدة كبيرة على الاقتصاد، لا سيما في دول الخليج العربي التي تسعى إلى توفير مصادر دخل بديلة للابتعاد عن الاعتماد المستمر على النفط.

كي نعد الشباب الصغار من أجل قيادة اقتصاديات المستقبل، علينا أن نبدأ معهم من المراحل المبكرة. فطفل اليوم الذي يمضي وقته في برمجة الروبوت ويعطيه أوامر لإضاءة الأنوار في الغرفة أو يضيف له جهاز استشعار لقياس حرارة الغرفة هو الطفل نفسه الذي سيستطيع في المستقبل برمجة روبوت لحل مشاكل حياتية أكثر جدية وأهمية. ولكي يحدث ذلك بنجاح، ينبغي أن نشجّع الطلاب في المدارس على حلّ المشاكل والعمل الجماعي.

تقدّم دراسة نشرتها مجلة "هارفرد بيزنيس رفيو Harvard Business Review" إثباتاً على ذلك؛ إذ تفيد بأنه "مع ازدياد تحوُّل العالم إلى التقنيات الرقمية اليوم، أصبحت أهمية علوم الحاسوب في الدراسات العلمية والفنية كأهمية الكتابة والرياضيات تماماً. ويبقى للفرد حرية الاختيار بين مسيرة مهنية في علوم الحاسوب أو أي مجال آخر ولكن مهارات البرمجة ستساعده في تحقيق المزيد في المجال الذي سيختاره. ولهذا نرى ضرورة تطبيق دورة دراسية في مهارات برمجة الحاسوب الأساسية بالصف التاسع أو ما يكافئه".

ولربما هذا هو السبب الذي دفع مؤسسي شيربا إلى تغيير نموذج أعمالهما ليكون بين المؤسسات واستهداف المدارس.

في لأساس، تبلورة فكرة "شيربا" عن مشروع التخرج الذي عمل كلاهما عليه في الجامعة اللبنانية الأميركية. وبعد تخرجهما، قدما فكرتهما إلى مسرعة الأعمال "سبيد Speed" في لبنان وربحا مسابقة "سيد بوست SeedBoost" التابعة للمسرعة في عام 2017. كما ربحا جائزة أفضل شركة ناشئة شابة في أسبوع "جيتكس GITEX" في دبي، وانضما إلى برنامج "بلاك بوكس كونكت Blackbox Connect" في وادي السيليكون عام 2017 من خلال "ليب نيت إجنايت LebNet Ignite"، وهو برنامج لبناني مُصمم لدمج مؤسسي الشركات الناشئة من اللبنانيين في ثقافة وادي السيليكون.

الألعاب أدوات لا أكثر

كما ناقشت مسبقاً في مقال نُشر على منصة ومضة، برزت في السنتين الأخيرتين عدة أدوات تعليمية وتربوية، أكانت الدورات التعليمية على الإنترنت (المساقات الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت MOOCs) أم حزم الروبوتات مثل "ليتل بيتس littleBits" و "ذا ليتل إنجنير The Little Engineer".

لكن المثير للاهتمام هو أن المبادرات الخاصة والمسابقات المحلية لم تعد اليوم تكمّل المناهج الأكاديمية القديمة من أجل إعداد الطلاب للعالم الواقعي بعد الدراسة؛ بل أصبحت "هي نفسها المناهج" التي على المدارس إدماجها وتطبيقها للحفاظ على تقدمها واتصالها بما يحدث في العالم الواقعي.

فعلى سبيل المثال، تتعاون شركة "ليتل بيتس" من مقرها في نيويورك مع حوالي 10,000 مدرسة مباشرةً ومع حوالي 20,000 مدرسة من خلال موزعيها، بحسب آية بدير، مؤسسة الشركة اللبنانية والكندية الجنسية. وتقول السيدة آية: "سنواصل التركيز على التعليم داخل الغرفة الدراسية وخارجها. لكم يشجعنا الأثر والمفعول الذي نراه، ونهدف إلى مواصلة توسيع نطاق المواضيع والمحتوى وكذا رقعة انتشارنا".

مما لا شك فيه أن التغيير يحدث، وإن كان ببطء. فبإلقاء نظرة على البيانات التي نشرتها المؤسسة غير الربحية "كود دوت أورج Code.org"، نلحظ زيادة في عدد الدول التي تبنت علوم الحاسوب في منهجها التعليمي.

وبحسب التقرير السنوي للمنظمة، "[منذ ثلاث سنوات ونصف السنة] أعلنت 11 دولة و31 ولاية في الولايات المتحدة الأميركية وأكثر من 120 مدينة ومنطقة تعليمية أميركية عن جهودها لتوسيع رقعة الحصول على علوم الحاسوب ضمن المناهج من التعليم الأساسي إلى الثانوي؛ وتم طرح مادة مبادئ علوم الحاسوب ضمن برنامج التعيين المتقدم في أكثر من 2,000 غرفة دراسية؛ وشارك أكثر من 50,000 معلّم في الولايات المتحدة بورش عمل حول تدريس علوم الحاسوب؛ كما بدأ أكثر من 500,000 معلّم حول العالم بتدريس علوم الحاسوب لأكثر من 16 مليون طالب؛ هذا وقد تحسنت نسب التنوع بين الطلاب في صفوف علوم الحاسوب للسنة الثانية على التوالي".

 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة