أكثر من 3 ملايين وظيفة في دول الخليج مهددة بالزوال والحلّ التكيّف مع الذكاء الاصطناعي

اقرأ بهذه اللغة

شيئاً فشيئاً، سيصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث يطال تأثيره كافة جوانب العجلة الاقتصادية. فيما يهدّد وقعه الهائل بشكال خاص العمّال الذين يواجهون خطر فقدان وظائفهم لصالح الآلة. ومع ذلك، يمكن استغلال هذا التطور التقني بطريقة تمكننا من تحقيق الاستفادة القصوى من المهارات واليد العاملة البشرية.

بحسب دراسة صادرة عن شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" PwC حول الذكاء الاصطناعي،  تحت عنوان "استغلال ثورة الذكاء الاصطناعي "، فإن المساهمة المحتملة لهذه التكنولوجيا في الاقتصاد العالمي قد تصل إلى 16 تريليون دولار بحلول العام 2030. وقد بدأت هذه الموجة تجتاح الشرق الأوسط أيضاً.

من المتوقّع أن تستحوذ المنطقة على ما نسبته 2% من المكتسبات العالمية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في العام 2030. أي ما يوازي 320 مليار دولار. كما من المتوقّع أن تستحوذ السعودية على النسبة الأكبر من الأرباح، حيث سيسهم الذكاء الاصطناعي بأكثر من 135.2 مليار دولار في الاقتصاد السعودي لعام 2030، أي ما يوازي 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي. ويُرجح أن يكون الأثر الأكبر في الإمارات حيث ستبلغ نسبة مساهمة الذكاء الاصطناعي 14% من الناتج الإجمالي المحلي في عام 2030. مع العلم أن كلّ من السعودية والإمارات هما بين الدول الخمسين الأولى الواردة على مؤشر الابتكار العالمي لعام 2017، من حيث القدرة على الابتكار ونتائج هذا الابتكار.

جاين بيتر مور (الصورة عبر لينكدين)

ويقول جان بيتر مور، الشريك المساعد في شركة "مكنزي أند كومباني" McKinsey & Company إنّ وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتأثر بعاملين رئيسيين: أولاً، المجتمعات الشابة في معظم دول المنطقة وتوفر العمالة الأجنبية برواتب منخفضة. وأضاف مور في مقابلة مع "ومضة" "قد يعيق ذلك انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي بالمقارنة مع الدول التي تشهد شيخوخة متسارعة، وحيث يشكل تبني الذكاء الاصطناعي ضرورة لمعالجة النقص في القوة العاملة." ثانياً، بدأت الكثير من الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تستثمر في التكنولوجيا الجديدة كجزء من استراتيجياتها الطموحة لتنويع نموذجها الاقتصادي باتجاه اقتصاد المعرفة.

من ناحيته، يرى مورغان فرانك، مساعد البحوث في مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس التقني MIT أن الاقتصادات الناشئة تركز على الانتقال من اقتصاد قائم على استخراج الموارد، مثل التنقيب عن النفط أو الزراعة، إلى اقتصاد قائم على المعرفة.

وبشكل مبسط، يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيزيد إنتاجية مختلف القطاعات، بما فيه القطاع المالي والقطاع التكنولوجي، من خلال الحدّ من حجم العمالة اللازمة لأداء المهام المتكررة. بدوره، سيؤدي ذلك إلى زيادة العوائد على رأس المال الاستثماري في هذه المجالات. وأضاف مور أنه إلى جانب النموّ الاقتصادي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب أيضاً دوراً مهماً في تحسين المدى المتوقع للحياة، والحدّ من الهدر الاقتصادي، وإتاحة استخدام أذكى للموارد الطبيعية، مثلاً من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية الوقائية الشخصية، وفي الصيانية التنبئية للبنية التحتية والصناعة، وفي القياسات الذكية في المرافق.

من جهته، رأى جيرارد غالاغير، رئيس قسم الاستشارات في شركة "أرنست أند يونغ" EY  الشرق الأوسط أن الفرص والفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي لم تستكشف بالكامل بعد، ولكن ذلك سيحصل في النهاية. وأضاف "أدى تعيين وزير للذكاء الاصطناعي في الإمارات إلى إطلاق موجة من النقاش (والحماس) على شبكات التواصل الاجتماعي، وحظي بتغطية إعلامية واسعة. وقد أسهم ذلك في جعل موضوع الذكاء الاصطناعي في متناول العامة بطريقة غير مسبوقة، وعزز النقاش حوله. وهذا مؤشر قوي يؤكد على التزام البلاد بالابتكار."

جيرارد غالاغير (الصوة من خلال EY)

الفرص خلف المخاطر

على الرغم من الفوائد العديدة التي يعد بها الذكاء الاصطناعي، إلا أن المشهد ليس مشرقاً في نظر الجميع.

فبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، أشارت الدراسات إلى أن القلق من خطر أن يؤدي الابتكار إلى زيادة معدلات البطالة، يبرز بشكل خاص لدى قادة الأعمال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، نظراً إلى معدلات البطالة المرتفعة أصلاً لدى الشباب في المنطقة. وقد جاءت البيانات الصادرة عن البنك الدولي لتدعم تلك المواقف  بما أن نسبة البطالة لدى الشباب في الشرق الأوسط تقدر بـ21%، و25% في شمال أفريقيا، وهي أرقام أعلى من أي منطقة أخرى في العالم. وأشار تحليل "مستقبل الوظائف" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنه بالمقارنة مع عام 2015،  فإن 21% من المهارات الأساسية  اللازمة في كافة الوظائف في دول مجلس التعاون الخليجي، ستختلف بشكل تام بحلول العالم 2020 ، ما يشكل خطراً كبيراً على الوظائف الحالية والموظفين وأصحاب العمل على حدّ سواء.

تعزيز القوى العاملة الرقمية في مجلس التعاون الخليجي:  يظهر تقرير "بناء المهارات القابلة للتكيف في العصر الرقمي" أن نسبة كبيرة من مواطني دول مجلس التعاون يعملون حالياً في قطاعات هي عرضة لخطر التعثر بسبب التكنولوجيا الرقمية.  إذ يؤثر الذكاء الاصطناعي بشكل خاص على الوظائف في مجال الخدمات والإدارة العامة والبنية التحتية والرعاية الصحية. وتواجه الكويت الخطر الأكبر في هذا المجال، حيث 91% من مواطنيها يعملون في هذه القطاعات، بالمقارنة مع 83% من الإماراتيين، و80% من السعوديين و66% من البحرينيين. من جهته، قال علي مطر، رئيس "لينكد إن" الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مقابلة مع "ومضة" إنه "على دول مجلس التعاون أن تقوم بقفزات فعالة، تتيحها الرقمنة. ولتحقيق ذلك،  ستحتاج إلى بناء قوة عاملة رقمية يمكنها التعامل مع الموجة التكنولوجية الجديدة بلا تردد."

وعلى الرغم من ذلك، ثمة نور يلوح في نهاية النفق. يرى مطر أنه على الرغم من التأثير الكبير للذكاء الاصطناعي على الوظائف، إلا أنه لا يمكن أن يحلّ مكان التفاعل البشري. وبحسب تقرير "توجهات التوظيف العالمية" لعام 2018، فإن 36% من المهنيين يشعرون أن الذكاء الاصطناعي موجة كبرى تؤثر في الطريقة التي يتم فيها تعيين الموظفين، ولكن بين المهنيين والموظفين، لا يوجد الكثير من القلق حيال أن يسرق الذكاء الاصطناعي الوظائف. وقال مطر "يعتقد معظمهم أن (الذكاء الاصطناعي) لن يحل مكان الأجزاء من العمل التي تتطلب الانخراط الشخصي والعاطفي."

وبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن تبني هذه التقنية سيساعد الدول متوسطة الدخل التي تضمّ الكثير من اليد العاملة، في على قاعدتها الصناعية من خلال تعزيز المواهب الصناعية المتقدمة. كما أنها ستساعد دول الخليج الغنية بالموارد على تنويع أنشطتها الاقتصادية من خلال الحدّ من اعتمادها على صادرات النفط والغاز. إلى ذلك، سيتيح الذكاء الاصطناعي الفرصة للدول الأقل دخلاً كي تحدّ من هشاشتها وتعزز استقرارها من خلال تعميق اندماج أسواق العمل المحلية فيها ضمن سلسلة الإمداد الإقليمية وبيئة هذا القطاع.

ويقول غالاغير إن التحدّي الأكبر يتجاوز التكنولوجيا، بل يتعلق بإدارة هذا التغيير، والارتباك المحتمل حول طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي. وأضاف " يجب أن نطمئن جميعنا، صحيح أن الذكاء الاصطناعي يمكنه القيام بالكثير، ولكن يوجد الكثير الذي لا يستطيع القيام به، مثلاً، لا نستطيع الاتكال عليه من أجل التعبير عن الشكوك أو لإصدار الأحكام. فهذا أمر محصور بنا."

إذاً ما هي المعايير والأعراف الجديدة التي ستميز السيرة الذاتية الجذابة؟

من بين ٦٠ بالمئة من الوظائف، ٣٠ بالمئة منها قابلة للأتمتة. (الصورة من  "ستوكفولت" Stockvault).

مهارات جديدة، وظائف جديدة

وفق تقرير "لينكد إن" و"ستراتيجي &" فإن الموجة الناشئة في سوق العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي "الوظائف الرقمية." ونعني بذلك الوظائف في مجال إنتاج وتوزيع وتطبيق وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصال. ويظهر التقرير أنه فيما تستحوذ الوظائف الرقمية على 5.4% من إجمالي القوة العاملة في الاتحاد الأوروبي، فإن 1.7% فقط من إجمالي اليد العاملة في الخليج تعمل في مثل هذه الوظائف. ويشرح التقرير أنه من أجل مواجهة التغيير الناجم عن الرقمنة، يتعين على الدول أن تنظر إلى خلق وظائف رقمية على أوسع نطاق. وإلا فإن نقص الوظائف الرقمية سيؤدي إلى تفاقم النقص في الوظائف ليصل إلى 3.1 مليون وظيفة بالنسبة لمواطني دول مجلس التعاون في كافة القطاعات بحلول عام 2025.

وقال مور إن 30% من أنشطة حوالي 60% من الوظائف هي قابلة للأتمتة، بالتالي الكثير من الوظائف التي تحتاج لمهارات قليلة إلى متوسطة ستشهد تغييراً كبيراً في المتطلبات الوظيفية، ويشمل ذلك أشخاصاً مثل التقنيين والكتبة ومساعدي الخدمات. ويتوقع خلق العدد الأكبر من الوظائف الجديدة في أماكن التقاطع بين التكنولوجيات الجديدة والعمل البشري الحالي في مختلف القطاعات، مثلاً "المترجمين" و"المدربين" و"المنفذين" الذين يتفاعلون مع الذكاء الاصطناعي، وغيره من التكنولوجيات فيدمجونها ضمن إجراءات الأعمال الجديدة، وبالتالي سيتعين تدريب الإنسان والآلة على التفاعل معاً بشكل منتج وتفعيل نماذج عمل جديدة صاعدة.

 
علي مطر (الصورة من لينكد إن)

إذاً المهارات الأساسية التي يتعين البحث عنها هي: التحليل الإحصائي والتنقيب في البيانات والسياسة العامة والعلاقات الدولية والتصميم الخوارزمي، وهي التي تشهد الطلب الأكبر. وقال مطر "نتوقع أن يبقى الطلب على هذه المهارات مرتفعاً هذا العام. وتعطي هذه الوظائف مثالاً حول كيف تغيير الرقمنة للطريقة التي تنتهجها الشركات في التوظيف والطريقة التي تنظر فيها إلى الوظائف." وتظهر بحوث "لينكد إن" أن المهارات المتصلة بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (ستيم) والمعلومات والاتصالات والتكنولوجيا في القطاعات الرقمية ستشهد طلباً مرتفعاً.

وهكذا، فإن الموجة التالية من الوظائف ستحددها التكنولوجيات  "الثمانية الأساسية" : سلسلة الكتل، الطباعة ثلاثية الأبعاد، الطائرات بلا طيار، الواقع الافتراضي، الواقع المعزز، أنترنت الأشياء، الروبوتيات، الذكاء الاصطناعي.

التركيز على التنوع

استناداً إلى تقرير "لينكد إن"، يتبع أصحاب العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أربع توجهات أساسية: التنوع، أدوات مقابلة جديدة، بيانات، ذكاء اصطناعي. ويقول 80% من رواد اكتساب المواهب ومديري التوظيف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إن التنوع هو التوجه الأول الذي يؤثر على طريقة التوظيف. فتعطي الشركات الأولوية للتنوع، سواء من حيث الجنسـ العرق، الأثنية، العمر، التعليم، الخ.. من أجل تحسين الثقافة وتعزيز الأداء المالي، حيث باتت الشركات تدرك أن الفرق المتنوعة هي أكثر إنتاجية وأكثر ابتكاراً وأكثر انخراطاً. ويشعر أكثر من نصف (58%) من مديري التوظيف أن الابتكار في المقابلات مهم "جداً" إلى "بالغ" الأهمية من حيث مستقبل التوظيف. وقد بدأ بالفعل هذه الابتكارات الجديدة في مقابلات العمل، مثل تجارب الأداء الخاصة بالوظيفة، والمهارات الناعمة، والاختبارات، ولقاء المرشحين ضمن بيئة غير رسمية، وتقييم الواقع الافتراضي وإجراء المقابلات عبر مقاطع الفيديو، تكتسب المزيد من الزخم. واختتم مطر قائلاً "حتى مع صعود الذكاء الاصطناعي وبدئه فعلاً في الدفع نحو الثورة الصناعية الرابعة، إلا أن الشركات ستحتاج دائماً إلى الناس، أناس كي يقنعوا، كي يفاضوا،، كي يفهموا حاجات العمل، كي يبنوا المجتمعات والثقافات." وأضاف: "للمفارقة، كلّما استعملت التكنولوجيا أكثر، كلّما استطعت أن تستثمر أكثر في الجانب الإنساني من العمل."

العوائق الأخرى التي يتعين تجاوزها

إلى جانب الوظائف، يواجه انتشار الذكاء الاصطناعي في المنطقة عوائق أخرى. بحسب فرانك، فإن التحدي الأكبر يكمن في القواعد والنظم المتعلقة بالقلق الأخلاقي حيال شفافية عملية اتخاذ القرارات والأساليب الجديدة المعتمدة في تطبيق هذه النظم. وهذا أوسع وأكثر تعقيداً من منح الروبوت صوفيا الجنسية السعودية، بما أنه يتناول جوانب أوسع من حياة البشر. ووضح قائلاً: "في حال ارتكبت مركبة ذاتية القيادة مخالفة مرورية أو تورطت في حادث سير، فإن المجتمع سيحتاج إلى الاتفاق على كيفية تحديد المسؤولية واللوم في هذه الحالة. بالأخص هل صاحب المركبة أو الشركة المصنعة لها أو مبرمجها و/أو المركبة نفسها هي المسؤولة عن المخالفة التنظيمية؟ وما يزيد المسألة تعقيداً هو أن التقنيات الحديثة لتعلم الآلة غالباً ما تعتبر مبهمة، ما يزيد صعوبة فهم كيفية توصل الخوارزمية إلى القرار النهائي. وبما أن الخوارزميات غالباً ما تتعلم من البيانات البشرية، فإن التحيز الإنساني للأمور غير المرغوب بها قد يصبح جزءاً من من صناعة قرار الخوارزمية." باختصار، تتطلب الوسائل الجديدة تطبيق نظم تتعلق بالذكاء الاصطناعي من أجل التأكيد أن الخوارزميات جاهزة للاستعمال في العالم الحقيقي في حال الحاجة إليها. ومن الأمثلة على ذلك، أصدرت ألمانيا مؤخراً إرشادات  في ما خصّ القيادة الذاتية. ويشمل التقرير 20 بنداً إرشادياً موجهاً لقطاع السيارات، يتعين أخذها في عين الاعتبار عند تطوير أي أنظمة ذاتية القيادة. وبموجب الإرشادات، إذا الحادث لا يمكن تجنبه، يجب منح الأولوية لسلامة الإنسان فوق سلامة الحيوان أو الأشياء. كما يتعين على البرنامج الإلكتروني تفادي الاصطدام من الأصل، ولكن إذا تعذّر ذلك، عليه اتخاذ الخطوة التي لا تعرض البشر للأذى.

وبالإضافة إلى الجانب الأخلاقي، يشكل التعليم عنصراً أساسياً آخر يتعين أخذه في عين الاعتبار، بما أنه يتعين تطويره وفق ما يستلزمه الواقع على الأرض. وبحسب فرانك، على المجتمعات الاستثمار في البنية التحتية للتعليم. وقال "متطلبات العمل تتغير بوتيرة متسارعة، والعوائد على التعليم العالي قد لا تقدر على مواكبتها. فالمجتمعات القادرة على إعداد الموظفين بأفضل طريقة لتتعاون مع الذكاء الاصطناعي بدل التنافس معه، ستحقق المكتسبات الأكبر. بالنسبة للأسواق الناشئة، قد يعني ذلك التعاون مع كبرى المؤسسات والقطاعات التعليمية الرائدة في الخارج، مع مواصلة تعزيز المؤسسات التعليمية المحلية." وبالفعل، بدأت العديد من الجامعات في المنطقة بتبني هذه العقلية. وعلى سبيل المثال، أضافت الجامعة البريطانية في دبي الذكاء الاصطناعي إلى اختصاص علوم الحاسوب.

دور الحكومات

في ظلّ التحول الهائل الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي، على الحكومات أن تلعب دوراً فعالاً في وضع قواعد مناسبة من أجل تنظيم الشؤون الأساسية. ويقول مور إنه لا عجب في أن يسبب صعود الذكاء الاصطناعي  مشاكل لأسواق وحكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما أنها أكثر عرضة للصدمات. "نؤمن أنه على المدى البعيد، ستكون الفوائد أكبر من التحديات قصيرة المدى، ولكن ذلك يتطلب بذل جهود مشتركة من قبل كافة الجهات المعنية، بمن فيهم  الأفراد، من أجل الإعداد لهذا العالم الجديد في مجال الأعمال. أوافق مع دانييلا روس، مديرة مركز الذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس التقني التي اقتبست في كلمتها أمام القمة العالمية للحكومات قولاً للرئيس الأميركي جون كينيدي الذي قال عام 1962 "إذا كان الإنسان يملك الموهبة لاختراع آلات جديدة قد تسلب البشر وظائفهم، فهو يملك الموهبة أيضاً لإيجاد وظائف لأولئك البشر." من جهتها، أضاءت "مكنزي" على خمسة أمور أساسية على الحكومات أخذها في عين الاعتبار لإدارة عملية التحول الكبرى هذه: اعتماد الذكاء الاصطناعي والأتمتة بدون أي تردد، بما أن محاولات تخفيف سرعة التقدم التكنولوجي ستضيع سداً، بل ستعطي نتائج عكسية ضمن الاقتصاد التنافسي العالمي. كما يتعين تزويد العمال بالمهارات اللازمة، بما فيه المزيد من الاستثمارات في المهارات البشرية المتكاملة مع تكنولوجيا الأتمتة الجديدة.   إلى ذلك، يجب التركيز على فرص العمل المعزز، وزيادة فرص خلق وظائف جديدة من خلال تطبيق التكنولوجيات الجديدة وتصميمها وفق الحاجات. وأيضاً، يجب الابتكار والاستفادة من الفرص الجديدة في السوق بالوتيرة ذاتها التي يتم فيها استبدال المهام البشرية، والإفادة من التغيير التكنولوجي لتحقيق امتيازات تنافسية في سلاسل القيمة العالمية المعاد تصميمها. وفي النهاية، يجب استثمار الأرباح الإنتاجية للذكاء الاصطناعي في أكبر عدد ممكن من القطاعات، وتقديم حوافز من أجل إعادة استثمار المكتسبات في المجتمعات المحلية والإقليمية الأكثر تأثراً بعملية التحول بهدف تعزيز الطلب على يد عاملة جديدة.

الذكاء الاصطناعي يعزز ريادة الأعمال

في ظلّ المخاطر المتنوعة المرتبطة بالوظائف التقليدية وفرص العمل، إلى جانب الإمكانيات الهائلة لدى رواد الأعمال والشركات الصغرى والمتوسطة، فإن الرابط بين الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال يزداد متانة. وقال مطر: "نعتقد أنه فيما تزداد قوة الذكاء الاصطناعي، من خلال الدفع قدمًا بالابتكار في مختلف الميادين، مثل الطب والزراعة والتعليم، فأمام رواد الأعمال فرصة هائلة لإعادة بناء قطاعات بأكملها، من خلال صنع فئات جديدة من الوظائف وإشراك الشركات الناشئة. إن المستقبل هو للذكاء الاصطناعي، ولكن مع لمسة بشرية. يشكل الذكاء الاصطناعي خطوة كبرى للأمام في مجال الاستحواذ على المواهب، إلا أن هذه العملية لن تكون مؤتمتة بالكامل. فالشركات ستحتاج دائمًا إلى الناس، أناس كي يقنعوا، كي يفاوضوا، كي يفهموا حاجات العمل، كي يبنوا المجتمعات والثقافات."

مع صعود الذكاء الاصطناعي، يمكن للشركات الناشئة أن تلعب دوراً رائداً (الصورة من ستوكفولت

ويوافق فرانك من معهد ماساتشوستس  على ذلك "لأن التكنولوجيات الجديدة تزيد الاحتمالات. وهذا يؤدي إلى مزيد من الابتكار.

وشرح فرانك أن التطور التكنولوجي يؤدي إلى مزيد من الإنتاجية في مجالات العمل الحالية. وأضاف "الفرص الجديدة الناجمة عن تطور الذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤدي إلى فرص عمل جديدة، كما أن تطور الذكاء الاصطناعي قد يحدّ من الطلب على العمالة في المجالات التقليدية بسبب المكتسبات الناجمة عن الفعالية، بالتالي من الضروري أن تأخذ المجتمعات هذين العاملين في عين الاعتبار من الآن وصاعداً."

وبحسب غالاغير، فإن عدم تبني التقدم الناجم عن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى التخلف عن الآخرين. وقال إن تبني الذكاء الاصطناعي يتطلب الصبر وإرادة التعلم والمسار سيكون طويلاً ومعقداً، لذا على الشركات أن تبدأ بذلك الآن. وأشار إلى أن "العديد من المشاريع في المرحلة الأولى، ستكون عوائدها على الاستثمار منخفضة، ولن يكون تأثيرها كبيرًا، ولكنها ستقدم فرص للتعلم. فهذا التعلم مهم جداً ويشكل الخطوة الأولى على المسار التحولي الذي سيحدث تغييراً في كلّ مجالات الأعمال." وأوضح أنه حتى الآن لم تبدأ بعد معظم الشركات في استكشاف إمكانيات الذكاء الاصطناعي. ولكن هذا ليس بسبب نقص المواهب التي تخولها الاستفادة للحدّ الأقصى من الذكاء الاصطناعي. بل بسبب "عدم الفهم الكافي لكلّ ما هو ممكن، بالأخص على أعلى المستويات في الشركات الكبرى."

لذلك، يتعين إنشاء المزيد من الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي من أجل وضع الابتكار التكنولوجي والعلمي في سياقهما الملائم. وقال غالاغير "يجب أن نرى المزيد من المساهمات والتأثير من الأفراد المدفوعين بالعمل، والذين يهتمون بابتكار شيء ذي قيمة، أو الذين لديهم مسألة ملحة يريدون حلّها."

 

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة