تقنية 'البلوك تشين' قد تساعد في استرجاع ٣٣ مليار دولار من الحوالات المفقودة

اعتماد تقنية البلوك تشين للتحويلات المالية لا يقتصر على كونها وسيلة آمنة ومرنة، بل أيضاً سريعة وقد تعمل على خفض رسوم التحويل إلى النصف ( الصورة عبر "بكسليز Pexels)

اقرأ بهذه اللغة

تواصل شركات التقنيات المالية الناشئة العمل على إيجاد الحلول المبتكرة التي تمكنها من تلبية احتياجات الفئة الكبيرة من العملاء ممّن لا يمكنهم الوصول إلى الخدمات المصرفية. وبحسب قاعدة بيانات المؤشرات المالية العالمية للبنك الدولي، يشهد الاندماج المالي تزايداً على مستوى العالم.

فقد كشفت نتائج قاعدة بيانات المؤشر العالمي لتعميم الخدمات المالية لعام ٢٠١٧ عن أن ١.٢ مليار شخص كانت لديهم حسابات منذ عام ٢٠١١، بما في ذلك ٥١٥ منذ عام ٢٠١٤. وفي الفترة ما بين ٢٠١٤ و٢٠١٧ شهدت أعداد الأشخاص الذين يمتلكون حسابات لدى مؤسسات مالية أو عبر خدمة مالية متنقلة زيادة من ٦٢ بالمئة إلى ٦٩ بالمئة. ولا تقتصر ثورة التقنيات المالية على الاستخدامات المالية الأساسية مثل الدفع الإلكتروني، ولكنّها تشكّل كذلك العمليات الأكثر تعقيداً مثل التحويلات المالية، الأمر الذي تؤدي فيه تقنية التعاملات الرقمية «البلوك تشين» دوراً أساسياً.

الاستفادة من القيمة الحقيقية للحوالات

شهدت التحويلات المالية للمهاجرين نمواً متسارعاً خلال السنوات القليلة الماضية، وزادت عام ٢٠١٧ عن ٤٤٤ مليار دولار أميركي وفقاً للبنك الدولي، علماً بأن الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا الوسطى هي الأكثر استفادة من هذه التدفقات، إلا أن ذلك لا يعدّ توجّهاً حديثًا.

لا يقتصر دور الحوالات المالية على دعم عائلات المهاجرين فحسب، بل تدعم كذلك الاقتصادات في الدول النامية. وبحسب صندوق النقد الدولي، تمثّل تدفّقات الحوالات المالية في الدول منخفضة الدخل ما لا يقلّ عن ستة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في هذه الدول، بالمقارنة مع اثنين بالمئة في الدول ذات الدخل المتوسط.

ومع ذلك، قد يكون إرسال الحوالات عبر البنوك أو الشركات التقليدية المتخصصة بتحويل الأموال مثل " ويسترن يونيون" Western Union على سبيل المثال، بطيئاً ومكلفاً. كما قد يصل متوسّط تكلفة التحويل سبعة بالمئة من قيمة المبلغ المرسل، الأمر الذي يعني أنّ الرسوم المفروضة على التحويلات المتوجهة إلى الدول النامية قد تخطت الـ٣٣ مليار دولار أميركي عام ٢٠١٧، وفقاً للبنك الدولي.

لم تُستثنى الحوالات المالية من موجة التغييرات الجذرية التي تحدثها تقنية التعاملات الرقمية «البلوك تشين» على عالم الأموال. وفقاً لتقرير أصدره مؤخراً برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وموقع Blockchain.com، لا تقتصر البدائل اللامركزية المستندة على تقنية البلوك تشين على كونها آمنة ومرنة، بل هي كذلك سريعة ويمكنها خفض رسوم التحويل إلى النصف. وعند دمجها مع البنية التحتية اللازمة للاتصالات، قد تعمل على خفض تكلفة إرسال المال بصورة أوسع من خلال تمكين المستخدمين من استلام وصرف حوالاتهم رقمياً.

قد تساهم تقنية قاعدة بيانات البلوك تشين في تعزيز الفعالية وخفض تكاليف التحويلات المالية ( الصورة عبر "بكسليز" Pexels)

في مقابلة مع ومضة، صرّح متحدث من البنك الدولي إنّ تقنيات قاعدة البيانات للبلوك تشين قد تزيد بنهاية المطاف من الفعالية وتقلّل من تكاليف التحويلات المالية، كما قد تساهم في تحسين الوصول إلى الخدمات المالية لأولئك الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية، وهم حالياً خارج النظام المالي الرسمي. وأوضح متحدث البنك الدولي قائلًا: "لا يزال حوالي ٢٨٠ مليون شخص ممّن يمتلكون حسابات في الدول النامية يعتمدون على الدفع النقدي أو خدمات التداول المباشر لإرسال المال أو استلامه من الأصدقاء والأقارب في أجزاء أخرى من الدولة. ويعتمدون بشكل أوسع على الشركات المتخصصة بتحويل الأموال، التي تعتمد بشكل رئيسي على التعامل بالنقد، وقد تأثرت بصورة ملموسة بسياسة "إزالة المخاطر" التي حدت المصارف العالمية بموجبها العلاقات المصرفية بالمراسلة مع البنوك المحلية في دول الاقتصادات الناشئة والنامية."   

نتيجة لذلك، تلقت الكثير من المصارف تعليمات بعدم التعامل مع الشركات المتخصصة بتحويل الأموال وأغلقت حسابتها لديها. وأوضح المتحدث أنّ سياسة إزالة المخاطر هي إحدى تبعيات تضييق المصارف العالمية لعملياتها بهدف الامتثال للتنظيمات الرامية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وعلق قائلًا: "قد تكون تقنيات قاعدة بيانات البلوك تشين الموزعة من ضمن الحلول لسياسة الحدّ من المخاطر، حيث قد تساهم التقنية في خفض تكاليف الامتثال وتحسين رصد التعاملات. ومع ذلك، ثمة الكثير من التحديات التقنية والقانونية، إلى جانب التحديات المتعلقة بجوانب الحوكمة والتنسيق والتي لا بد من إيجاد حلول لها قبل تفعيل هذه التقنيات."

هذه الشركة الإماراتية الناشئة شرعت في هذا التوجه بالفعل

بدأت الشركة الإماراتية الناشئة، "ديناري كاش" Denarii Cash، بتطوير أدوات لتحويل المال عبر تقنية التعاملات الرقمية «البلوك تشين»، حيث تتمثل مهمتها في تسريع وتيرة الاندماج المالي في منطقة الشرق الأوسط باستخدام ما يزيد عن ١٥ عملة، بما في ذلك عملات رقمية مثل "إيثيريوم" Ethereum و"بتكوين" Bitcoin.   

تأسّست الشركة الناشئة في بداية عام ٢٠١٧ وأطلقت عملياتها في شهر أبريل من عام ٢٠١٨ من قبل جون سانتيلان ودنفر تشوا، وهما رائدا أعمال من الفلبين. وقد قام الشريكان بإطلاق الشركة من نفقاتهما الخاصة وجمع ١٠٠ ألف دولار أميركي لتطويرها. وقد أطلقت الشركة الناشئة، التي تمثل محفظة متعددة للعملات الرقمية للتداول بين النظراء، خدمة تحت اسم "نقاط الدفع النقدي" Cashpoints والتي تحوّل الهاتف الذكي صرّاف آلي.

آلية العمل

على الرغم من أنّ الشخص الذي لا يتعامل بالخدمات المصرفية قد لا يكون على علم بالعملات الرقمية وآلية عملها، إلا أن استخدام "ديناري كاش" Denarii Cash هو في غاية البساطة.  وصرح سانتيلان لومضة قائلًا: "عندما طورنا محفظة "ديناري كاش" Denarii Cash أخذنا بعين الاعتبار المستهلك، ليتمكن أي مستخدم عادي من استخدامها."

تبدأ العملية بتنزيل محفظة "ديناري كاش" Denarii Cash على أنظمة تشغيل " آي أو إس" iOS و"أندرويد" Android، ومن ثم ينبغي على المستخدم فتح محفظته للعثور على شريك من "نقاط الدفع النقدي" Cashpoint  مقابل رسوم محددة ضمن نطاقه. وقد تكون نقاط الدفع النقدي Cashpoints إمّا أفراد أو مؤسّسات تجزئة صغيرة مثل المتاجر. وعند الالتقاء، تقوم هذه النقاط في استلام الإيداع النقدي للمستخدم على سبيل المثال وتحويل مبلغ مساوي من "البتكوين" Bitcoin إلى محفظة المستخدم على "ديناري كاش" Denarii Cash مقابل رسوم بسيطة. وقد تكون الرسوم ثابتة تتراوح ما بين 10 إلى 15 درهماً إماراتياً (2.7 – 4 دولار أميركي)، أو قد تكون واحد بالمئة من قيمة المبلغ، وكما علق سانتيلان: "ننصح الشركاء في نقاط الدفع النقدي Cashpoint  بهذا الخيار، حيث سيعود ذلك إليهم مقابل جزء بسيط إلينا والذي نستخدمه لتشغيل الشركة."

"ديناري كاش" Denarii Cash تحوّل كل هاتف ذكي إلى صراف آلي متنقل (مصدر الصورة: "ديناري كاش" Denarii Cash)

ليس من الضروري إرسال مبالغ من أعداد كاملة من  "الإيثيريوم" Ethereum أو "البتكوين" Bitcoin، على سبيل المثال واحد أو اثنين أو ثلاثة، إذ يتيح التطبيق إرسال جزء عشري من "البتكوين" Bitcoin.

وسواء عند إرسال العملات الاعتيادية أو الرقمية، يمكن للمستخدمين صرف النقود عبر نقاط الدفع النقدي. وأوضح: "لنقل أن لديك عملة رقمية بقيمة 20 درهماً (5.4 دولار أميركي) وتريد إخراجها من المحفظة، عليك أن تبحث عن شريك من نقاط الدفع النقدي معتمد لدى الشركة، والذي سيسلمك المبلغ النقدي وستقوم بدورك بإرسال 20 درهماً إماراتياً من محفظتك على "ديناري كاش" Denarii Cash إلى أحد النقاط. أما بالنسبة إلى التغير المتواصل على قيمة العملات الرقمية، فقد وفرنا عملة رقمية مربوطة بالعملة المحلية لنحد بذلك من التذبذب في قيمة العملة الرقمية."  

تحدد النقاط رسومها الخاصة أو المبالغ التي ستقبلها للإيداع. ويعتمد الحد الأعلى للمبلغ الذي قد تقبله كل نقطة على سجلها. وأضاف سانتيلان: "ديناري كاش" Denarii Cash هي محفظة بين النظراء، أي أن نموذجنا غير احتجازي بأي شكل من الأشكال، وبالتالي لا يمكن لمحفظة "ديناري كاش" Denarii Cash أو أي من نقاط الدفع النقدي حجز أي مبالغ ليست لهم. بمعنى آخر، يحتفظ كل مشترك في شبكة "ديناري كاش" Denarii Cash بماله الخاص. ولذلك، يمكن لشركاء نقاط الدفع النقدي تحديد رسومهم الخاصة وقبول الإيداع بالاعتماد على المبلغ المتوفر في محفظة "ديناري كاش" Denarii Cash. وفي إطار هيكل الرسوم هذا، وليحصل العميل على رسوم ميسورة، نحفز شركاء النقاط على تخفيض رسومهم من خلال منحهم المزيد من المكافآت أو النقاط." يعني ذلك أنه كلما انخفضت رسومهم مقابل قبول إيداع أو سحب، كلما ارتفعت نقاط المكافأة.

تعمل "ديناري كاش" Denarii Cash على نشر نقاط الدفع النقدي لدى مؤسسات تداول أموال أو مؤسسات تجزئة قائمة بالأساس ولديها خبرة في مثل هذه التعاملات، وكما يقول  سانتيلان "سنصبح أنا وأنت في نهاية المطاف جزءً من شركاء نقاط الدفع النقدي". وتقوم "ديناري كاش" Denarii Cash بفحص كافة شركاء النقاط والتحقق من هويتهم وتدريبهم. أضاف سانتيلان: "يشبه ذلك الطريقة التي تعتمدها شركة "كريم" Careem لإدارة شبكتها من السائقين".

ووفقاً لسانتيلان، يهدف مشروع التقنية المالية هذا إلى تلبية احتياجات الفئات غير المستفيدة من الخدمات البنكية في الإمارات العربية المتحدة.  وأوضح: "80 بالمئة من السكان في الإمارات هم من الوافدين، ويرسل الوافدون بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر من 51 مليار دولار إلى دولهم، وبالتالي هناك سوق جيد ومجد يحتاج إلى ما تقدمه "ديناري كاش" Denarii Cash."

وإلى جانب الخدمات التي ستستهدف المستهلك، أطلقت الشركة "ديناري بزنس" Denarii Business، وهي عبارة عن نقاط بيع متنقلة يمكن تشغيلها عبر الهاتف الذكي أو الأجهزة اللوحية، أو جهاز لاسلكي مخصص يمكنه قبول دفعات البطاقات الائتمانية.   وتتيح هذه الخدمة للشركات إمكانية قبول الدفعات من العملاء عبر الاتصال بالإنترنت. وقال سانتيلان إنهم لا يزالون يعملون على تجربة واختبار هذه الخدمة، ولكن الفكرة الرئيسية هي أن الشركات ستصبح قادرة على استخدام محفظة "ديناري كاش" Denarii Cash لقبول "بتكوين" Bitcoin و"إيثيريوم" Ethereum وغيرها من العملات الرقمية كوسيلة للدفع.

"يتيح ذلك اعتماد العملات الرقمية على نطاق واسع الأمر الذي أعتقد بأنه مثير جداً. وتتمثل الفائدة للشركات في استقطاب عملاء جدد في ظل تزايد شعبية عملة "بتكوين" Bitcoin، والحصول على رسوم ثابتة ومنخفضة وليس نسبة من قيمة المبلغ المحول، إلى جانب الحد من الاحتيال في رد المدفوعات حيث إن العمليات غير قابلة للتغيير وبالتالي لا يمكن إرجاع الرسوم. وأخيراً، تحصل الشركات على مكافآت عبر تزويدها برمز يمكنها استخدامه للوصول إلى خدمات إضافية على "ديناري كاش" Denarii Cash."

الأرباح والخطوات المستقبلية

لا تحقق الشركة الناشئة في الوقت الحالي أي أرباح، إلا أنها حققت معدلات اجتذاب جيدة منذ إطلاق عملياتها كما ذكر سانتيلان: "أعتقد أننا في هذه المرحلة نرغب في أن نرى إذا ما كنا نساهم فعلاً في المجتمع ونساعد في حل المشكلة المتمثلة في تسريع وتيرة الاندماج المالي والوصول المجاني إلى الخدمات المالية."  

خلال الشهرين القادمين، ستوسع "ديناري كاش" Denarii Cash  نطاق خدماتها لتتضمن دفع الفواتير، وإعادة شحن الهواتف المتنقلة، والتسوق عبر الإنترنت.

وأوضح سانتيلان ذلك بقوله: "أطلقنا عملياتنا في الفليبين ونسعى إلى التوسع إلى دول أخرى المنطقة حيث التقدمات التقنية مثل البلوك تشين مقبولة لدى المجتمع والحكومة. ننظر حالياً إلى التوسع في السعودية والبحرين، حيث يتمتعان ببيئة مشجعة للتقنيات المالية."  

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة