تكنولوجيا التعليم اليوم تمهّد الطريق لمبتكري المستقبل

الصورة منPixabay

تملأ تكنولوجيا التعليم فجوة ناجمة عن تقادم النماذج التقليدية. ومع تحوّل الابتكار إلى ركيزة أساسية في الأجندات الوطنية والتعليمية على حدٍ سواء، تتحوّل أنظار القطاع التعليمي إلى الشركات الناشئة التي تعمل في مجال تكنولوجيا التعليم لإحضار التكنولوجيا الناشئة إلى ملايين الطلاب في المنطقة.

 

بدأت التكنولوجيات الناشئة مثل الواقع المعزز والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، تحتلّ مكاناً ثابتاً في مختلف القطاعات في جميع أنحاء العالم. وولّت أيام التكنولوجيا الثابتة والتعاون التماثلي في المكتب، مما أفسح المجال لبروز مساحات تعاونية افتراضية، ووضع نماذج أعمال عن طريق الواقع الافتراضي، وتحليل البيانات عبر الذكاء الاصطناعي. ومع تكيّف هذه التقنيات وتطورها السريع، يجد قطاع التعليم أمامه مهمّة فريدة وهي إعداد الطلاب للتعامل مع هذا العالم الجديد. فتعريف الطلاب في سن مبكرة وبشكل متكرر على التكنولوجيا الناشئة، لا يحدث ثورة في النماذج التقليدية للتعليم فحسب، بل يخرج التعليم "من الصندوق"، مما يتيح للطلاب رؤية الاحتمالات التي تنطوي عليها التكنولوجيا.

 

وينقسم التحدي الذي يواجه المدرّسين الحديثين إلى شقّين - تكليف الإداريين والقيّمين على التعليم الاستفادة من التقنيات الحديثة في مجال التعليم، وضرورة أن يطوّر الطلاب مهارات القرن الحادي والعشرين والدراية  التقنية التي من شأنها دعم نجاحهم في ساحات العمل الحديثة وتغذية الابتكار في المستقبل. وفي الوقت الذي تحارب المنطقة لملء الفجوة في المهارات، تتجه أنظمة التعليم العامة والخاصة إلى حوالي 300 شركة ناشئة في جميع أنحاء الشرق الأوسط تعمل في مجال تكنولوجيا التعليم.

 

إعداد المهارات

 

يتوقّع تقرير حول قطاع التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي نشرته "ألبن كابيتال"، أن يصل إجمالي عدد الطلاب في قطاع التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي إلى 15 مليوناً في عام 2020، مما يجعلهم واحدة من أسرع مجموعات الطلاب نمواً في العالم. ولإعداد أصحاب المواهب التي يحتاج إليها الاقتصاد الرقمي، يعمل التربويّون على تكييف مناهجهم الدراسية لتشمل أدوات تعليمية تعتمد على التكنولوجيا من شأنها التأثير بشكل إيجابي على مجالات مثل تطبيقات المناهج الدراسية، والوصول الشامل إلى الفصول الدراسية، وتطبيقات البيانات، وتطبيقات التعلم مدى الحياة، والمكمّلات التعليمية، وتطبيقات التحليلات السلوكية.

 

وبحسب أرقام المنتدى الاقتصادي العالمي، يشعر 75% من المدرّسين والطلاب بوجود فجوة في قدراتهم على تلبية احتياجات المهارات المطلوب وجودها لدى القوى العاملة الحديثة في مجال تكنولوجيا المعلومات. وباتت الحكومات في جميع أنحاء المنطقة تركّز اهتمامها على تحديث أنظمتها التعليمية وفقاً لمعايير القرن الحادي والعشرين على أمل أن تلبّي المناهج المحّدثة مطالب الأعداد المتزايدة للطلاب وتزوّدهم بالمهارات التي ستشكّل الأساس للابتكار.

تقول هند المعلا، رئيسة الإبداع والسعادة والابتكار في هيئة المعرفة والتنمية البشرية في الإمارات العربية المتحدة: "أحضرت الشركات الناشئة في مجال تكنولوجيا التعليم، الابتكار الذي نحن بأمسّ الحاجة إليه والذي من شأنه أن يحدث ثورة في التعليم ويغيّر طريقة المدرّسين في تلقين الدروس للطلاب". وتضيف: "لم يعد التعليم محصوراً بالكتب المدرسية فالموجة الجديدة من الفصول الدراسية تساعد المدرّسين على التكيّف مع الأفكار المبتكرة. وتساهم الابتكارات في مجال تكنولوجيا التعليم، في إعداد أنشطة عملية أفضل، كما تزوّد المدرّسين بمخزون كبير من البيانات لقياس تأثير تعليمهم. وبصفتنا جهة تنظيمية، نرغب في إحداث ثورة في النموذج التقليدي للتعليم وأن نقوم بدور الملهم الذي يفتح أبواباً جديدة للمدرّسين".

 

تعزيز الابتكار

 

وتمشياً مع رؤية الإمارات 2021، حظي قطاع التعليم بحوالي خُمس الميزانية الاتحادية. وتقوم "استراتيجية الإمارات للابتكار" بتشذيب هذه الجهود، وتشجيع الابتكار في الفصول الدراسية وخارجها من خلال إدراج أساليب وتقنيات التعليم الإبداعي فيها. ومن الواضح أن الطلب على التكنولوجيا التعليمية الناشئة كبير إلى درجة أن الحاضنات والمسرّعات تبحث عن شركات ناشئة واعدة تستهدف إحداث ثورة في النماذج التقليدية للتعليم.

 

يوضح صالح الهاشمي، المدير الإداري في "كريبتو لابس" Krypto Labs وهي حاضنة أعمال تقنية مقرها أبوظبي أن "الابتكار يشكّل عاملاً حاسماً في تعزيز القدرة التنافسية في الاقتصاد المعولم، كما أن قدرة أي بلد على الابتكار مشروطة بمستوى المهارات الرقمية لسكانه. لذلك، فإن دور التعليم في تعزيز الابتكار من خلال نظام قائم على التكنولوجيا أمر بالغ الأهمية". وأعلنت "كريبتو لابس" مؤخراً عن إطلاق مسابقة لأفضل ابتكارات في مجال تكنولوجيا التعليم EDTech Innovations Startup Contest التي ستمنح الشركة الناشئة الفائزة تمويلاً بقيمة 150 مليون دولار.

 

ويقول جيفري ألفونسو، الرئيس التنفيذي في "ألف للتعليم" Alef Education  :"سوف يستفيد حوالي 6000 طالب من منصة ألف خلال هذا العام. فمنهجنا التعليمي، القائم على دراسة العلوم، يهدف إلى بناء تجارب تعلّم رقمية محددة تشرك الطلاب في المواد الأكاديمية من خلال مقاطع فيديو وأنشطة تفاعلية وألعاب، بالإضافة إلى محتوى أكاديمي أكثر تقليدية. فجوهر هذه المقاربة هو تقسيم المحتوى وتحويله إلى محتوى قابل للاستهلاك من قبل طلاب العصر الرقمي".  

 

وأعلنت شركة "ألف للتعليم" مؤخراً أيضاً عن توقيع شراكة استراتيجية مع وزارة التعليم الإماراتية لتحديث الصفوف الدراسية عبر تطبيق نظام ألف التعليمي في المدارس الرسمية في الإمارات.

 

أتاحت الشراكات مع شركات ناشئة في مجال تكنولوجيا التعليم وتطبيق التكنولوجيا الناشئة في الفصول الدراسية بالمدارس العامة والخاصة للمدرّسين الوصول إلى طلابهم بطرق جديدة، وإرساء بيئة تعليمية تدعم الابتكار. وبمجرد تطبيقها، تجد العديد من المدارس أن بيئاتها التعليمية بأكملها تتكيّف مع التكنولوجيا الناشئة وتشجّع الطلاب على إنشاء حلولهم المبتكرة.

 

يقول أمول فايديا، مدير العمليات في المدرسة الهندية العالميةGlobal Indian International، "يجب أن يتعرف الأطفال على الابتكار وريادة الأعمال في سن مبكرة. لهذا الغرض أنشأنا مركزاً عالمياً للابتكار وريادة الأعمال في حرم مدرستنا بدعم من "مركز التعمّق" المجهز بشكل جيّد والذي يوفر تجربة غامرة فريدة للأطفال حول الموضوع. كما يحظى مركز الابتكار بدعم من مختبرنا المستقل للذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب الذكاء الاصطناعي والتشفير". والمدرسة الهندية العالمية مثل العديد من المدارس الموجّهة نحو التكنولوجيا أقامت شراكات مع مجموعة من الشركات الناشئة في مجل تكنولوجيا التعليم لإعداد طلابها للعصر الحديث.

 

أبعد من الفصول الدراسية

 

يتجاوز استخدام التكنولوجيا الناشئة في التعليم المدارس ويتعدّاها إلى الجامعات ومراكز التعليم المستمر التي تقوم أيضاً بتحديث أساليب توزيع برامجها ومحتوياتها. ويمكن للتكنولوجيا التعليمية، عند تطبيقها على المستوى الجامعي، معالجة المسائل التقليدية للوصول إلى التعليم بالإضافة إلى توسيع خيارات الدرجات الجامعية.

 

تقول فهميدة حسين، رئيسة قسم هندسة الكمبيوتر والمعلوماتية في جامعة ميدلسكس دبي، التي أطلقت مؤخراً برنامج درجة الماجستير في علم الروبوتات: "لم يعد الطلاب مستهلكين للحقائق فقط. فهم مبدعون نشطون ومصممو معرفة. يعمد المدرّسون اليوم إلى تجديد أنفسهم ووظيفتهم من أجل تقديم خدمة أفضل للمدارس والطلاب وتكييفهم وتبني ممارسات جديدة تعترف بالتعلّم كفن وعلم على حد سواء".

يمكن أن يستفيد التعليم المستمر والتعليم عن بعد كذلك من التعليم القائم على التكنولوجيا. فبالنسبة للطلاب الذين يسعون إلى إثراء تعليمهم أو متابعته، قد يواجهون عقبة الوصول إليه ما يحول بينهم وبين النجاح. لذلك فإن شركات تكنولوجيا التعليم الناشئة التي تجلب الفصول الدراسية إلى المنزل أو المكتب مفيدة بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط حيث منعت المسافة وعدم إمكانية الوصول إلى التعليم بعض الطلاب من مواصلة تعليمهم.

 

تقول ثيا ميهرفولد، الرئيسة التنفيذية ومؤسسة "غت بي" GetBee و"تيتش مي ناو" TeachMeNow، وهي شركة ناشئة تقدّم سوقاً عالمية للتعلّم مدى الحياة والتعلّم عند الطلب: "نشعر بالحماسة لأننا جزء من التغيير في المنطقة وضمان حصول كل شخص على إمكانية الوصول إلى التعليم وربطه بالخبير المناسب. تقدّم منصّتنا خبراء ومدرّسين وموجّهين وتتيح إمكانية الحجز وإعداد الفواتير بالإضافة إلى تقديم جلسات حية وتفاعلية على أي جهاز. وزوّدنا العديد من الشركات والمبادرات بالإضافة إلى المدارس بالإمكانيات لتوسيع نطاق تأثيرها".

 

يتزايد الطلب على الشركات الناشئة في مجال تكنولوجيا التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لأنها تركّز على نطاق التعليم بأكمله من المدارس الحكومية والخاصة مروراً بالتعليم المباشر وصولاً إلى الدراسة الجامعية والتعليم المستمر. ومع إدراك الميدان التعليمي بأكمله إمكانيات تكنولوجيا التعليم كأدوات للتعلّم، أصبحت المدارس الرسمية والخاصة والطلاب أنفسهم مهتمّين ويدخلون بأنفسهم إلى التطبيقات للتعلّم. ولا يساهم التعرّض المبكر للتكنولوجيا الناشئة كأداة تعليمية، في إحداث ثورة في أسلوب تبادل المعرفة، فحسب بل يضع أيضاً التكنولوجيا الحديثة في الواجهة ويمهّد الطريق أمام طلاب اليوم للابتكار في المستقبل.

 

 

شارك

مقالات ذات صِلة