تنامي اهتمام الصين بالشرق الأوسط

China pavilion in Dubai's Global Village. Image courtesy of Shutterstock

اقرأ بهذه اللغة

 سجّلت الصين مؤخراً إنجازاً مهماً ولكن بهدوء: أصبحت اليوم أكبر مستثمر في الشرق الأوسط. فبحسب المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، تستحوذ الصين اليوم على حوالي ثلث رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة العربية.

وعلى نطاق أوسع، من المتوقع أن ترتفع التجارة بين الصين والشرق الأوسط إلى 550 مليار دولار بحلول 2020 في ارتفاع من أكثر من 300 مليار دولار اليوم، بحسب شركة "ماكنزي" McKinsey للاستشارات ومقرها الولايات المتحدة.

يقول ويس شوالجي، مدير العمليات في "تحسين" للاستشارات والأبحاث ومقرها الإمارات العربية المتحدة، إن "العلاقة التجارية هذه لا تزال تهيمن عليها طلبات الصين على الطاقة لتغذية نموها السريع بواردات النفط الخام ما يشكل حصة كبيرة من العلاقة التجارية".

غير أن اقتصادات النفط تطمح إلى علاقة أوسع يستفيد منها قطاع التكنولوجيا والشركات الناشئة أيضاً.

ويتطوّر اهتمام العملاق الآسيوي بالقطاع التكنولوجي في المنطقة بشكل مطّرد أبعد من مشاريع البنى التحتية ومبيعات الهواتف الذكية وصولاً إلى التجارة الإلكترونية وفضول رأس المال المخاطر.

ويقول طرائق حسين، نائب رئيس شركة "غوبي بارتنرز" Gobi Partners للرأسمال المخاطر ومقرها الصين: "بدأ المستثمرون الصينيون والشركات الصينية الاستثمار في جنوب شرق آسيا على نطاق واسع منذ عام 2015 وعندها بدأ المال بالدخول (إلى المنطقة). واليوم يعتبر بعض (شركائنا) الصينيين، الشرق الأوسط، هدفهم التالي".

فحصة الفرد العالية من الناتج المحلي الإجمالي في دول مجلس التعاون الخليجي وموقع دبي الاستراتيجي كمركز للمنطقة الأوسط يشجّعان شركات مثل "علي بابا"Alibaba  و"جولي تشيك" JollyChic على استهداف المستهلكين هنا.

ويشير شوالجي إلى أن "الشرق الأوسط هو الرابط الرئيسي بين آسيا وإفريقيا وأوروبا ويتيح فرصاً لتعزيز الروابط التجارية العالمية لخلق أسواق جديدة للسلع والخدمات الصينية فضلاً عن تعزيز المصالح الجيوسياسية".

طريق الحرير الجديد

يعتبر المحفّز الرئيسي للعلاقات الاستراتيجية المتنامية بين الشرق الأوسط والصين، مبادرة الحزام والطريق. وتهدف المبادرة التي كشف النقاب عنها الرئيس الصيني شي جينبينغ في خطابين عالميين عام 2013، إلى بناء طرق وموانئ وسكك حديد وغيرها من البنى التحتية التي هدفها ربط أوصال اليابسة الأوراسية ومنها إلى إفريقيا والشرق الأوسط، تليها استثمارات صينية تصل إلى تريليون دولار.

ويقول شوالجي إنه "حتى لو لم تبلغ الصين هذه الأرقام الطموحة، إلاّ أن البرنامج يمكن أن يغيّر قواعد اللعبة للعديد من الدول في الشرق الأوسط".

ومن الأسس الرئيسية لمبادرة الحزام والطريق، استثمارات كبيرة في البنى التحتية المرتبطة بالإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات وذلك من أجل تعميق وتوسيع الوصول إلى الإنترنت والمحمول في الدول الشريكة ما يشكّل طريق حرير رقمياً.

ومن هذه الاستثمارات، تقوم شركات التكنولوجيا الصينية بالبناء على الأسس التي أرستها شركات مثل هواوي Huawei  و"زي تي إي" ZTE، وتصدير سلعها وخدماتها.

بالنسبة لحسين (من "جوبي")، ثمة تشابه قوي بين التجربة الصينية في جنوب شرق آسيا والدور الذي يمكن أن تلعبه في الشرق الأوسط. ويوضح قائلاً "ما سترونه في الشرق الأوسط هو أن بعض شركات التكنولوجيا الصينية الكبيرة ستأتي، ثم ستتبعها الشركات الصغيرة والمتوسطة. من شأن ذلك أن يعطي مصداقية. فحين أتت أمازون واستحوذت على سوق، كانت صفقة وحيدة وغير مستدامة".

غير أن الاستثمارات الصينية أكثر استدامة من نظيراتها الأميركية، وفقاً لحسين، لأن العائدات والأرباح تميل إلى البقاء في البلد الذي تحققت فيه بدلاً من العودة إلى الاقتصاد الصيني.

ويضيف: "لديهم الكثير من السيولة التي لا يستثمرونها في الصين ويبحثون لها عن أسواق جديدة. لذلك فإنهم حين يأتون إلى المنطقة، لن يقوموا ببناء شركات من الصفر، بل سيشترون شركات لذلك يمكن أن نتوقّع الكثير من صفقات الخروج والمزيد من الرساميل التي تعطي مصداقية للمنطقة".  

بالنسبة لشوالجي، يمكن لمجموعة "علي بابا" أن تبرز كلاعب رئيسي في المنطقة كما فعلت في بلدان أخرى ضمن نطاق مبادرة الحزام والطريق مثل باكستان حيث استحوذ العملاق التكنولوجي على موقع التجارة الإلكترونية  "درز" Daraz بمبلغ أُشيع أنه يلبغ 200 مليون دولار.

ممر ذو اتجاه واحد

تعتبر المزيد من الشركات في المنطقة أن الصين هي سوق مهمّة للتصدير. وأعلن موقع التجارة الإلكترونية "نون" ومقرّه الإمارات مؤخراً دخوله إلى الشرق الأقصى، ولكن حتى الآن، كان المستفيد الأكبر من التعاون في مجال الاقتصاد الرقمي بين الصين والشرق الأوسط هي الصين.

على سبيل المثال، تعتبر شركة التجارة الإلكترونية الصينية "جولي تشيك" الآن واحدة من أكثر المنصات شعبية في الشرق الأوسط حيث يبلغ عدد مستخدميها 35 مليون مستخدم. وذكرت تقارير أن "سوفت بنك" Soft Bank المدعومة من السعودية تستثمر 1.5 مليار دولار في شركة "بايت دنس" Bytedance الصينية العملاقة للإعلام الاجتماعي، وهو ما سيرفع قيمتها إلى 75 مليار دولار متجاوزة قيمة "أوبر" Uber البالغة 72 مليار دولار و"ديدي تشوشينج" Didi Chuxing البالغة 56 مليار دولار.

وانطلق "علي إكبرس" AliExpress وهو موقع التسوق التابع لـ"علي بابا" في آب/أغسطس هذا العام في المنطقة وجمع أكثر من 150 مليون مشترك في الشهر.

يقول مات تشانغ، رئيس قسم الشرق الأوسط في "علي إكبرس" إن "المستخدمين في الشرق الأوسط يولون المزيد من الاهتمام لجودة المنتج وجودة الخدمة، بدلاً من البحث الأعمى عن الأسعار المنخفضة. وبالنسبة للعديد من الشركات الصينية، هذه المنطقة جيّدة للغاية لأنها تساعد على تنمية الشركة بصورة صحية على المدى الطويل".

كما دفع نمو السياح الصينيين في المنطقة تجار التجزئة إلى تقديم خدمات مألوفة لهم مثل منصات الدفع عبر الهاتف المحمول "وي باي" WePay و"علي باي" AliPay اللتين تمثلان حوالي 80% من جميع معاملات الدفع في الصين.

ويقول شوالجي إن "علي باي" "يتوسّع بالفعل في المنطقة لتقديم خيارات الدفع الإلكتروني للزوار الصينيين والتي يمكن أن تكون بمثابة غزوة أولية في مجال التكنولوجيا المالية مرجّحة للتطوّر مثل استثمار 'أنت فايننشل' Ant Financial في بنك مصرف تيلينور للتمويل المصغّر Telenor Microfinance Bank الباكستاني" .

نمو دول مجلس التعاون الخليجي

باعتبارها أكبر شريك تجاري للصين في المنطقة، تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي محور تركيز رئيسياً لتوسيع العلاقات التجارية والدبلوماسية. وعام 2016، في أول زيارة رسمية له إلى المنطقة، التقى الرئيس شي جينبينغ الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وتمخّض عن اللقاء حوالي 70 مليار دولار من الصفقات التجارية وإنشاء صندوق استثمار ثنائي بقيمة 20 مليار دولار وتشكيل لجنة مشتركة لتعزيز التجارة والتعاون الدبلوماسي.

وقام شي بزيارة وثانية إلى المنطقة في تموز/يوليو وتحديداً إلى الإمارات وهي الأولى من نوعها منذ 29 سنة وقادت إلى اتفاق استراتيجي للتعاون حول المصالح الدبلوماسية والاقتصادية وتوقيع العديد من الاتفاقيات التجارية.

إذاً، بدأت الثقة تنمو بين المنطقتين في "السنوات الـ10 إلى الـ15 الأخيرة" وفقاً لجوي وانغ، الزميلة المشاركة في برنامج آسيا والمحيط الهادئ في "تشاتام هاوس" في لندن التي تضيف أن "هناك الآن أساس جيد... وهو أساس سياسي تبادلي واستراتيجي مفيد للطرفين".

وتتابع جوي أنّ "التآزر" هو أحد الأسباب التي جعلت العلاقة بين المنطقتين تنمو بسرعة، فالصين "تحتاج إلى النفط والمواد الخام، ودول مجلس التعاون الخليجي تحتاج إلى الاستثمار والتصنيع". وتتوقع استمرار النمو على وجه التحديد في القطاعات التالية: الطاقة والطاقة الخضراء؛ البنية التحتية؛ المدن الصناعية/الذكية؛ التكنولوجيا والتعاون المالي.

منطقتان متشابهتان

سارت العلاقات بين الصين والشرق الأوسط حتى الآن بسلاسة، في تناقض صارخ مع العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والصين التي تشوبها الآن النزاعات التجارية والاتهامات والتنافس.

تقول جوي إن الشرق الأوسط والصين لديهما "تفاهم متبادل"، فضلاً عن الرغبة في العمل التعاوني. وهذا العنصر لا يستهان به كمحرك لاتفاقات التجارة الإقليمية.

وتتابع أن "الأمر يبدو كما لو أن الصين تقول للشرق الأوسط: أنت قم بعملك وأنا سأقوم بعملي. فلا تدخلٌ في الشؤون الداخلية لأي من الطرفين، وثمة تفاهم متبادل بأن الأمر لا يتجاوز نطاق الأعمال".

ويمكن للشركات الناشئة في المنطقة أن تستفيد من هذه العقلية للتحوّل أكثر شرقاً بدلاً من التركيز فقط على ما تقدّمه لها منطقة وادي السيليكون ومثيلاته. ويلاحظ تشانغ أن "المزيد من الصينيين يتعلمون العربية والمزيد من العرب يتعلمون الصينية. فتدفّق المواهب وقابلية العمل بين الجانبين يعني أن التبادلات بين الصين والمنطقة العربية تصبح مفيدة أكثر للتبادلات التكنولوجية والاقتصادية والثقافية".

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة