تكنولوجيا البناء: نحو مواقع تشييد أفضل

الصورة عبر Shutterstock

اقرأ بهذه اللغة

مع اختتام دبي لأكبر معرض لقطاع البناء والإنشاءات في الشرق الأوسط "ذا بيغ فايف" The Big 5، الشهر الماضي، أصبح من الواضح أن تقنيات جديدة بدأت تُحدث تحوّلاً في قطاع البناء في المنطقة من خلال طرح ممارسات جديدة في العمل من شأنها دفع الإنتاجية وتحسين السلامة وتزويد اليد العاملة منخفضة الأجر بمهارات جديدة.

يعد قطاع البناء أهم قطاع غير نفطي في الخليج ولكن على عكس القطاعات الكبرى الأكثر ديناميّة مثل قطاع التجزئة والقطاع المالي، لم تكن شركات البناء في المنطقة سريعة في اللحاق بركب الابتكار. ويعتبر القطاع الأدنى من حيث التطوّر الرقمي على المستوى العالمي، وبلغ متوسط نمو إنتاجية العمالة فيه 1% سنوياً طيلة السنوات العشرين الماضية.

غير أنّ هذا الوضع يتغيّر بشكل بطيء مع تخصيص المستثمرين المخاطرين مبالغ قياسية من المال لشركات تكنولوجيا البناء في النصف الأول من العام الجاري بلغ 1.1 بليون دولار، وفقاً لتقرير شركة الاستشارات العقارية "جاي إل إل" JLL يصف البناء بأنه قطاع يعاني من تقلّب التكاليف والنقص في اليد العاملة. وهذا ما يخلق "ما يعتبره المستثمرون المخاطرون فرصة رئيسية لإحداث ثورة في القطاع"، بحسب "جاي إل إل".

ولكن الخليج، وعلى الرغم من أن قطاعات البناء فيه هي الأكبر حجماً بين القطاعات الاقتصادية الأخرى، لم يجذب بعد استثماراً كبيراً في البحث والتطوير على حلول لتحسين الأداء في موقع البناء.

خوذات ذكية

ولكن هناك بعض الشركات الناشئة الإقليمية التي تطوّر تطبيقات قد يكون لديها قيمة عالمية من بينها شركة "ويك كاب تكنولوجيز" WakeCap Technologies ومقرها دبي التي شارك في تأسيسها المهندس السعودي حسن البلوي. وفازت الشركة في مسابقة "ذا بيغ فايف" للشركات الناشئة، وحصلت على شيك بـ25 ألف دولار.

تتيح تقنية الشركة الربط بين العمال والأدوات والمعدات عبر شبكة يستغرق تثبيتها في الموقع ساعة فقط ولا تعتمد على اتصال بالإنترنت. ويوضع في خوذات العمال وغيرها من المعدات، جهاز استشعار يمكنه إرسال واستقبال البيانات، مما يتيح للمقاولين حفظ سجلّات الحاضرين تلقائياً وكذلك التحرّكات في الموقع.

وتقول إيشيتا كوشار، الشريكة المؤسسة ومديرة مكتب العمليات في "ويك كاب تكنولوجيز" إن "الأمر لا يقتصر على نقاط الدخول ـ بل نربط الموقع بأكمله كي نستطيع الوصول إلى جميع المواضع فيه ونحصل على أوقات الدخول والخروج كي تعرف الشركات بشكل دقيق كم من الوقت أمضى كلّ عامل في موضع معيّن".  وتؤكّد "نحن لا ننتهك الخصوصية. نحن فقط نحاول تحسين السلامة والإنتاجية. وبمجرد أن تبدأوا العمل بهذا الحل، ستكون العملية مؤتمتة وبدلاً من توظيف 20 مشرفاً على كل 100 عامل ستحتاجون إلى 7 إلى 10 مشرفين".

وتقدّر كوشار بأن 90% من الحوادث التي تقع في موقع البناء تعود إلى دخول غير مسموح. وتضيف "تقنيتنا ستمنع حصول ذلك".

وتَعِد هذه التقنية أيضاً بتحسين كيفية إخلاء الموقع. ففي الوقت الراهن، تصدر صفارات الإنذار في الموقع، وبعد الإخلاء، يقوم المتعهد بعدّ العاملين لديه يدوياً.

أما مع خوذات "ويك كاب"، فيصدر الإنذار ويكون على العامل أن يؤكّد تلقّيه ومن ثم يغادر الموقع فوراً. وسيُظهر النظام للمتعهّد كم عدد العمال الذين دخلوا الموقع وكم عدد من بقوا بعد الإخلاء.

وتقول كوشار إن "السوق ناضجة لهذا النوع من التكنولوجيا - فجميع المقاولين يبحثون عن طرق لتحسين الإنتاجية. فهم يعملون في هوامش ضئيلة للغاية، لذلك فهم بحاجة إلى النظر إلى تقنيات خارجية أو الاستثمار في البحث والتطوير بأنفسهم لإيجاد حلول جديدة".

ووفقاً لإدارة السلامة والصحة المهنية في الولايات المتحدة، فإن 64% من الوفيات في قطاع البناء تعود إلى أربعة أسباب: السقوط والصعق بالكهرباء والاصطدام وحوادث الآلات. وفي حالة سقوط العامل في الموقع، فإن جهاز الاستشعار في خوذة "ويك كاب" سيطلق إنذاراً لتنبيه موظفي السلامة، وتحديد مكان سقوطه. وسيحدث الأمر نفسه في حالة إصابة خوذة العامل بجسم في حالة سقوط. بالإضافة إلى ذلك، يوفر "ويك كاب" للعمال زراً لاستخدامه في حالة الطوارئ.

يضم مستثمرو الشركة، شركة "كونسوليديتد كونستركشن كونسلتر" Consolidated Construction Contractors   (سي سي سي CCC) و"هاكس" HAX، أكبر مسرّعة للشركات الناشئة في مجال الأجهزة في العالم، و"جرافين فنتشرز" Graphene Ventures و"إنسباير فنتشرز" Inspire Ventures، بالإضافة إلى اثنين من المستثمرين الذين استثمروا معاً 700 ألف دولار.

تشغّل "سي سي سي" و"ويك كاب" حالياً مخططاً تجريبياً يشمل 400 عامل في برج أوبرا غراند Opera Grand قيد الإنشاء في دبي. ومن المقرر أن يصبح المنتج جاهزاً في السوق بحلول الربع الأول من عام 2019.

ويقول عارف بو علوان مدير نظام إدارة المعلومات وإعادة هندسة الأعمال في "سي سي سي" إنه "منذ أن استثمرنا في ويك كاب في أيار/مايو، حققت الشركة قفزات إلى الأمام من حيث التكنولوجيا ـ أجهزة جديدة، تمديد عمر البطارية، نطاق أكبر، شبكة محسّنة". وتابع "إن الأمر في تحسّن كل يوم ولكنه لم يصل بعد إلى مرحلة النضج الكامل. نحن على الطريق الصحيح ـ فأي شركة لا تعتبر شركة ناشئة إذا كانت وصلت بالفعل إلى مرحلة النضج".

الطباعة ثلاثية الأبعاد

تصدرت دبي العناوين العالمية عندما كشفت النقاب عن أول مبنى مشيّد بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في العالم 2016، ولكن استخدام "التصنيع المضاف" ـ المصطلح الأكثر دقة للطباعة ثلاثية الأبعاد ـ للمنشآت الضخمة لا يزال في مراحله الأولى. كما أن الخرسانة المطبوعة بالتقنية ثلاثية الأبعاد ليست مجدية تقنياً أو مالياً، على الرغم من أن ذلك لم يمنع بعض شركات البناء بما في ذلك "سي سي سي" من توظيف شركة "إيمنسا تكنولوجي لابس" Immensa Technology Labs في دبي لاستكشاف هذا المفهوم أكثر.

ويقول الرئيس التنفيذي لشركة "إيمنسا" فهمي الشوا: "من المحتمل أن يتم تسويق طابعات ثلاثية الأبعاد للإسمنت بعد عامين من اليوم. فالقيمة التي يمكن أن تحققها الطباعة ثلاثية الأبعاد لقطاع الإنشاءات هائلة قد تصل قيمتها إلى مليارات الدولارت".

يتطلّب صنع الخرسانة عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد مزيجاً خاصاً من الاسمنت سريع الجفاف يتضمن مكوّنات غير معروفة في لوائح البناء المتعارف عليها.

ويقول الشوا إنه "كي تكسب زخماً، فإن الخطوة الأولى هي تغيير العملية التنظيمية. فإذا كنت أريد أن أشيّد مبنى بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، فلن يكون هناك أي شخص يتعهده حتى الآن".

هناك العديد من التطبيقات الأخرى للطباعة ثلاثية الأبعاد الأخرى للبناء بخلاف الخرسانة مثل تصنيع التجهيزات والأدوات.

ويقول الشوا إنّ "الإمكانيات في الهندسة الداخلية هائلة أيضاً. فعلى مدى العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة سنرى أنّ شركات التجهيزات الداخلية سوف تتبنّى هذه التقنية سريعاً".

وبالفعل قدمت شركة "إيمنسا" التي توظّف 14 مهندساً، طلباً للحصول على براءة اختراع لقوالب الخرسانة ثلاثية الأبعاد المطبوعة.

ويوضح الشوا "لقد وجدنا طريقة لجعلها فعالة من حيث التكلفة لمنطقتنا ـ فهي تأخذ وقتاً أقل بكثير من القوالب التقليدية وهي أكثر ملاءمة للبيئة. فنحن لا نستخدم أطناناً من الخشب أو البلاستيك وبذلك نقلل من بصمتنا الكربونية ومن كمية النفايات ومن الوقت والعمل المطلوب".

الروبوتات

يحقق د. خورخي دياس، الأستاذ في مركز الأنظمة الروبوتية المستقلة في جامعة خليفة في أبو ظبي، في كيفية تمكّن الروبوتات من تحسين قطاع البناء.

ويقول دياس: "غالباً ما ينظر الناس إلى الروبوتات باعتبارها تهديداً لأنها تأخذ الوظائف من البشر، ولكنّي أرى أنها فرصة لجعل هذه الوظائف مختلفة ومجزية أكثر. فيمكن للروبوتات أن تدعم العامل في جهوده الجسدية أثناء القيام بالعمل اليدوي".

كما يمكن للروبوتات أن تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع بدقة لا يمكن للبشر مجاراتها، مما يزيد من جودة البناء ويقلّص الوقت المطلوب للبناء.

ويشير دياس إلى أن "صناعة السيارات كانت قبل الأتمتة مكاناً قذِراً للغاية. أما اليوم فالمصانع في غاية النظافة. كما يتم إهدار مواد أقل لأداء المهام ذاتها. وسنرى الأمر نفسه في مواقع البناء. ففي نهاية المطاف، لن يحتاج البناء إلى العديد من العاملين في الموقع. وسيصبح القطاع أكثر مرونة. وسيتم تدريب العمال على استخدام الآلات".

بحلول عام 2025 ، سيتم استخدام الروبوتات لجميع الخدمات اللوجستية التي تدعم قطاع البناء.

ويخلص دياس إلى أن ذلك "سيتقلّص فقدان الموارد وسيكون من الأسهل رفع المواد ونقلها ـ حيث سيبذل العمال جهداً بدنياً أقل. وسيكون لدى البشر أدوات للقيام بالأعمال نفسها كما في السابق ولكن بجهد أقل". 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة