ما قصة الاهتمام المتزايد بتعليم البرمجة للأطفال؟

الصورة عبر حوار الشرق الأوسط

للإجابة عن هذا السؤال وأسئلة أخرى حول لغات الترميز وكيفية تجاوب وتعامل الأطفال معها، تحدثت باميلا كسرواني مع قصي خليل، مبرمج ورئيس قسم الألعاب في "غومايكود" التونسية، وهي مدرسة لتعلم الترميز والبرمجة.

لا أحد ينكر أن التكنولوجيا باتت الحاضر الدائم في حياتنا اليومية، من أبسط الأمور إلى أكثرها تعقيداً، في حياة الكبار والصغار. قد يختلف البعض حول تأثيرها السلبي لاسيما على الأطفال إلا أن الأكيد أنه لا مفرّ منها والمهم أن نعرف كيف نستغلها بطريقة إيجابية. وبالتالي، يعمل كثيرون على إيجاد طرق حديثة لتعليم الأطفال منذ الصغر أساسياتها من خلال لغات الترميز.

هذا ما أرادته "غومايكود" عند تأسيسها في تونس عام 2016. ويعرّف قصي خليل، خلال مقابلة عبر سكايب، عنها قائلاً "هي مدرسة القرن الحادي والعشرين إذ نميل إلى تغيير الطريقة التي نتعلّم ونُعلّم فيها علوم الكمبيوتر. فلاحظنا أن ما نتعلمه في المدارس الثانوية أو أي نظام تعليمي، يكون دائمًا قديماً ويميل إلى التركيز كثيرًا على آليات تدريس القرن العشرين. أما نحن، فنركّز على منهجية تفاعلية لتعليم كيفية إنشاء مشروعك الخاص واستخدام إبداعك ونفسك لتتعلم أكثر".

تعليم بات بمتناول الجميع لاسيما في عصر يملك فيه الجميع تقريباً الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية حيث تريد مدارس ومبادرات مثل "غومايكود" أن تجعل من الاستعمال اليومي و"الادمان" على الألعاب الالكترونية" أمراً ايجابياً ليُدرك الأولاد "قوة وقدرات الكمبيوتر لاسيما مع التغييرات الحاصلة في علوم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي حيث يستطيع أي كان أن يتعلمها ويستخدمها"، على حد قول خليل.

ويتابع خليل "أدركنا أن تعليم الطفل في سن مبكر، سيسمح له بالفعل أن يصبح قادراً على صنع خياراته الخاصة ودمج نفسه في عالم الكمبيوتر كما سيتمكّن من اتخاذ قرارات حكيمة أفضل من أشخاص بعمري أو أكبر سناً" مضيفاً أن "الكثير من الأطفال في تونس وفي العالم العربي، أصبحوا مهتمين جداً بعلوم الكمبيوتر وخصوصاً أولياء أمورهم لأنهم يعتقدون أن علوم الكمبيوتر تشكّل المستقبل في السنوات العشرين إلى الثلاثين القادمة".

ولا بد من الإشارة إلى أن لغات الترميز تساعد على تنمية ذكاء الطفل عندما يتعلم فك رموز وشفرات البيانات وتعلمه المبادئ الأساسية للغات البرمجة في الصغر وتزرع فيه مبادئ التفكير المنطقي السليم.

ولكل هذه الأسباب، خصصت "غومايكود"، منذ نهاية 2016، برنامجاً للأطفال موجهاً لمن هم بين السادسة والثانية عشرة من العمر؛ برنامج ينقسم إلى مرحلتين تمتدّ كل منها على فترة شهرين. ويشرح لنا خليل "برنامج الأطفال يعلّمهم كيفية بناء برامج كمبيوتر صغيرة وصفحات ويب صغيرة من الصفر باستخدام خوارزمية وترميز HTML وCSS بسيط كما أنه يعلمهم كيفية برمجة روبوت".

ويخبرنا خليل أن هذا البرنامج لاقى الكثير من الترحيب، من الأطفال والأهالي على حدّ سواء. فحتى الآن، تابع البرامج المختلفة نحو 2000 من الأطفال وغالباً ما يكون معدل العمر بين 6 إلى 7 سنوات. إلا أن ما يثير الاهتمام هو أن خليل لاحظ اهتمام البنات أكثر من الشباب بهذا البرنامج. وهنا يشرح لنا خليل "البرنامج بحد ذاته يقدم الكثير من الإبداع ورؤية الأمور بشكل مختلف. لاحظنا أن الفتيات أكثر تشويقًا خاصةً التونسيات الأكثر اهتماماً باكتشاف أشياء جديدة بينما يفضلّ الصبيان الاستقرار والأشياء التي تعوّدوا عليها والتي ليست تربوية على الرغم من أن برامجنا مسلية جداً".

وتختلف اهتمامات الأطفال بلغات الترميز والبرمجة إذ بعضهم مهتم ببناء لعبة فيما آخرون يريدون بناء مواقع الكترونية. أما من جهة الأهالي، فيخبرنا خليل أنهم بداية يطرحون العديد من الأسئلة إلى أن يكتشفوا أن أولادهم يتعلمون بسرعة كبيرة ويبتكرون الأشياء من الصفر. ويتابع "بعد كل مرحلة، ننظم يوماً لتقديم المشاريع ويمكنك أن ترى عيون الأهالي المليئة بالفخر بالأولاد وبالإعجاب بكيف غيرت هذه التجربة طريقة تفكير وتصرف أبنائهم".

ولكن مهمة كشف عالم البرمجة والترميز للأطفال ليست دائماً سهلة لاسيما طريقة دمج الأطفال بالبرنامج. فيطلعنا خليل أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أنهم لا يعرفون بعضهم البعض، فلا بد من إيجاد وسائل ليتفاعلوا مع بعضهم البعض ويعملوا معاً إضافة إلى ايجاد الطريقة الأنسب لتعليمهم والتوجّه إليهم.

تواصل "غومايكود" تحديث برامجها لتتماشى مع التقدم التكنولوجي المتواصل والسريع الوتيرة وتواصل التفكير بأفضل الطرق لجذب الأطفال من كل الأعمار إلى هذا العالم.

وبالنسبة لخليل، يبقى الأهم هو أن برامج "غومايكود" "تعلمّ الأطفال كيفية التفكير بأنفسهم لأننا لاحظنا أن كل من يعمل معنا تعلّم في نفس البنية البيئية. فجميعنا كنّا في نفس أنواع المدارس الثانوية والكليات. وأدركنا أن هذا الأسلوب يحدّ من قدراتنا بدل من أن يدفعنا إلى الأمام".

وبالتالي، يشدد خليل على أهمية أن تمنح هذه التجربة الأطفال فرصة التفكير بأنفسهم والابداع قائلاً "نوفّر ​​لهم الأدوات كي يغيروا أنفسهم إلى الأفضل من دون أن يُملي عليهم أحد أفكاره. نحن هنا لنمّهد لهم الطريق. فحتى بعد 10-12 سنة عندما يستعدون لدخول سوق العمل، لن يحتاجوا إلى أي مساعدة من أي شخص آخر، سيكونون قادرين على التصرف بمفردهم؛ هذا أمر نادر جداً في أيامنا هذه، ونحن نحاول تغيير ذلك".

 

تمثل مبادرة "حوار الشرق الأوسط" منصة لتبادل الأفكار والتطلعات والابتكارات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، بهدف تحفيز وتشجيع الحوار الصريح والشفاف والبنّاء حول قضايا التنمية في المنطقة في وقتنا الحاضر.

وقد تم إطلاق مبادرة "حوار الشرق الأوسط" كجهد مشترك بين مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية ومؤسسة بيل ومليندا غيتس.

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة