مع وقوف الفساد عائقاً أمام الاقتصاد... العراقيون يتطلّعون إلى ريادة الأعمال

Image courtesy of Shutterstock

اقرأ بهذه اللغة

أصبح العراق مرادفاً للحرب والفساد أكثر منه للريادة ولكن الأمور تتغيّر ببطء مع سعي المزيد من الناس للفرص خارج القطاع العام المتضخّم.

ومع بلوغ عدد السكان حوالي 40 مليون نسمة وفقاً لأرقام الأمم المتحدة وعدم تجاوز نصفهم الـ19 عاماً، يعتبر العراق واحداً من أكبر الأسواق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ويملك هذا البلد ثاني أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم وناتجاً محلياً إجمالياً يبلغ حوالي 200 مليار دولار، ولكن النزاعات والفساد عرقلا بشدة اقتصاد البلد وتقدمّه. والعراق هو واحد من أكثر الدول فساداً في العالم، وتصنّف فيه سهولة ممارسة الأعمال في المرتبة 171 بين 180 اقتصاداً وفقاً للبنك الدولي. وتمثل إيرادات النفط أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية، ولكن القطاع يوظف 1% فقط من السكان.

لم يعد القطاع العام قادراً على استيعاب آلاف الخرّيجين الجدد في البلاد ومع توقف الاقتصاد تقريباً مع وصول ما يسمّى بـ"الدولة الإسلامية"، جفّت أيضاً فرص العمل في القطاع الخاص.

ولكن اليوم مع تحسّن الوضع الأمني اليوم وبدء التعافي الاقتصادي ولو ببطء، تعمل بعض الأوساط من الرياديين والمستثمرين والشركاء الدوليين على بناء بيئة حاضنة لريادة الأعمال.

يقول محمد الخضيري، الشريك الإداري في مجموعة الخضيري وأحد مؤسسي "تك هاب" TechHub وهي مساحة للعمل المشترك في أربيل، "يمكن للتكنولوجيا أن تكون طريقة رائعة لتنويع الاقتصاد العراقي، وهي بمثابة هدف عظيم لخلق طبقة وسطى أقوى تقود إلى الاستقرار".

يبلغ معدل استخدام الهواتف المحمولة حوالي 87% فيما لدى نصف السكان تقريباً اتصال بالإنترنت. لذلك يرى خضيري أن العراق "سوق ضخمة ذات إمكانات هائلة"، والآن حان الوقت للاستثمار في الشركات الناشئة في البلاد.

يعمل خضيري حالياً على تطوير شركة "العراق تيك فنتشرز" Iraq Tech Ventures التي أنجزت في الآونة الأخيرة أول جولة تمويل تأسيسية لواحد من أكبر مواقع التجارة الإلكترونية في البلاد وهو موقع "مسواك" Miswag والذي يُعتقد أنه يساوي نحو مليوني دولار.

يقول خضيري إن "الناس سوف يُعجبون بنوعية رواد الأعمال، فرغم التحديات التي يواجهونها، لا يستسلمون ويواصلون السير إلى الأمام. الأبطال الحقيقيون هم رواد الأعمال الذين يتعاملون مع التحديات اليومية".

ومن بين هؤلاء يوسف النعيمي، الذي يعيش في الموصل والذي أطلق "دكاكينا"Dakakenna  في آب/أغسطس 2018، وهي سوق على الإنترنت لتوصيل السلع في المدينة في غضون 24 ساعة. وقد رفض النعيمي، وهو مهندس برمجيات تخرج من جامعة الموصل، عدة عروض للعمل في أوروبا لإطلاق شركته.

ويقول عن ذلك إنه "دائماً كان لديّ سبب لرفض العروض، وأتيحت لي الفرصة لبناء مشروع ناجح في العراق. وكان من الصعب الحصول على وظيفة في الموصل، أضف إلى أنّي من الأساس أحب العمل الحر".

والموصل هي واحدة من المدن الرئيسية التي سقطت في يد "الدولة الإسلامية"، وكانت معزولة عن بقية البلاد ولحق الدمار ببنيتها التحتية بالكامل. ومع استعادة القوات العراقية السيطرة على المدينة عام 2017، بدأت الحياة تعود من جديد إليها، ولكن مع المخاوف من الألغام التي زرعتها "داعش" لا تزال الحركة مقيدة والوظائف شحيحة.

يقول النعيمي الذي طوّر المنصة بمفرده "كان إنشاء متجر على الإنترنت منطقياً بالنسبة لي، فنحن في حاجة إلى هذه الخدمة [في الموصل]". وقد نجح النعيمي مع المؤسس الشريك عبد الرحمن نبيل في تأمين 20 مزوّداً للسلع مثل أدوات المطبخ والساعات وحقائب اليد. ونظراً إلى أن المزوّدين جميعاً في الموصل، تقوم "دكاكينا" بالتوصيل في اليوم نفسه.

ورغم أن الحركة لا تزال بطيئة في المدينة إلاّ أن النعيمي يخطط للتوسّع في مدن رئيسية أخرى في العراق. ويقول إنه "عندما تقرأ التعليقات في الأسواق الإلكترونية الأخرى، تلاحظ أنّ الناس خاضوا تجربة سيئة، فأحياناً يستغرق وصول طلبيتهم شهراً. لذلك إذا توسّعنا في مدن أخرى واستخدمنا نموذج العمل نفسه، يمكننا منح الناس تجربة أفضل".

ولكن من أجل القيام بذلك، تحتاج الشركة إلى استثمار. وكما هو حال العديد من الشركات الناشئة في العراق، كان النعيمي والمؤسس الشريك يستخدمان أموالهما الخاصة لتمويل شركتهما.

يقول مجاهد الويسي، مؤسس "المحطة" The station  وهي أول مساحة عمل مشترك في بغداد: "نحن بحاجة إلى الانتقال إلى المرحلة التالية في البيئة الحاضنة. فلدينا الآن الكثير من الأفكار والشركات الناشئة التي تجاوزت مرحلة التفكير ولكن لم يتم تمويل أي منها من قبل مؤسسات، وهي لا تزال تعتمد فقط على نفسها وأصدقاء مؤسسيها وعائلاتهم".

يعتبر الوصول إلى رأس المال أحد التحديات الرئيسية في البلاد، والبنية التحتية المالية للشركات الناشئة تكاد تكون معدومة. وصحيح أن البنك المركزي العراقي أطلق صندوقاً بقيمة تريليون دينار (840 مليون دولار) لتقديم قروض بفائدة مدعومة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ولكنه لم يخصص سوى أكثر بقليل من 6% من ذلك نظراً إلى أن الشروط واللوائح التنظيمية التي تتضمن ضمانة كاملة للسداد، تجعله ممنوعاً على الشركات الناشئة.

 يقول الويسي الذي يتطلع الآن لإنشاء حاضنة أعمال وصندوق تمويل، "كرواد أعمال، لا نحتاج إلى قروض، بل نحتاج إلى شخص يخاطر معنا". وهو يجري الآن محادثات مع مستثمرين في العراق وفي منطقة الشرق الأوسط ككل، ليكونوا أوائل المستثمرين في الشركات الناشئة في البلاد. وسيستمر برنامج الحاضنة عاماً واحداً وسيقدم حوالي 50 ألف دولار للشركات الناشئة على شكل تمويل أولي. ولكن الاستثمار في العراق ليس بهذه البساطة. فالإطار القانوني للمستثمرين والشركات الناشئة هو عملية مرهقة للغاية لدرجة أن معظم الشركات الناشئة لا تكلف نفسها عناء تسجيل شركتها. فقد يستغرق الأمر ستة أشهر لتسجيل شركة في العراق، الأمر الذي يترك المستثمرين في موقع ضعيف ويجعلهم مترددين بشأن الاستثمار.

يقول خضيري: "لا توجد قاعدة قانونية واضحة تسمح للمستثمرين بالمشاركة. وهذا ما أضغط بشدة من أجله، للمساعدة في إنشاء فئة فريدة من نوعها لهذه الشركات الناشئة وإتاحة المجال لإطلاق المشاريع وتشغيلها بسرعة".

والشركات الناشئة نفسها هي التي دفعت نحو التغييرات التنظيمية. وقد ساعدت منصة "بزاري أونلاين" Bazary Online، للتسوق والتوصيل في إقليم كردستان، في وضع أول قانون للتجارة الإلكترونية في محافظة السليمانية، فيما ساعد آخرون في تطوير حلول للدفع عبر الهاتف المحمول والإنترنت في بلد يملك 11% فقط من الناس حسابات مصرفية وفقاً لبيانات البنك الدولي.

ولكن هناك العديد من العقبات الأخرى التي تقف في وجه البيئة الحاضنة، منها غياب الحماية للملكية الفكرية وسهولة تسرّب الأفكار. كما توجد فجوة كبيرة في المهارات وثقافة واسعة النطاق تفضّل وظائف القطاع العام والاعتماد الزائد على الحكومة.

تقول زهرة شاه، المديرة الإقليمية في "ري: كودد" Re: Coded، "ثمة عائق على مستوى الدعم الحكومي والتمويل والبنية التحتية. كما أن النظام التعليمي لم يُحدّث بشكل صحيح ولا يشعر الناس بالتحدّي بما يكفي للتفكير بشكل نقدي وعدم الاعتماد على" الواسطة ".

و"ري كودد" هي مبادرة توفّر برامج تدريب على الترميز لزيادة مهارات الشباب في المناطق المتأثرة بالصراع. وهي تخطط لتقديم ورشات عمل حول سلسلة البلوكات التي تعتقد شاه أنها "تغيّر قواعد اللعبة" في العراق وستساعد على محاربة الفساد.

ويخلص الويسي من خبرته إلى أن "معظم العراقيين يعتمدون على الحكومة. ولكنني أخبرهم أن التوظيف الحكومي لن يجعلهم مليونيرات، فعليهم أن يكونوا لصوصاً ليستفيدوا من هذه الأمور، فالجميع يبحث عن وظيفة حكومية ولكن الراتب ليس جيداً".

وبما أن السياسيين المنتخبين بناء على وعود بخلق المزيد من الوظائف يفشلون في الوفاء بها، فإن البديل الوحيد لشباب العراق هو ريادة الأعمال.

وتقول شاه: "العراق يزخر بالمواهب، وهناك الكثير من الفرص للشركات الناشئة، وكل مشكلة هنا قابلة للحل بالتكنولوجيا".

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة