السعودية تشهد حراكاً ريادياً ولكن التحديات مستمرة

الصورة عبر Shutterstock

اقرأ بهذه اللغة

ليست الحكومة السعودية غريبة عن التكنولوجيا أو ريادة الأعمال. ففي الواقع، يعتبر صندوق الثروة السيادية السعودية، صندوق الاستثمارات العامة، أحد أكثر المستثمرين غزارة في شركات ناشئة خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

فالصندوق مستثمر مباشر في "أوبر" بعد أن اشترى حصّة بنسبة 5% في الشركة بقيمة 3.5 مليار دولار عام 2016. كما أنه مستثمر ضخم في صندوق رؤية التابع لمجموعة "سوفت بنك" اليابانية، الذي يعتبر أكبر صندوق رأسمال استثماري مخاطر في العالم بعد أن قدّمت السعودية 45 مليار دولار كمساهمة فيه للولوج إلى مجموعة شركاته مثل "سلاك" Slack و"أويو" OYO و"جي إم كروز" GM Cruise. ويأمل الصندوق السعودي بأن تبلغ قيمته بحلول 2030، تريليونَي دولار.

أما داخل السعودية، فتركيز الحكومة أقل على الاستثمارات وأكثر على خلق بيئة حاضنة للشركات الناشئة وتطويرها.

تُعدّ المملكة العربية السعودية أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط بناتج محلي إجمالي يبلغ أكثر من 680 مليار دولار وعدد سكان يبلغ 33 مليون نسمة 70% منهم دون الثلاثين من العمر. ويشكّل قطاع النفط 87% من إيرادات الموازنة و42% من الناتج المحلي الإجمالي و90% من عائدات التصدير، وذلك وفقاً لمؤشر "موندي".

ولكن هذا الاعتماد على النفط ما لبث أن اعتُبِر غير مستدام لذلك تحاول الحكومة منذ بضع سنوات إبعاد السعوديين عن وظائف القطاع العام وتشجيعهم بدلاً من ذلك على تأسيس شركاتهم الخاصة. وهي تفعل ذلك من خلال تبسيط إجراءات الحصول على تأشيرات دخول والحصول على تراخيص، حيث أطلقت مبادرات حكومية عديدة وأسست كيانات مثل الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) و"فنتك السعودية" بالتوازي مع تعزيز سياسة السّعوَدة في القطاع الخاص.

خلال مؤتمر "ستب" Step الأول في الرياض، قال مازن الزيدي مدير الابتكار وريادة الأعمال في الهيئة العامة للاستثمار السعودية إن 12 صندوق استثمار إقليمي وعالمي في طور التسجيل للحصول على وجود في السعودية علماً أن معظمها لم يكن مهتمّاً بذلك قبل ستة أشهر.

ويشير الزيدي إلى أنه مع بلوغ كلفة الترخيص لرائد الأعمال الجديد 500 دولار وتطلّبه وثيقتين فقط، أصبح بإمكان رواد الأعمال تأسيس شركاتهم خلال ثلاث ساعات، ومن الواضح أن مستوى الاهتمام مرتفع في جميع القطاعات. 

وتُظهر بيانات "ماغنيت" Magnitt بأن 7% فقط من جميع صفقات رأس المال الاستثماري التي حصلت في المنطقة عام 2018، جرت في السعودية في ارتفاع بنسبة 1% فقط عن العام السابق.

غير أن هذا العام يشهد نمواً أكبر في حجم وعدد الصفقات المتوقعة، ويستعد كل قطاع تقريباً لفورة في الابتكارات وريادة الأعمال.  

ويقول عبد الرحمن بن مطرب، نائب الرئيس التنفيذي لتقنية المعلومات في مجموعة "الطيّار"، إحدى أكبر شركات السفر في المنطقة، إن 97% من النمو الاقتصادي السعودي سيأتي من التكنولوجيا في السنوات الخمسة المقبلة.

ويرى عمر الشعبان الشريك المؤسس والمدير التنفيذي لـ"ذا سبايس" The Space وهي شبكة مساحات عمل مشتركة في السعودية، أن مستوى النشاط الريادي في ارتفاع واضح. ومن الأمثلة على ذلك أنّ الشعبان نفسه اضطر إلى بناء طبقة أخرى في موقعه في جدة لتلبية الطلب على المساحات المكتبية للشركات الناشئة الجديدة. 

ويقول: "إذا أردنا أن نحصي عدد الأشخاص من أصحاب الأفكار فهم كُثُر. وإذا أردنا أن نحصي الأشخاص الذين يسلكون الطريق الريادي فهم أيضاً كُثُر ولكن هل الأفكار ناضجة أم أنها منسوخة؟ في الواقع لا يوجد الكثير من الأفكار الأصلية".

ولكن على الرغم من كل الحديث عن دفع ريادة الأعمال في السعودية قدماً، فإن البيئة الحاضنة لا تزال وليدة. ولم ينتج هذا البلد بعد عملية تخارج بقيمة أعلى من 100 مليون دولار. فالعديد من المستثمرين في الشركات الناشئة هم رجال أعمال تقليديين يسعون إلى تنويع الشركات التي يستثمرون فيها بدلاً من تنفيذ عمليات تخارُج.

وتقول أمل دخان، مديرة مركز بابسون العالمي لريادة الأعمال: "قبل أربع سنوات حين بدأنا مسرّعة النمو في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، لم يكن الكثير من الناس يعرفون ما الذين تعنيه ريادة الأعمال. لذلك مررنا بمرحلة توعية وبناء معرفة". وتابعت "ما هو الابتكار؟ هو بالتأكيد مختلف عن فتح مطعم للشاورما، لذلك استغرقنا الكثير من الوقت للقيام بتلك الحملات".

إذاً لم تتبدد الحاجة إلى التعليم، ليس فقط للشركات الناشئة بل أيضاً لأصحاب المصلحة الآخرين في البيئة الحاضنة بينهم الهيئات الناظمة.

وتقول دخان إن "ثقافة الرأسمال الاستثماري المخاطر لا تزال تحتاج إلى القليل من التعليم كي نحصل على الأشخاص المناسبين، فهم يريدون عائدات على أموالهم بسرعة كبيرة ويحملون ذهنية عقارية. كما أن عمر الشركة الناشئة سريع وقصير جداً ولكن لك لا ينعكس في الجانب القانوني".

ومن بين الأمور القانونية التي قد تقف عائقاً أمام الشركات الناشئة هي السّعوَدة. 

فـ"أوبر" مثلاً كانت من الشركات التي أصيبت بنار هذه السياسة، فمنذ 25 آذار/مارس 2019، رغم عدم إعلان ذلك رسمياً، لم يعد يحق سوى للسعوديين أن يعملوا سائقين في "أوبر". ومنذ ذلك اليوم تراجع عدد السائقين المتوفرين في ساعات النهار وتضاعفت الأسعار وفق ما لاحظت "ومضة". فمعظم السائقين السعوديين مع "أوبر" و"كريم" عادة ما يكون لديهم وظيفة في القطاع العام ولا يتسطيعون العمل في القيادة سوى في المساء ما أدّى إلى تراجع عدد السائقين المتوفّرين خلال النهار. 

ويقول فارس غندور، الشريك في "ومضة كابيتال" إن "التدخّل الحكومي في القطاع الخاص، لا سيما في سوق العمل، باستثناء قوانين العمل التي تحمي الموظفين، غالباً ما يشكّل عقبة أمام نمو القطاع الخاص. فالأخير يجب أن تكون لديه حرية التوظيف على أساس الجدارة".

إلّا أن مسؤولاً حكومياً رفض الكشف عن اسمه، أعرب عن اعتقاده أن هذا الأمر يحصل في القطاعات الأكثر مرئية فقط. وقال "السّعوَدة موجودة منذ زمن طويل ولكن ما يحصل اليوم هو أنّ هناك تركيز أكبر على القطاعات التي يسهل عليها إيجاد المواهب المحلية".

واليوم تقوم الحكومة السعودية بإصدار 6 تأشيرات لكل شركة تضمّ مواطناً سعودياً كمدير تنفيذي. ويقول المسؤول إنّ "هذا العدد كافٍ لشركة ناشئة، فأنت لا تحتاج إلى أكثر من ذلك في البداية".

ولكن بالنسبة إلى الشركات الناشئة التي دخلت مرحلة النمو، فإن هذا العدد غير كافٍ. فمثلاً يتبادر إلى ذهن القيّمين على شركة "سلاسة" للشحن الانتقال إلى دبي في محاولة لجذب المواهب التي تفتقدها السعودية.

ويقول عبد المجيد اليمني، المؤسس الشريك والرئيس التنفيذي لـ"سلاسة": "اعتدنا أن نقول إن النقص في التمويل كان مشكلة ولكنه لم يعد كذلك لا سيما مع توفّر الدعم الحكومي. فالمشكلة الكبيرة اليوم هي العثور على أشخاص موهوبين يريدون العمل في شركة ناشئة. لذلك نفكّر أحياناً في الانتقال إلى دبي حيث من السهل علينا جذب هذه المواهب".

ولكن في ظل تكاليف المعيشة المرتفعة في دبي، تفرد السعودية لنفسها مكانة المركز البديل والأقل كلفة لريادة الأعمال، ويبقى أن ننتظر لنرى إن كانت قادرة على منافسة المركز الرئيسي للريادة.

وتقول دخان إن "هناك فرص هائلة، وهناك الكثير من الأسواق الناشئة والكثير من المجالات التي تحتاج إلى التغيير. كما هناك الكثير من الإمكانيات والفرص للشركات الناشئة الأجنبية لتأتي إلى السعودية، فنحن نحتاج إلى تلك المنافسة الصّحيّة للتعاون مع الشركات هنا وإقامة الشراكات معها وتعزيزها".

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة