آفاق تحقيق القيمة المضافة من البيانات من خلال الحوافز والاستثمار والتشريعات الداعمة

Image courtesy of Shutterstock

اقرأ بهذه اللغة

بقلم: جاد الحاج، الشريك في ستراتيجي& الشرق الأوسط, أليس خِلاط، مديرة مركز الفكر, جنى البطل، زميلة أولى بمركز الفكر، المؤسسة الفكرية الرائدة التابعة لشركة ستراتيجي& الشرق الأوسط

تزداد وتيرة استخدام البيانات في الوقت الراهن بجميع أنحاء العالم نظرًا لأهميتها في الاطلاع على الآراء الثاقبة وتحقيق القيمة. وعلى الرغم من المؤشرات الواضحة على التقدم المحقق في هذا الصدد، لايزال اقتصاد البيانات قطاعًا حديثَ العهدِ نسبيًا بمنطقة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهو ما يتطلب من شركات وحكومات المنطقة التكاتف والاضطلاع بدورٍ محوريٍ للإسراع بوتيرة النهوض بهذا القطاع.

ويمكن للمؤسسات تحقيق قيمة من البيانات من خلال محوري عمل، يتمثل أولهما في تعزيز أنشطة العمل وذلك باستخدام البيانات لتحسين العمليات التشغيلية الداخلية والإنتاجية، وجودة المنتجات والخدمات، وخدمة العملاء. بينما يتمثل المحور الثاني في استحداث القيمة من خلال بيع البيانات، والذي يعدّ محور تركيز خارجي للمؤسسة لبناء مسارات إيرادات جديدة من خلال إتاحة البيانات للعملاء والشركاء.

وهناك فرصة كبيرة سانحة أمام اقتصاد البيانات لتحقيق قيمة مرجوة من هذين المسارين، هذا فضلًا عن الأولوية التي يحتلها هذا الموضوع على الأجندة الاقتصادية في جميع أنحاء العالم. ومن هذا المنطلق، يسعى الاتحاد الأوروبي حاليًا إلى تمرير السياسات والتشريعات الداعمة لاقتصاد البيانات وزيادة الاستثمار في التقنية.

وفي سياق ما تقدم، نجح الاتحاد الأوروبي في مايو 2019م في إصدار تشريع يسمح بحرية تداول البيانات غير الشخصية وإزالة أية معوقات تحول دون ذلك، مما يسمح للشركات بسهولة تغيير مزودي خدمات التخزين السحابية المستخدمة في تخزين ومعالجة البيانات في أي مكان بالمنطقة، ومن ثمَّ حرية نقل البيانات غير الشخصية بين حدود الاتحاد الأوروبي. وسيعمل هذا التشريع الجديد إلى جانب اللائحة العامة لحماية البيانات على تقليل أوجه الالتباس والغموض التي تواجه مؤسسات الأعمال الراغبة في تحقيق قيمة من البيانات. ومن شأن تعزيز مستويات الوضوح، إلى جانب عوامل أخرى، تعزيز القيمة المتوقعة لاقتصاد البيانات بالاتحاد الأوروبي لتصل إلى 739 مليار يورو (أي ما يعادل 825 مليار دولار أمريكي) بحلول عام 2020م، وهو ما يمثل 4% من الناتج المحلي الإجمالي الكُليّ لمنطقة اليورو.

وعلى صعيد آخر، تشهد منطقة مجلس التعاون لدول الخليج العربية حالة من النموّ السريع على صعيد حجم وجودة البيانات المتاحة، مع توقعات باستمرارية هذا التوجه. ومع هذا، فلاتزال هناك حاجة لبذل المزيد من الجهود لتحقيق القيمة من هذه البيانات، حيث تشير التقديرات الصادرة عن ستراتيجي& إلى أن القيمة الإجمالية لاقتصاد البيانات في المنطقة بلغت 4,7 مليار دولار فقط في عام 2018م، أيّ ما يمثل 0,3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة أدنى كثيرًا عن تلك المحققة في الاتحاد الأوروبي.

ومع هذا، فقد استطاعت مجموعة صغيرة من المؤسسات العاملة في المنطقة الاستفادة من البيانات المتاحة لديها لتحقيق القيمة، ومن الأمثلة على ذلك قيام مؤسسة مطارات دُبيّ بنقل عملياتها التشغيلية من البرمجية القديمة إلى حلول مؤتمتة ونظم تحليل قائمة على التوقع والبيانات، مثل نظم تحليل الآراء والعواطف (Sentiment Analysis)، والإبلاغ عن طوابير الانتظار وتحليلها، وخوارزميات إعداد جداول رحلات الطيران. وفي سياق مماثل، تستخدم شركات الاتصالات الإقليمية أيضًا البيانات لتعزيز إجراءات العمل، حيث تقوم على سبيل المثال بتحديد الاستثمارات ذات الأولوية من خلال تحليل توقعات الحركة، ووضع نماذج للدوائر الاجتماعية المختلفة لتوقع حالات الخسارة في قاعدة العملاء.

فضلًا عن هذا، فإن غياب المعرفة التنظيمية وعدم توافر الشركات المحلية المزودة لتحليل البيانات يحول دون تشجيع الشركات على استخدام البيانات بصورة أكثر فعالية. واستنادًا إلى قاعدة بيانات كرانش بيس (Crunchbase)، فإن عدد مزودي الحلول العاملين في دولة الإمارات العربية المتحدة لا يتجاوز خمس عشرة شركة، في حين تفتقر باقي بلدان المنطقة عمليًا لوجود هذه الشركات، وهو ما يتيح الفرصة أمام الشركات المتخصصة على غرار Alteryx الأمريكية لعلوم وتحليلات البيانات للعمل في المنطقة وتعويض هذا الفراغ تدريجيًا، وهو تطور من شأنه تحقيق أثر إيجابي لاقتصاد البيانات بالمنطقة.

وعلى صعيد آخر، تضطلع برامج التطوير القطاعية المدعومة من الحكومة – مثل: "دبي الذكية" و"وحدة التحول الرقمي بالمملكة العربية السعودية" – بدورٍ محوريٍ للإسراع بالانتقال نحوَّ الاقتصاد القائم على البيانات. وسيتعين على هذه البرامج ضخ استثمارات ضخمة في العديد من المبادرات، مثل تشجيع الاستخدام المحلي للتقنيات الناشئة على غرار الذكاء الاصطناعي وبلوك تشين. وتحقيقًا لهذه الغاية، أطلقت "دبي الذكية" مبادرة "البيانات أولًا – تحدي بيانات المدينة" لتشجيع الجهات الحكومية على تبني ومشاركة البيانات.

وهناك المزيد من الجهود والمبادرات التي يمكن للجهات المعنية بتطوير القطاع اتخاذها في هذا الصدد، كما ينبغي على حكومات المنطقة استلهام الرؤى من الأمم الرائدة في هذا المجال مثل المملكة المتحدة وسنغافورة، ومن بينها قيام المملكة المتحدة في عام 2018م بتأسيس معهد التشفير للتدريب على المهارات الرقمية وإعادة التدريب لمعالجة الفجوة في المهارات الرقمية. وقيام هيئة تطوير وسائط المعلومات والاتصالات السنغافورية بتشجيع النشر واسع النطاق لشبكات الجيل الخامس 5G)) لزيادة معدلات استخدام التطبيقات الصناعية المعتمدة على أحجام كبيرة للغاية من البيانات الآنية.

وعلى الصعيد التشريعي، لازال منظومة السياسات الحاكمة لقطاع البيانات (والحاكمة للمجالات ذات الصلة مثل الذكاء الاصطناعي) في مرحلة ناشئة بجميع أرجاء العالم. ومن الأمثلة هذه التشريعات الناشئة اللائحة العامة لحماية البيانات بالاتحاد الأوروبي، وقانون خصوصية بيانات المستهلكين في ولاية كاليفورنيا (متوقع إصداره في عام 2020م)، وقانون حماية البيانات الشخصية بمملكة البحرين والذي دخل حيز التنفيذ في 1 أغسطس 2019م. وعلى الرغم من وجود فوارق بين هذه التشريعات، إلا أنها تحدد قواعد تعامل المؤسسات مع البيانات الشخصية.

وينبغي أيضًا على الجهات المنظمة في المنطقة أن تضع التشريعات المناسبة التي تضمن توفير الحماية المناسبة لاستخدام البيانات، وتحقيق المزيد من الوضوح للأفراد والشركات ومزودي الحلول بشأن قواعد تخزين واستخدام وتبادل البيانات.

ونظرًا لتسارع التغييرات الذي يشهدها هذا السوق، يمكن للجهات المنظمة أيضًا تأسيس بيئات تجريبية تشريعية (Sandboxes) لمساعدة الحكومات في اختبار التشريعات والنماذج المبتكرة في بيئة تحاكي السوق. كما يساعد هذا المنهج الجهات التنظيمية على مواكبة التغييرات التقنية. وقد قامت دولة سنغافورة بتطبيق منهج البيئات التجريبية التشريعية لاختبار التحديثات المحتملة لقانون حماية البيانات الشخصية بالدولة.

وتلخيصًا لما سبق، سيتعين على حكومات المنطقة دفع القطاع نحوّ مسار النمو السريع من خلال استقطاب مزودي الحلول الدوليين، وتشجيع تبني التقنيات الناشئة، واختبار التشريعات الجديدة لزيادة معدلات استخدام ومشاركة البيانات. وسيتعين على الشركات بدورها أن تتحرك سريعًا لجني الثمار المحققة من هذه البيئة الداعمة، وأن تستغل الإمكانيات التي تنطوي عليها هذه البيانات لتحقيق ميزة تنافسية.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة