اتجاهات متوقعة في عام 2020

الصورة عبر Shutterstock

اقرأ بهذه اللغة

مع كل عام يمر، تتطور البيئة الحاضنة لمشاريع ريادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتتوطّد أقدامها بوصفها ركيزة أساسية لاقتصاد المنطقة وأحد المصادر الرئيسية لفرص العمل. وقد أدت الخطط الحكومية في شتى أنحاء المنطقة إلى رفع مستوى مشاريع ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بوصفها محركات رئيسية لعجلة النمو الاقتصادي، إذ تعكف الحكومات على تخصيص ميزانيات أكبر وإنشاء منظمات داعمة للمساعدة على تنمية هذا القطاع. وشهد العام الماضي افتتاح منصة HUB71 في أبو ظبي، وهي حاضنة أعمال بها صندوق استثمار بقيمة 250 مليون دولار. وشهد أيضاً تخفيف متطلبات حصول رواد الأعمال على تأشيرة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والبحرين التي أطلقت فيها أيضاً شركة أمازون خدمات "أمازون ويب سيرفيسز". ومن المُرجَّح أن نرى هذا العام استمرار الدعم المُقدَّم إلى ريادة الأعمال، لا سيما من القطاع الخاص.

الاستثمارات

كانت صناديق الثروة السيادية في المنطقة مصدراً لبعض من أكبر الاستثمارات. وكان صندوق الاستثمارات العامة بالمملكة العربية السعودية وشركة مبادلة للاستثمار المملوكة لحكومة أبو ظبي في صدارة مُموِّلي الشركات الناشئة القائمة خارج المنطقة. وخلال السنوات القليلة المقبلة، سيزداد تركيز صناديق الثروة السيادية على الشركات الوطنية، وستبدأ في دعم الشركات الناشئة في بيئة الشرق الأوسط الحاضنة. وقد أعلن صندوق الاستثمارات العامة عن وسيلة استثمارية جديدة بقيمة مليار دولار للاستثمار في الشركات الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة الموجودة في المنطقة، وظهر أيضاً في المملكة العربية السعودية العديد من الشركات الجديدة العاملة في مجال التمويل ورؤوس أموال المخاطرة. وشرعت بالفعل شركة مبادلة في الاستثمار على الصعيد المحلي من خلال شراكتها مع منصة Hub71.

ولكن الاستثمار الذي تقوده الحكومات لن يكفي وحده لتحفيز هذا النمو. وسوف تواصل المكاتب العائلية المختصة بإدارة الثروات الخاصة بحثها عن سُبُل للظهور في مشهد الشركات الناشئة. وبفضل تولي جيل من الشباب قيادة هذه الكيانات، أصبحت استراتيجيتها تميل إلى تنويع محفظتها الاستثمارية بعيداً عن الصناعات التقليدية مثل العقارات. وستنظر مكاتب إدارة الثروات العائلية بعين الجدية في ضم شركات ناشئة ابتكارية إلى محفظتها الاستثمارية، مع الاستثمار باستراتيجية أكبر في الصناديق المالية، والاستثمار المباشر في الشركات الناشئة للاستفادة منها في الأعمال التجارية الأساسية للمكاتب العائلية. ومن المرجح أن تأخذ المكاتب العائلية في المملكة العربية السعودية زمام المبادرة، لا سيما بوصفها مستثمرين خيّرين في الشركات الناشئة التي أطلقها رواد أعمال في نطاق شبكتهم الخاصة. ومن هذا المنطلق، سوف تزداد شراسة التكتلات التقليدية المعنية بالبيع بالتجزئة والتجارة في سعيها إلى الرقمنة والابتكار، وسوف تتطلع إلى الاستثمار في شركات تكنولوجية أو إطلاق مبادراتها الخاصة.

تقييم الشركات والاستحواذ عليها

مع استمرار زيادة المخصَّصات المالية المتاحة، سوف تستمر أيضاً زيادة عمليات تقييم الشركات التي حصلت على رأس المال الأولي والتي أكملت جولتها التمويلية الأولى، وربما تكون هذه الزيادة غير مُبرَّرة. فمزيد من الشركات التي لا تزال في مراحلها التمويلية الأولى تتلقى شيكات تزيد قيمتها على مليون دولار دون طرح منتجاتها أو الحصول على قاعدة عملاء، ولكن بعد أن تتجاوز الشركات الناشئة الجولة التمويلية الأولى، سيكون طريقها نحو تحقيق الأرباح أمراً جاداً. فالنمو القائم على إجمالي الإيرادات لن يظل وحده أمراً مقنعاً، بل ستتوجه الأنظار إلى معدل استنفاد الموارد النقدية. وهذا من توابع انهيار شركة "وي ورك"، فلن تكون كاريزما المؤسسين كافية بعد الآن في نظر معظم أصحاب رؤوس أموال المجازفة، بل ستستند القرارات الاستثمارية إلى دراسة أدق للميزانية العمومية للشركة. وعقب الانهيار الوشيك لشركة فتشر، سوف تنخفض تقييمات الشركات العاملة في مجال لوجيستيات المحطة الأخيرة على وجه الخصوص، وسوف يُمعَن النظر في صحة نموذج أعمالها قبل النظر في ادعائها إزاحة الشركات المنافسة.

ورغم أنه من غير المُرجَّح أن نشهد استحواذاً بحجم استحواذ شركة أوبر على شركة كريم البالغ قيمته 3.1 مليار دولار، سوف نشهد عدداً كبيراً من عمليات الاستحواذ نظراً إلى اقتراب أوان قطف ثمار صناديق عام 2015 والبدء في تحضير شركاتها للبيع، مما قد يؤدي إلى بعض الإحباطات الكبيرة. وفي مجال التجارة الإلكترونية على وجه التحديد، سنرى عمليات دمج واستحواذ نظراً إلى استمرار المنافسة بين شركتي أمازون ونون.

مجالات النمو

إلى جانب ذلك، ستحاول الأطراف الفاعلة الصينية والمستثمرون الصينيون في مجال التجارة الإلكترونية ترك أثر أكبر وتعزيز وجودهم في المنطقة، إلى جانب الأطراف الفاعلة في مجالي الإعلام والتكنولوجيا المالية، ومن ثمَّ سيجلبون معهم خبراتهم وابتكاراتهم. وكانت شركة "إم إس إيه كابيتال" أول شركة صينية لرؤوس أموال المجازفة تفتح فرعاً لها في الشرق الأوسط، ومن المحتمل أن يكون لها دور قوي في تقديم محفظتها الخاصة بالشركات الناشئة لأسواق المنطقة وتشجيع مستثمرين من الشرق الأقصى على التركيز أكثر على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبالنسبة للشركات الناشئة التي يتجاوز تطلعها منطقة الشرق الأوسط، سيكون مجال تكنولوجيا الغذاء هو المجال الذي سينهض بالابتكار المحلي. وقد توسعت بالفعل شركة كيتوبي الإماراتية التي تعمل في مجال المطابخ السحابية فأنشأت فروعاً لها في لندن ونيويورك، ولا تزال تظهر شركات ناشئة جديدة ومثيرة في قطاعات المطاعم الافتراضية وخدمات التوصيل إلى المنازل والخدمات الغذائية.

وأما في المستقبل القريب، فستقدم المملكة العربية السعودية ومصر أكثر الشركات الناشئة إثارة، وسوف تواصلان تصدُّر عناوين الصحف من حيث عدد الاستثمارات. وسوف يظهر في مصر على وجه الخصوص مزيد من الشركات الناشئة التي تركز على الشمول المالي، وستواصل مصر تقديم حلول للمشكلات الموجودة في بيئتها الحاضنة، لا سيما في مجال النقل.

وسوف يشهد هذا العام أيضاً الموافقة على دراجات السكوتر الإلكترونية، وسوف يُسمح باستخدامها في المدن الرئيسية في شتى أنحاء المنطقة. وكانت هذه الدراجات في البداية قد أحدثت هياجاً في السوق بدبي في أواخر عام 2018 وأوائل عام 2019، ولكنها سُرعان ما حُظرت لأن هيئة الطرق والمواصلات اعتبرتها غير قانونية. والآن بعد أن وافقت إمارة أبو ظبي على دراجات السكوتر الإلكترونية، من المرجح أن تحذو حذوها المدن الأخرى ذات البنية التحتية المماثلة.

التحديات

لكن في خضم هذا النمو المتزايد، لا يزال يوجد كثيرٌ من التحديات. ويحتاج القطاع المالي إلى إجراء حوار جاد بين الجهات التنظيمية، والبنوك المركزية، والبنوك، والشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا المالية. وبُذلت على مدار العام الماضي جهود في البحرين ومصر والسعودية والإمارات لإنشاء مراكز للتكنولوجيا المالية وبيئة تجريبية ومختبرات تنظيمية، ولكن الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية لا تزال تعاني من عدم وجود مجموعة واحدة من اللوائح التي تسري في جميع الولايات القضائية.

وقد أدى الاضطراب السياسي والاحتجاجات المستمرة في لبنان إلى الانهيار المؤسف لتجربة الشركات التكنولوجية الناشئة في لبنان. فمع الأعطال اليومية في الخدمات اللوجستية وإغلاق البنوك وزوال فرص الحصول على رؤوس الأموال، سوف يسعى المؤسسون اللبنانيون إلى نقل شركاتهم الناشئة إلى أماكن أخرى في المنطقة، أو سوف يناضلون من أجل استمرار شركاتهم في لبنان. وهو مصير مشابه لما ابتُلي به قطاع الشركات الناشئة التي تخطو خطواتها الأولى في العراق، إذ انتقل معظمها إلى أنحاء أكثر أمناً في الشمال بإقليم كردستان.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة