English

ما السبب وراء تأخر منظومة الشركات الناشئة في الكويت؟

English

ما السبب وراء تأخر منظومة الشركات الناشئة في الكويت؟
Image courtesy of Shutterstock

حققت الكويت، في مرحلةٍ معينة، مرتبة الصدارة في مجال الشركات الناشئة على مستوى منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، حيث شهدت تأسيس عددٍ من أبرز الشركات وإنجاز أقوى صفقات بيع الأسهم في المنطقة، وفي مقدمتها منصة "طلبات" الشهيرة لتوصيل الطعام، والتي استحوذت عليها شركة "دليفري هيرو" مقابل 170 مليون دولار. وقد حظي مؤسسو الشركات في الكويت حينها بدعمٍ حكوميّ ملحوظ مع وفرة في رأس المال والكفاءات البشرية، ولكنّ منظومة الشركات الناشئة في البلاد أخذت تتراجع في السنوات القليلة الماضية، متأخرةً عن نظيراتها المزدهرة في دول الجوار.

وحقق مشهد التكنولوجيا والشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحولاً نوعياً بعد أزمة كوفيد-19 عام 2020، كما تدفقت استثمارات رأس المال المغامر بشكلٍ متزايد في مختلف أنحاء المنطقة. ومع ذلك، لم تحظ الكويت بالنصيب نفسه من النمو بعد الأزمة الصحية، حيث جمعت الشركات الناشئة في المنطقة نحو 3 مليار دولار عام 2022، إلا أن حصة الكويت منها بلغت 25.7 مليون دولار فقط، بالمقارنة مع حصتها البالغة 41.7 مليون دولار عام 2021. وأما الشركات الناشئة في قطر والبحرين فجمعت 36.7 و124.7 مليون دولار على التوالي العام الماضي. وتبلغ حصة الشركات الناشئة الكويتية من التمويل هذا العام، حتى الآن، أكثر بقليل من 5 مليون دولار، بالمقارنة مع 13 و14 مليون دولار لنظيراتها في البحرين وقطر على التوالي.

محدودية رأس المال

لا يزال الاقتصاد الكويتي معتمداً بشكلٍ كبير على الصادرات النفطية، ولهذا جاء التنويع الاقتصادي ضمن أبرز الأهداف الحكومية في عهد أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، الذي أطلق الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة برأسمال 2 مليار دينار كويتي (6.5 مليار دولار). ويعتبر الصندوق الوطني والبنك الصناعي الكويتي المؤسستين الحكوميتين الوحيدتين اللتين تمنحان القروض لتمويل الشركات الناشئة. ويتولى الصندوق الوطني تمويل نحو 80% من متطلبات المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ويقدم تمويلاً يصل حتى 500 ألف دينار كويتي (1.6 مليون دولار) للشركات التي يقودها مواطنون كويتيون وتضم بين 1 و50 موظفاً كويتياً.

وتوضّح بتول خُريبيت، مؤسسة منصة "تدلل" للتجارة الإلكترونية بتمويلٍ من الصندوق الوطني الكويتي، أن طلب التمويل من الصندوق يستلزم تقديم 20% من أسهم الشركة الناشئة كضمان مصرفي حتى سداد القرض.

وقالت بهذا الصدد: "تعتبر إدارة شركة تحت هذه الشروط أمراً مرهقاً، حيث تفرض عليَّ بذل 200% من طاقتي لضمان نجاح شركتي ونموها، ولسداد القرض في الوقت نفسه". وبيّنت أن البديل لذلك هو الاستعانة بشركات رأس المال المغامر الموجودة في البلاد، والتي يصعب فهم استراتيجياتها في التمويل.

وأوضحت بقولها: "تعتمد شركات رأس المال المغامر في قراراتها التمويلية على عمر الشركة الناشئة في السوق؛ فإن تجاوز عمرها 10 سنواتٍ، درسوا إمكانية منحها التمويل. كما يرغبون بالحفاظ على نسبة نجاح 100% في الشركات التي يدعمونها".

ويكشف أحد مؤسسي الشركات في مجال التكنولوجيا المالية، والذي لم يرغب بالإفصاح عن اسمه، أن المستثمرين الذين يبحثون عن صفقاتٍ ممتازة لبيع الأسهم لا ينجذبون كثيراً لتمويل الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة.

ويضيف قائلاً: "يشكّل تأمين رأس المال مهمةً صعبة أمام مختلف الشركات الناشئة في جميع أنحاء العالم، لا سيما في مراحلها المبكرة. وتتطلب هذه العملية الحصول على التمويل من مصادر متعددة من خلال إقناع المستثمرين الملاك والشركات والعائلات كلٌّ على حدة".

ومن جانبه، أوضح أمين ندوم، المؤسس المشارك لشركة "رُبا"، وهي حل قائم على منهجية اشترِ الآن وادفع لاحقاً في قطاع التعليم، أن العديد من الشركات الناشئة تلجأ إلى الأصدقاء وأفراد العائلة للحصول على التمويل، بدلاً من خوض الإجراءات "المعقدة" التي تفرضها شركات رأس المال المغامر.

ولا تزال محدودية رأس المال تحدياً يواجه مختلف الشركات الناشئة في الكويت، غير أن عبدالله العتيقي، الشريك المؤسس في تطبيق تجارة السيارات "موتري"، يرى أن شركات رأس المال المغامر في الكويت تهتم فقط بالشركات الناشئة التي تستهدف مجالات عمل تناسب توجهاتها.

ويقول: "تتمثّل المنهجية المثالية لاستقطاب التمويل في توفير شيءٍ غير مسبوق، أو ابتكار حلٍّ بسيط ومريح لمشكلة عميقة. وقد يهتم بعض المستثمرين بشركتك الناشئة، وقد لا يهتمون؛ كما قد يكون لبعضهم إخفاقاتٌ سابقة في قطاعات معيّنة، أو أنهم يعملون وفق استراتيجياتٍ خاصة لتنويع محافظهم الاستثمارية".

وتتوفر ثلاثة مصادر رئيسية للتمويل في الكويت، وهي رأس المال الخاص، والسوق العامة، ورأس المال المغامر.

وبهذا الشأن، يقول حسن زينال، الشريك الإداري ومؤسس صندوق التمويل المغامر في الكويت "أرزان" Arzan Venture Capital: "دائماً ما يفضّل المستثمرون الأفراد وضع أموالهم في الأسواق العامة في الكويت، انطلاقاً من شعورهم بالأمان تجاه الاستثمار في الشركات المدرجة في سوق الأسهم الكويتية. ومع ذلك، لا تضم هذه السوق سوى 150 شركةً مدرجة، أي أقل بكثير من الأسواق الأخرى في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي".

ويكشف زينال أن قطاع العقارات يستأثر بالنسبة الغالبة من رأس المال الاستثماري في الكويت، "نظراً لأن قيمة الأراضي دائماً في ارتفاع، وبالتالي تحمل عائداتٍ أكبر ومخاطر أقل للمستثمرين. ويكاد نشاط رأس المال الخاص لا يُلحظ، فالعديد من المكاتب العائلية تمتلك أصولاً قديمة، لكنها إما تتوجه لبيعها أو تواصل العمل على نموها".

كما يؤكد أن مجال رأس المال المغامر لم يصل حتى الآن إلى النشاط المتوقع منه.

ويقول زينال بهذا الشأن: "يستند مجال رأس المال المغامر في قوته على عوامل عديدة، ويتمثل أحدها في القدرة على جمع الأموال، إما من الاستثمارات الحكومية أو المكاتب العائلية والشركات". ويبيّن أن تركيز الحكومة على تمويل رأس المال المغامر من شأنه الارتقاء بمنظومة الشركات الناشئة بأكملها، كما هي الحال في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات.

وفي المقابل، تتركز معظم الاستثمارات الحكومية في شركات رأس المال المغامر الأجنبية، ذلك أنها "توفر فرصاً تجارية أكبر من التي توفرها شركات رأس المال المغامر المحلية أو الإقليمية".

كما يوضح زينال أن المكاتب العائلية في الكويت "لا ترغب بالاستثمار دون معرفة آفاق استثمارها ومخاطره، لذا تلجأ إلى وضع أموالها في فئات الأصول الأخرى التي تحمل آفاقاً واضحة واستقراراً أكبر".

ويرى زينال أيضاً أن الشركات الكويتية لا تقدم الإسهامات المتوقعة منها في الأسواق النامية، فتحرص على تجنب المخاطر من خلال الاستثمار فقط في الشركات الناشئة التي ما تزال في مراحلها المبكرة، بدلاً من أن تصبح مستحوذاً محتملاً على هذه الشركات الناشئة. 

ويقول بهذا الشأن: "لا تميّز [هذه الشركات] بين الشركات الناشئة في المراحل المبكرة وفي مرحلة النمو والاستثمارات الاستراتيجية، مما يجعل نشاطها في الكويت محدوداً".

ضرورة تحديث القوانين والتشريعات

أسفر الاجتياح العراقي للكويت عام 1991 عن تخوف الحكومات الكويتية المتعاقبة من تعديل قوانينها ولوائحها.

فالكويت من الدول الخليجية القليلة التي لا تزال تمنع تملّك الأجانب للشركات والعقارات، كما تفرض على تأسيس الشركات وجود شريك كويتي يمتلك الحصة الأكبر من الشركة. وتحمل عملية إطلاق الشركات في الكويت تحدياتٍ عديدة أيضاً، وقد تستغرق أكثر من شهر في معظم الأوقات.

وبهذا الصدد، يقول رائد أعمال لم يرغب بكشف اسمه: "لا ترغب الحكومة بإتاحة المجال أمام عالمٍ من الفرص والتحديات، ولذلك ما تزال قلقةً جداً حيال أي تعديلات تقوم بها".

ومن جانبه، يرى محمد المطوع، مؤسس منصة التجارة الإلكترونية "بازارز"، أن أحد أكبر تحديات الشركات الناشئة في الكويت يتمثل في افتقارها للمواهب المتخصصة بالتكنولوجيا، والذي يُعزى إلى القيود الحكومية المفروضة على استقدام الكفاءات الأجنبية.

ويقول بهذا الشأن: "يتطلب إصدار تصاريح العمل والوثائق اللازمة للوافدين عمليةً معقدة تستغرق وقتاً طويلاً، لهذا نلجأ إلى التعاقد مع الكفاءات عن بُعد ليعملوا معنا من بلدانهم، مثل مصر والهند. وقد منعت هذه العوائق العديد من الأشخاص عن تحقيق طموحاتهم بإطلاق شركاتهم الخاصة أو الانضمام إلى شركات متخصصة بالتكنولوجيا، ودفعتهم إلى الالتزام بوظائفهم الحكومية الآمنة".

ويبلغ عدد سكان الكويت 1.45 مليون مواطن، ومنهم نحو 17 ألفاً فقط مسجلون بوصفهم رواد أعمال وأصحاب شركات؛ ويكشف المطوع أن معظم هؤلاء يعتمدون على التمويل الذاتي في مشاريعهم.

ويضيف قائلاً: "يفتقر رواد الأعمال الكويتيون إلى البيئة المناسبة للنمو والازدهار، مع غياب الدعم اللازم من البنية التحتية والقوانين. كما يواجه المواطنون تحدياتٍ عديدة في إطلاق شركاتهم الخاصة، مما يدفعهم للبقاء في وظائفهم الحكومية ذات الأجور العالية".

ولا تزال الثقافة الكويتية تشجع على وظائف القطاع العام، الذي يحتضن أكثر من 373,000 مواطناً كويتياً، بالمقارنة مع 76,000 كويتياً يعملون في القطاع الخاص. ويشير زينال إلى الحكومة بوصفها المسبب الرئيسي لهذا التفاوت.

ويقول بهذا الصدد: "بدلاً من تحفيز القطاع الخاص، تتوجه البرلمانات دائماً إلى رفع رواتب الموظفين الحكوميين لتشجيع الشعب على إعادة انتخابها".

إن الكويت من أثرى دول المنطقة، حيث يبلغ الناتج الإجمالي المحلي 106 مليار دولار، ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 32,000 دولار. ومع ذلك ما تزال الكويت متأخرةً عن النمو الذي تشهده دول الجوار في منطقة الخليج، وبعيدةً تماماً عن المنصات العالمية للشركات الناشئة. كما تفتقر الكويت إلى استضافة المنتديات والفعاليات العالمية المتخصصة بالتكنولوجيا، مما يعيق مؤسسي الشركات ورواد الأعمال الكويتيين عن التواصل مع نظرائهم والمستثمرين من باقي أنحاء العالم. وتندر في الكويت أيضاً مسرعات وحاضنات الأعمال. ويرى مؤسس الشركة الذي لم يفصح عن اسمه أنّ تخلّف الكويت عن باقي أسواق الخليج يرجع إلى افتقارها للبنية التحتية اللازمة، وعوائق الإجراءات البيروقراطية، والمنهجية الانعزالية للحكومة، "ولكن هذا ليس إخفاقاً مؤكداً، فرغم أن السوق الكويتية تتقدم بوتيرةٍ بطيئة، إلا أنها تسير في الاتجاه الصحيح".

وما يزال المجتمع الكويتي يحمل آفاقاً مبشرّة رغم التحديات التي تواجهها الشركات الناشئة وشركات رأس المال المغامر.

ويقول ندوم بهذا الصدد: "توفر الكويت بيئة تعلّم صعبة نظراً لأنها سوقٌ صغيرة بالمقارنة مع باقي أسواق الخليج العربي، وبالتالي فإن الشركات الناشئة التي تنجح في الكويت قادرة على النجاح في أي مكانٍ آخر. كما تتمتع السوق المحلية بقوة شرائية عالية وحاجة كبيرة إلى الخدمات الرقمية، فضلاً عن الإمكانات الواسعة غير المستثمرة في المتاجر المحلية".

شكرا

يرجى التحقق من بريدك الالكتروني لتأكيد اشتراكك.