المهملات تزين البيوت في الأردن

اقرأ بهذه اللغة

بدأ الأمر كلّه في أحد أقدم أكشاك بيع الكتب في وسط عمّان، عندما قرّر علاء زيادة العاطل عن العمل بناء أشياء من القمامة في مدينته.

وجد زيادة نفسه مُحبطاً بعد البحث عن العمل دون جدوى، فلم يصلح دبلوم المساحة الذي بحوزته إلّا للحصول على عقد عملٍ في الزرقاء شمال عمّان لمدّة عامٍ لا يعرف بعده إلى أين يذهب.

"لكي تعمل تحتاج إلى الخبرة، ولتكسب الخبرة عليك أن تعمل؛ أمّا أنا فلم يكن لديّ أيٌّ منهما، وسنة واحدة ليست بكافية"، كما يقول زيادة خلال مقابلة له مع "ومضة".

قرّر الشاب أن يُحقّق حلمه في التصميم، فاتفّق مع صديقه ساهر معايطة بائع الكتب، على بناء مُجسّمات مُعاد تدويرها، أي مصنوعة من النفايات، وأن يبيعها في الكشك.

وهكذا بدأ زيادة مشواره، وأوّل قطعةٍ اضطرّته أن يدخل متجر الكنافة المعروف "حبيبة" Habiba لتفقّد سلّة المهملات والبحث فيها عن معالق بلاستيك ليُنظّفّها ويصنع منها مصباحه الأوّل. "الكلّ نظر إليّ وكأنّني غريب الأطوار،" يقول الريادي.

في عام 2014، أسّس زيادة شركته "زيادات للتدوير" Ziadat for Recycling وأنشأ لها صفحةً على "فايسبوك". في ذلك الوقت كان المُصمّم يجمع مواده من الشارع، حيث كان يأخذ أي قطعة ملقاة عند الحاوية وينظّفها ويعيد تصميمها، جامعاً إيّاها مع القطع الأخرى. أمّا الآن، فالشارع لم يعد كافياً ولذلك عمد إلى شراء الموّاد من محلات الخردة.

ويقول زيادة بفخر مُتواضع: "بدأتُ بالعمل على تحقيق حلمي مع فرد سيليكون ثمنه أربعة دنانير، أمّا الآن فلديّ آلة تبلغ قيمتها 1200 دينار. أرى نفسي أكبر، وأنجز. أشعر بأنّني أفعل شيئاً، بأنني أبني".

بالرغم من أنّ زيادة وزبائنه يرون جدوى من النفايات، إلّا أنّ الثقافة العامّة مُنافية للأمر. "لا زالوا يعتقدون أنّني أعمل في الزبالة"، يقول بحسرة.

(أول قطعة لزيادة كانت مصباحاً مصنوعاً من ملاعق البلاستيك. (الصورة لـ علاء زيادة

وفي هذا الصدّد، توضح جيما غرايبيرن، مسؤولة تطوير الأعمال في "مركز ريادة الأعمال" الأردني BDC، أنّ الأعمال البيئية لا تُعتبر خياراً يطمح الرّوّاد إلى خوضه، إذ يعتقدون أنّه مجالٌ مُكلفٌ وغير جذّاب.

أمّا مركز ريادة الأعمال فهو يعمل مع 172 رياديٍّ يسعون إلى إنشاء شركات بيئيّة ضمن مجالات مُختلفة كالطاقة الشمسيّة والهندسة البيئية ومنتجات الطعام المحليّة. وتأتي المبادرة تحت مظلّة مشروع "سويتشميد" Switchmed للتدريب البيئي القائم في دول عدّة، والذي يوّفر للمُشاركين إرشاداً مُكثّفاً حول كيفيّة تحويل أفكارهم إلى شركاتٍ ناجحة.

كم لدينا من النفايات، وماذا يعنينا ذلك؟

بحسب تقرير البنك الدولي لعام 2012، وصل مُعدّل إنتاج الفرد للنفايات الصلبة 1.2كغ/اليوم ومن المُتوّقع أن يرتفع إلى 1.4كغ/يوم بحلول عام 2025.  

ومن بين 15 دولة عربيّة، تُنتج الإمارات المُتحدّة والكويت وقطر الكمّ الأكبر من النفايات، بحيث تتصدّر الإمارات القائمة مع 2.2 كغ/يوم للفرد وهي نسبة تتخطّى دولاً كألمانيا (1.69 كغ/يوم) والسويد (1.25كغ/يوم).

رفوف معاد تدويرها للأفضل من صنع زيادة

عندما لا يتّم معالجة النفايات بالتدوير، أو الحرق المُتطوّر، أو التحويل إلى غاز (تغويز)، نُصبح مُهدّدين أكثر للإصابة بأخطار صحيّة. على سبيل المثال، إذا تُركت النفايات في مكبٍّ عشوائي، ستنطلق منها غازات دفيئة وستتسرّب عصارتها إلى المياه الجوفيّة التي نعتمد عليها في الشرب.

لذلك أصبح تخفيض إنتاجيّة النفايات والتحكّم بمعاجلتها أمراً في غاية الأهميّة.  فبالإضافة إلى دورها الرّادع، تستطيع معالجة النفايات أن توّلد الطاقة، إذ يمكن لثلاثة أطنان من النفايات أن تتحوّل إلى طنٍّ من النفط.

استغلّت بعض الدّول كالسويد هذه القيمة الماديّة للنفايات وبدأت تستثمر فيها عن طريق بيع خدمة استيرادها من دول أخرى. فالسويد تستورد 800 ألف طنّ نفايات سنويّاً وترسل 1% فقط من نفاياتها إلى المكبّات، بينما تُحوّل البقيّة إلى طاقةٍ أو تُعيد تدويرها.

("عمل شاق في ورشة العمل. (الصورة لـ زيادة لصالح صفحة شركته الناشئة على "فايسبوك

كيف يمكن للقطاع الخاص أن يكون شريكاً؟

إنّ مُعالجة النفايات في الأردن لا تزال مجالاً مهملاً تبتعد عنه الاستثمارات، حسبما تقول بثينة أبو روزا، مؤسِّسة "قطوف" Qutoof للتدريب المهني المعنيّ بمُعالجة النفايات.

وخلال مُقابلتها مع "ومضة" توضح أنّه "مع ازدياد أعداد اللّاجئين، وتكاثر المشاكل المُتعلّقة بالنفايات، أصبحت الحكومة بحاجةٍ إلى تدخلٍّ من المُجتمع المدني والقطاع الخاص".

ويعود ذلك إلى أنّ مثل هذا التدخلّ يمكن أن يطرح حلولاً لثلاثة تحديّات رئيسيّة:

أوّلّاً التحدّي المهني، إذ يُمكن للقطاع الخاص أن يُشجّع على العمل في مجال مُعالجة النفايات، إضافة إلى تدريب العمالة المُتواجدة غير المنظمة.

("أضواء مصنوعة من علب التنك. (الصورة لـ زيادة، لصالح صفحة شركته على "فايسبوك

ثانيّاً، التّحدّي اللّوجستي، حيث أنّ القطاع في الأردن بحاجةٍ إلى من يُدير تقنيّات معالجة النفايات، بحسب أبو روزا. فعلى سبيل المثال، يجب تطبيق نظامٍ شمولي معنيّ بإعادة التدوير يُخصّص أدواراً واضحة لكلّ الخطوات اللازمة والجهات ذات الصِّلة.

ثالثاً، على الشركات أن تنشر الوعي عن أهميّة معالجة النفايات.

من جهةٍ ثانية، يقول جوليان تروسير، الشريك المؤسس لمُبادرة "إيرث وارم" Earthworm التي تنوي تحويل إنتاج السماد العضوي باستخدام الديدان vermicomposting إلى مشروعٍ صغيرٍ في فلسطين، إنّه "عندما تندمج إرادة فعل شيءٍ ما مع وجود شركةٍ مستدامةٍ مالياً تعمل على  مبدأ حماية البيئة، يكون الأمر مؤثّراً جداً".

ويضف أنّ "الجانبان يتماشيان بشكلٍ جيّد بالفعل، وليس من الضروريّ أن يتصادما كما هو المُعتقد السائد الذي يُخيّر بين البيئة أو إدارة الأعمال، بين البشر أو الطبيعة؛ نحن لا نؤمن بهذا الفصل".

ولكنّ الشركات الناشئة ليست بعيدة عن العمل في مجال معالجة النفايات، ونذكر منها: "منتجات ن" Nproducts للمنتَجات المعاد تدويرها للأفضل، "وايست" Waste-lb التي تُصنّع أكسسوارات ومفروشاتٍ مصنّعةٍ من الللافتات الإعلانية، و"ريتيرز" Retyres التي تعيد تدوير العجلات، و"ريسايكلوبيكيا"Recyclobekia لإعادة تدوير النفايات الإلكترونية.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة