عربي

التمويل السياسي: هل يهم رواد الأعمال؟

English

التمويل السياسي: هل يهم رواد الأعمال؟

يعتبر التمويل بالنسبة للكثيرين من رواد الأعمال في وطننا العربي العائق الرئيسي أمام تحقيق أحلامهم، فغالبية أصحاب المشاريع والمبادرات المختلفة من الشباب لا يملكون المال الكافي لإطلاق العنان لأفكارهم وتحقيقها وبالتالي فبعضهم يظل في حالة بحث دائم عن مستثمر قادر على تحريك المياه الراكدة والقفز بالمشروع عدة خطوات للأمام.

"جالنا مستثمر الحمد لله" عبارة يرددها بسعادة بالغة من يظن أن الله أكرم عليه بهذه النعمة، وهي بالطبع فرصة رائعة للمضي قدما في المشروع الذي ضحى أصحابه بالكثير من أجله، ولكن هل يهم هنا من هو المستثمر؟ أو من هي الجهة التي تضخ أموالا طائلة في مقابل حصص وأسهم من حلمك؟ هل لديك بعض التحفظات السياسية كرائد أعمال على بعض الاستثمارات، أم أن البيزنس لا وطن له؟

في وطن يئن كثيرا باحثا عن مخرج وأمل لغد أفضل، تزخر مصر بالمبادرات والأفكار والبرامج الداعمة لريادة الأعمال وتشجيع الشباب الذين يقودون الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل 90% من حجم الشركات فى مصر وتعد المحرك الرئيسي للاقتصاد المصري حسب مجموعة بوسطن للاستشارات، لكن بعض هذه البرامج تنقصها الشفافية الكافية والبعض الآخر يثير شكوكا حول ارتباطه بصناع القرار وانتمائه لحزب أو جماعة بعينها تحاول مساعدة قيادة البلاد في تحسين الوضع الاقتصادي.

يبقى فقط أن أؤكد أن الغرض من هذه المقالة هو اثارة الانتباه إلى موضوع أراه هاما لكنه لا يحظى بمناقشة واسعة على المنابر المهتمة بريادة الأعمال، وأرحب كثيرا بأي ردود فعل هدفها اثراء النقاش حول هذا الموضوع، دون أن تكون هذه المقالة معبرة عن "ومضة" بأي شكل، فهي تعبر عن رؤيتي الخاصة.

استثمارات حزبية؟

منذ عدة أشهر، ظهرت مسابقة بادر لريادة الأعمال التي جاءت بشراكة بين مركز "بيت الأعمال" للإستثمار وشركة "حدث" المختصة بتنظيم الفعاليات الريادية والإبتكارية، برأسمال يصل إلى 500 مليون جنيه مصري (أو 74 مليون دولار أميركي). تهدف المسابقة لاستثمار 150 ألف جنيه في كل مشروع فائز، كما تهدف لإنشاء حاضنات تكنولوجية وصناعية وإستثمارية في مختلف أنحاء مصر، بالإضافة إلى مراكز دعم لتقديم الاستشارات والدعم الفني للشركات الجديدة والناشئة.

البرنامج مصري بالكامل أي أنه لا جهة أجنبية داعمة له، لكن بالنظر إلى تشكيلة مجلس المستشارين، نجد ثلاثة من مستشاري رئيس الجمهورية ورئيس وزراء أسبق بالإضافة إلى شخصيات سياسية حزبية وقيادات مجتمعية معروفة بتحالفها أو دعمها للقيادة السياسية للبلاد، مما قد يعطي انطباعا بأن البرنامج مسيس.

وبحسب موقع "بادر"، فإن مهمة مجلس المستشارين تتركز في تقوية علاقة البرنامج بالجهات الحكومية والأكاديمية والقطاع الخاص، تقديم المشورة للمتسابقين واقتراح آليات لتوفير الدعم المادي والتمويل المطلوب لأنشطة بادر المختلفة.

ويقول المهندس محمد عبود، المدير التنفيذي لشركة “حدث”، إن البرنامج بدأ بمبادرة من الشركة وانضم إليها لاحقا "بيت الأعمال"، وأن "بادر" لا تنتمي لحزب سياسي معين، فقد سعى القائمون على البرنامج لإشراك كافة أطياف المجتمع، لكن بعضهم رفض. ويرفض عبود الانضمام لأي حزب، مضيفا أنه يسعى فقط لخلق مناخ يساعد الشركات الناشئة على التوسع والاستمرار، وهو ما يستطيع السياسيون بدورهم المساعدة فيه.

يعبر منطق عبود عن أن مجتمع ريادة الأعمال يجب أن يكون على اتصال وثيق بالحكومة ورجال السياسة، لتعظيم الأثر، وهو أمر يساعد بالتأكيد، لكن طالما قصرت الهيئة الإدارية أو الاستشارية على شخصيات يمكن تصنيفها في قالب واحد، فإنه قد يبدو أن مجموعة بعينها هي التي تتولى زمام الأمور وأن البرنامج "تصنيفي" وليس جامعا لكل الأطياف وهدفه دعم القيادة السياسية للدولة المصرية ومساعدتها في تحقيق نهضتها الاقتصادية.

صندوق أمريكي

في شكل آخر من أشكال الاستثمار المثير للجدل، أعلن في أواخر شهر إبريل/نيسان الماضي، إطلاق صندوق المشاريع المصري الأمريكي American-Egyptian Enterprise Fund برأسمال أولي 60 مليون دولار يزيد إلى الضعف خلال بضعة أشهر ثم يصل إلى 300 مليون دولار خلال ثلاث سنوات، مع توقعات بتجاوزه المليار دولار حال انضمام دول أخرى للصندوق وضخ ملايين الدولارات.

ويفترض بالصندوق، الذي ينوى إطلاقه في تونس أيضا، أن يستثمر أموال وزارة الخزانة الأمريكية بشكل مباشر في مشاريع مصرية في قطاعات الصحة والزراعة واعادة التدوير وغيرها مقابل أسهم، على مدار عشر سنوات، وذلك تحت ادارة مجلس خاص مكون من شخصيات مصرية وأمريكية غير حكومية حتى الآن (يتبقى اختيار شخصية أمريكية ثالثة لعضوية مجلس الإدارة).

تخضع هذه الصناديق في الغالب للمحاسبة من الكونجرس، إلا أنه في الحالة المصرية ما زال التفاوض جاريا كما تقول نهى بكر، المشرفة على قطاع الأمريكتين بوزارة التخطيط والتعاون الدولي.

وبالنظر في تاريخ هذه الصناديق الأمريكية الذي يمتد لأكثر من عقدين من الزمن، نجد أنها ظهرت قبل ذلك في دول أوروبا الشرقية وروسيا ووصل عددها الى عشر صناديق للمشاريع، كان التوجه فيها هو الاستثمار في شركات حققت نجاحا ملموسا بالفعل لتقليل خطر الخسائر، فضلا عن أن هذه الصناديق تخلق نخبة اقتصادية معينة، تحتكر المنفعة لنفسها ولدوائرها، بحسب كتاب "التصادم والتواطؤ: الحالة الغريبة من المساعدات الغربية لأوروبا الشرقية" Collision and Collusion: The Strange Case of Western Aid to Eastern Europe لمؤلفته الأمريكية جانين ويدل. 

التصور العام بأن دولة أجنبية تستثمر أموالا حكومية في مشروعات وطنية طوال عشر سنوات لتخلق نخبة خاصة يتوقع أن تكون لها مكانة متميزة بعد عقد من الزمان، لا يبدو مشجعا، بل لا أبالغ إن قلت أنه مريب، حتى وإن دافع البعض عن الادارة الخاصة للصندوق.. أو كما تقول ماري أوت، مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID "سيعمل الصندوق كأي شركة استثمار خاصة Venture Capital توفر دعما ماليا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن التنبؤ لها بمستقبل واعد". الغريب في الأمر ليس مبادرة أمريكا بانشاء هذا الصندوق، بل موافقة الحكومة المصرية بشكل مبدئي عليه، وإن كانت الاتفاقية لم توقع بعد بين الحكومتين. 

ما رأيك؟ هل المخاوف لا أساس لها أم أن الأمر يستحق الإشارة إليه؟ فلنتناقش في خانة التعليقات.

Thank you

Please check your email to confirm your subscription.