عربي

اقتصاد الانتباه: كيف أعادت الفيديوهات القصيرة تشكيل الإعلام؟

English

اقتصاد الانتباه: كيف أعادت الفيديوهات القصيرة تشكيل الإعلام؟

بقلم: ريم الهوني، الرئيس التنفيذي لشركة Ti22 Films

إذا كان هناك شيء واحد يمكن الجزم به في عالم الإعلام، فهو أن التغيّر هو القاعدة لا الاستثناء.

هذه صناعة نشأت وتطوّرت على وقع التحولات المستمرة، من التطورات التكنولوجية المتلاحقة، إلى تغيّر المزاج الاجتماعي وتبدّل عادات الجمهور، والتحديثات المستمرة في الخوارزميات، وصولًا إلى التسارع اللافت في استخدام الذكاء الاصطناعي. وبعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا من العمل في هذا المجال، بات واضحًا بالنسبة لي أن ما كان ينجح بالأمس قد لا يكون صالحًا اليوم، وغالبًا لن يصمد طويلًا في الغد.

نحن اليوم نعيش في اقتصاد يقوم على الانتباه. ورغم الاحتفاء المتزايد في المنطقة بنمو اقتصاد صُنّاع المحتوى، يظل السؤال الأهم معلّقًا: أين يذهب انتباه الناس فعلًا؟ اليوم الواحد يتكوّن من 1440 دقيقة، وكل دقيقة منها باتت محل تنافس.

وتشير تقديرات Goldman Sachs إلى أن اقتصاد صُنّاع المحتوى في طريقه للنمو من 250 مليار دولار إلى نحو 480 مليار دولار بحلول عام 2027. يتحقق جزء كبير من هذا النمو عبر الفيديوهات القصيرة، واحدًا تلو الآخر.

لم أكن يومًا من هواة التمرير اللانهائي. على العكس، كنت دائمًا أميل إلى المحتوى المُنتَج بعناية، ذلك الذي يحتاج وقتًا وجهدًا وحِرفة سردية واضحة وقصدًا وراءه. لكن في الآونة الأخيرة، وجدت نفسي أنزلق إلى الـ Scrolling، فيديو قصيرًا بعد الآخر. ليس لأنها عابرة، بل لأنها مؤثرة فعلًا. تشدّ الانتباه بسرعة، تلامس الواقع، تقدّم أفكارًا عملية، وتحكي قصصًا تشبه ما نعيشه. وبعد نحو ستين فيديو، أكتشف أن ساعة كاملة قد مضت من دون أن أنتبه.

وليس هذا من فراغ. فبحسب بيانات صادرة عن Marketing Profs، يُكمل نحو 66% من المشاهدين مشاهدة الفيديوهات التي تقل مدتها عن دقيقة واحدة. وفي الوقت نفسه، يقرّر معظم الناس خلال الثواني الثلاث أو الأربع الأولى ما إذا كانوا سيواصلون المشاهدة أم لا. هكذا أصبحت مدة الفيديو عاملًا حاسمًا في التفاعل. فإذا أرسل لي أحدهم فيديو، أول ما أنظر إليه هو طوله: إن كان أقل من دقيقة، أشاهده. وإن تجاوزها، أتردّد.

تأقلمت منصات التواصل الاجتماعي بالكامل مع هذا السلوك. كان TikTok السبّاق، ثم لحقت به Instagram عبر خاصية Reels، فيما يضاعف LinkedIn اليوم استثماره في الفيديو. ومع استمرار ارتفاع استهلاك المحتوى عبر الهواتف، يجد الإعلام التقليدي نفسه أمام سؤال حقيقي: كيف يمكنه أن ينافس على الانتباه في بيئة كهذه؟

أحد الإجابات يتمثل في صعود ما يُعرف بالدراما القصيرة جدًا.

قد يتذكّر بعض القرّاء منصة Quibi، وهي منصة بث للفيديوهات القصيرة أُطلقت خلال فترة جائحة كورونا. كانت مسلسلاتها، التي تتراوح مدة الحلقة الواحدة فيها بين دقيقة ودقيقتين، مبنية على التشويق ونهايات مفتوحة تشجّع على المتابعة المتكررة. ورغم فشل المنصة نفسها، فإن الفكرة لم تفشل. ففي آسيا، شهدت منصات الدراما القصيرة نموًا سريعًا، وبدأنا نرى نماذج مشابهة تظهر تدريجيًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. المنطق هنا بسيط وفعّال: اجذب المشاهدين بحلقات مجانية، ثم ضع المحتوى الكامل خلف اشتراك مدفوع. هكذا يتحوّل التمرير اللانهائي إلى متابعة متسلسلة.

العلامات التجارية بدورها دخلت هذا المجال بقوة. فبدلًا من الحملات المنفصلة قصيرة العمر، باتت كثير من العلامات تنتج سلاسل فيديو قصيرة بشخصيات متكررة وخطوط سرد تتطوّر مع الوقت. هذا النوع من المحتوى يبني ألفة تدريجية مع الجمهور، وغالبًا ما يتفوّق على الإعلانات التقليدية من حيث التفاعل وتحوّل المشاهدين إلى عملاء. لم يختفِ السرد القصصي، بل أصبح أكثر تكثيفًا وأعيد تصميمه ليلائم منصات الفيديو القصير.

فماذا يعني كل ذلك للتلفزيون التقليدي؟

ما زلت أقدّم برنامجًا يوميًا باللغة الإنجليزية على قناة تقليدية، وغالبًا ما يُطرح عليّ السؤال نفسه: هل التلفزيون يحتضر؟ لا أظن ذلك. ما تغيّر ليس وجوده، بل الطريقة التي يصل بها الناس إليه ويتابعونه. برنامجنا نفسه بات يُكتشف أكثر فأكثر عبر مقاطع قصيرة تنتشر على المنصات الاجتماعية، قبل أن يشاهد الجمهور الحلقة الكاملة على الشاشة.

ما يظلّ التلفزيون التقليدي يقدّمه، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هو المصداقية. مجرد القول إن برنامجًا يُعرض على قناة رئيسية ما زال يحمل وزنًا. فهو يؤثر في الانطباع ويفتح أبوابًا ويجذب ضيوفًا وشركاء من مستوى رفيع. وحتى حين يكون الانتشار عبر الإنترنت أوسع، تبقى شرعية البث التلفزيوني ذات قيمة.

ما زال للتلفزيون التقليدي، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ميزة يصعب تجاهلها: المصداقية. فمجرد العرض على قناة كبيرة يمنح البرنامج وزنًا مختلفًا، ويؤثر في الصورة الذهنية، ويفتح أبوابًا جديدة، ويجذب ضيوفًا وشركاء مميّزين. وحتى حين يكون الوصول عبر الإنترنت أوسع، تبقى للتلفزيون مكانته.

وهذا التحوّل بدأ يدفع صنّاع المحتوى والعلامات التجارية إلى رفع مستوى جودة الإنتاج، 

وفي الوقت نفسه، لا تكفّ عادات المشاهدة عن التغيّر. فمع انتشار أجهزة التلفزيون الذكية، لم يعد محتوى المنصات الاجتماعية حبيس الشاشات الصغيرة، بل أصبح يُشاهَد أكثر فأكثر على الشاشات الكبيرة. واليوم، تتمّ أكثر من نصف مشاهدات YouTube عبر التلفزيون. هذا التحوّل بدأ ينعكس على طريقة إنتاج المحتوى، إذ يدفع صنّاع المحتوى والعلامات التجارية إلى رفع مستوى الإنتاج، بعد سنوات هيمنت فيها البساطة والإنتاج منخفض التكلفة.

الخبر الجيد أن الفيديوهات القصيرة لم تعد تتطلب ميزانيات ضخمة أو معدات متخصصة. كاميرات الهواتف الذكية باتت قريبة جدًا من مستوى الكاميرات الاحترافية، وأدوات المونتاج المعتمدة على الذكاء الاصطناعي جعلت الإنتاج متاحًا للجميع. كتابة العناوين وضبط الألوان وإضافة العناصر البصرية، وحتى توليد اللقطات المساندة، لم تعد حكرًا على الاستوديوهات المحترفة. باختصار، الحواجز التي كانت تعيق الدخول إلى هذا المجال تراجعت كثيرًا.

بالنسبة للشركات الناشئة، تبدو هذه اللحظة فرصة مناسبة فعلًا. فالمحتوى الذي يكشف ما يجري خلف الكواليس، أو يلتقط لحظات من تطوير المنتجات ويوميات العمل، غالبًا ما يلقى تفاعلًا أكبر من الرسائل المصقولة بعناية زائدة. في تجربتي، جاءت بعض أعلى نسب التفاعل من مقاطع بسيطة صُوّرت داخل الاستوديو، لحظات لا يراها الناس عادة. فما يبدو صادقًا يصل أسرع من أي تلميع.

ولا يقتصر أثر الفيديو القصير على جذب التفاعل، بل يساعد أيضًا على بناء الثقة بشكل أسرع. عندما أبحث عن ضيوف محتملين لبرنامجي، يكون الفيديو غالبًا أول ما ألتفت إليه؛ أريد أن أرى كيف يتحدّثون، وكيف يقدّمون أنفسهم، وهل هناك إحساس حقيقي بالتواصل. كثير من المستثمرين ينظرون إلى الأمر بالطريقة نفسها. فحين يستطيع شخص ما أن يعبّر عن أفكاره بوضوح وثقة عبر الفيديو، تصبح المسافة أقصر في العروض التقديمية وبناء الشراكات والوصول إلى العملاء. وبالنسبة للمؤسسين، يفتح الفيديو القصير قناة مباشرة مع الجمهور، ويقدّم لمحة مبكرة عن مستوى التفاعل والحضور والاهتمام — وهي مؤشرات يوليها المستثمرون اهتمامًا متزايدًا.

ما لا يفعله الفيديو القصير هو أنه لا يُلغي المحتوى الطويل، بل يمهّد له. المقطع القصير يلفت الانتباه، أما المحتوى الأطول فيمنح مساحة أوسع للفهم والتعمّق. ما زالت البودكاستات والمقابلات والأفلام الوثائقية تُنتَج كما كانت، لكن الناس غالبًا ما تصل إليها اليوم عبر مقطع قصير عابر على منصّة اجتماعية. وأحيانًا يحتاج الأمر إلى أكثر من مشاهدة أو احتكاك قبل أن يقرّر شخص ما أن يمنح ساعة كاملة من وقته لمحتوى أطول.

كبرتُ كعربية مسلمة ليبية نشأت في المملكة المتحدة، ولم يكن الظهور العلني دائمًا أمرًا مريحًا أو مشجَّعًا. فكرة أن أكون وجهًا لعملي كانت تُشعرني بعدم الارتياح. مع الوقت، تغيّر ذلك. بدأت أرى الظهور كخيار واعٍ واستراتيجية. فالتمثيل له أثر، والقصص التي نختار أن نحكيها تؤثر في الطريقة التي يُنظر إلينا بها، وربما توسّع حدود ما يبدو ممكنًا.

الفيديو القصير يغيّر شكل الحكاية في الإعلام، نعم. لكن إن كان هناك درس تعلّمته بعد خمسة وعشرين عامًا، فهو أن البقاء مرتبط بالقدرة على التكيّف. الأدوات ستتبدّل، والمنصات ستتغيّر، والترندات ستمرّ، لكن الجميع سيظل يتنافس على الدقائق نفسها في اليوم. الفرق أن كثيرًا من هذه الدقائق يُحسم اليوم في لحظات قصيرة جدًا.

Thank you

Please check your email to confirm your subscription.