عربي

التكلفة الحقيقية للتقليل من قيمة رأس المال البشري في الخليج

English

التكلفة الحقيقية للتقليل من قيمة رأس المال البشري في الخليج

مقال بقلم ناتاشا هاذرال، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمجموعة TishTash

لا تزال الموارد البشرية في كثير من الشركات تُعامل كوظيفة مساندة، لا كعامل أساسي في الأداء. في اجتماعات الإدارة في دول مجلس التعاون الخليجي، يدور الحديث غالبًا حول الإيرادات وهوامش الربح والتمويل وخطط التوسع. أما الفريق، فيأتي لاحقًا—عندما تُقرر الشركة أنها "استقرت بما يكفي" للاهتمام ببيئة وثقافة العمل.

وهذا الترتيب تحديدًا هو ما يوقع كثيرًا من الشركات في الخطأ!

في منطقة تعاني من نقص في الكفاءات، وفي الوقت نفسه تشهد حركة مستمرة للمواهب، لا يمكن اعتبار بناء الفريق وإدارته أمرًا ثانويًا. بل هو من أهم العوامل التي تحدد قدرة الشركة على النمو والمنافسة والاستمرار.

تكلفة هذا الخطأ لا تظهر بوضوح في الأرقام، لكنها تظهر في بطء التنفيذ، وعدم استقرار جودة العمل، وتوتر العلاقات مع العملاء، والاستنزاف المستمر الناتج عن استبدال الموظفين الذين يغادرون.

وفي القطاعات التي تعمل تحت ضغط، يُنظر إلى التبدّل المستمر في الموظفين كأنه جزء طبيعي من النمو، لكن قليلًا ما تحسب الشركات كلفته الحقيقية—تشغيليًا وماليًا. فاستبدال أصحاب الخبرة مكلف، لكن الخسارة الأكبر هي فقدان الاستمرارية: تغادر المعرفة مع الأشخاص، ويضيع ما تم بناؤه، وتعود الفرق إلى نقطة البداية.

وهذا يعني أن رأس المال البشري ليس مجرد عنصر داخل الشركة، بل هو ما يقوم عليه العمل كله. وقد رأيت ذلك بشكل واضح على مدار أكثر من عشر سنوات في بناء شركة في مجال الاتصالات في الخليج والمملكة المتحدة. فالعمل من دون تمويل خارجي يفرض انضباطًا مختلفًا في كل قرار. فلا مجال كبير للهدر، ولا تسامح مع عدم الاستقرار.

ومن وقت مبكر، كان واضحًا أن أي خطة لن تنجح إذا لم يرغب الأشخاص في البقاء والعمل والتطور داخل الشركة.

هنا غالبًا يُساء فهم فكرة "وضع الإنسان أولًا". فهي لا تعني خفض التوقعات أو تقديم الراحة على حساب النتائج، بل تعني ببساطة أن الأداء يرتبط بشكل مباشر بالظروف التي يعمل فيها الأشخاص. عندما يشعر الموظفون بالأمان الكافي للتحدث قبل تفاقم المشكلات، تُحل الأمور مبكرًا. وعندما يكون حجم العمل واضحًا وممكنًا، يصبح التنفيذ أكثر استقرارًا. وعندما يرى الأفراد مستقبلًا لهم داخل الشركة، يزيد التزامهم بنجاحها. هذه ليست أفكارًا نظرية، بل أمور عملية جدًا تظهر بشكل مباشر في طريقة إنجاز العمل.

وفي الواقع، يتطلب ذلك تغييرًا في طريقة تفكير القادة تجاه فرقهم. فلا يمكن التعامل مع الأشخاص كأنهم أدوار قابلة للاستبدال داخل هيكل تنظيمي. بل هم مسارات مهنية، تتراكم قيمتها مع الوقت—أو تضيع لحظة مغادرتهم. الشركات التي تدرك ذلك تميل إلى الاستثمار في تطوير فرقها من الداخل والاستثمار في التعلم وبناء خبرات متراكمة، بدل الاعتماد المستمر على التوظيف من الخارج. ومع الوقت، تصبح هذه الشركات أكثر استقرارًا وأكثر قدرة على الأداء.

تلعب بيئة العمل دورًا أساسيًا هنا، لكن ليس بالشكل الذي يُعرض عادة.

فهي لا تتعلق بتصميم المكاتب أو المزايا أو الرسائل الداخلية، بل بتجربة العمل اليومية نفسها: كيف يشعر الناس في المواقف الصعبة، وكيف يتم التعامل مع الضغط، وكيف تُشرح القرارات، وهل يُعاملون كأشخاص تُفهم ظروفهم، أم كموارد يُراد تحقيق أقصى استفادة منها.

في الخليج، أصبحت هذه النقاشات أكثر إلحاحًا. فالتوقعات من العمل تتغير، خاصة مع دخول عدد أكبر من النساء إلى سوق العمل واستمرارهن فيه، ومع اهتمام الجيل الأصغر بمرونة العمل ومعناه.

وفي الوقت نفسه، تتنافس الشركات على عدد محدود نسبيًا من الكفاءات. والنتيجة أن جذب الأشخاص المناسبين والاحتفاظ بهم أصبح أصعب، وأن الشركات التي تنجح هي تلك التي تكيّف بيئة عملها مع هذه التغيرات.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك طريقة تعامل الشركات مع السياسات التي تعكس احتياجات حقيقية للموظفين. فعندما قدمنا دعمًا منظمًا لصحة المرأة—يشمل إجازات الدورة الشهرية وانقطاع الطمث والخصوبة—قد يبدو الأمر من منظور تقليدي كتكلفة إضافية. فالمزيد من الإجازات، والمرونة، وتقليل القيود الصارمة قد تُفسَّر بسهولة على أنها نوع من عدم الكفاءة.

لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفًا. شهدت الشركة زيادة ملحوظة في اهتمام المرشحين، ليس فقط بحثًا عن وظيفة، بل عن بيئة عمل تراعي واقعهم. هذا التغيير انعكس على جودة الكفاءات المتقدمة، وساعد أيضًا على الاحتفاظ بالموظفين الحاليين. ما بدا في البداية كتكلفة، تحوّل في الواقع إلى ميزة.

وهنا يصبح الربط بين رأس المال البشري وأداء الشركة واضحًا.

فالفرق المستقرة لا تخلق بيئة عمل أفضل فقط، بل نتائج أفضل أيضًا. فهي تبني علاقات أقوى مع العملاء، وتحافظ على المعرفة داخل الشركة، وتنفذ العمل بدرجة أعلى من الاستقرار. ومع الوقت، ينعكس ذلك في إيرادات أكثر استقرارًا وعلاقات عمل أطول وسمعة أقوى في السوق.

ومع ذلك، لا يعني هذا غياب الانضباط.

فالقيادة التي تضع الإنسان أولًا لا تستغني عن التوقعات الواضحة والمساءلة واتخاذ قرارات صعبة عند الحاجة. ليس كل شخص مناسبًا لكل دور، وليس كل موقف يمكن حله بالمرونة وحدها. الفرق الحقيقي يكمن في طريقة التعامل مع هذه اللحظات: هل تُعالج مبكرًا بوضوح واحترام، أم تُؤجَّل حتى تتحول إلى مشكلة أكبر.

بالنسبة للمؤسسين والمديرين في المنطقة، الفكرة هنا بسيطة لكن كثيرًا ما يتم تجاهلها.

فمع زيادة انتقائية الاستثمار، وهدوء وتيرة النمو، لن تكون الشركات التي تستمر هي الأسرع حركة، بل تلك التي تبني نفسها بشكل أقوى من الداخل.

رأس المال البشري ليس مجرد بند في الميزانية، بل هو البنية التي يقوم عليها العمل كله. والتعامل معه كأمر ثانوي ليس مجرد خطأ في الإدارة، بل خطأ في الرؤية.

Thank you

Please check your email to confirm your subscription.