عربي

ما الذي تكشفه الأزمات عن الشركات الناشئة؟

English

ما الذي تكشفه الأزمات عن الشركات الناشئة؟

مقال بقلم أيمن جمعة، مؤسس شركة Acacia Innovations Technology

عند تأسيس شركة، نادرًا ما يكون الاستعداد للأزمات ضمن الأولويات. فغالبًا ما ينصب تركيز المؤسسين على النمو وجذب العملاء وتعيين الكفاءات وإطلاق المنتجات وجمع التمويلات. وحتى في الشركات الكبيرة والمستقرة، قد لا يبدأ التفكير جديًا في الاستعداد للأزمات إلا بعد وقوع مشكلة بالفعل.

لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى مؤسسي الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فالأزمات والاضطرابات ليست مجرد احتمال بعيد، حيث تعمل الشركات في أسواق تتأثر بالتوترات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية والتغيرات التنظيمية، إلى جانب تغير فرص الحصول على التمويل. وغالبًا ما تدير هذه الشركات في الوقت نفسه فرق عمل وعملاء وموردين موزعين على عدة دول، ما يزيد من حجم التحديات التي تواجهها.

ولهذا، لم تعد القدرة على مواجهة الأزمات مجرد أمر تنظيمي داخل الشركات، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من قدرتها على الاستمرار والعمل في الظروف الصعبة. فالشركات التي تتجاوز الأزمات وتخرج منها في وضع أقوى، هي عادةً تلك التي أعدت فرقها وأنظمتها وآليات اتخاذ القرار فيها مسبقًا، قبل أن تواجه الاختبار الحقيقي.

لماذا يتعثر القادة تحت الضغط؟

قد يبدو من المنطقي أن الخبرة وحدها كافية لتجاوز الأزمات. لكن المشكلة أن معظم المهارات القيادية تتطور في الظروف العادية، وليس في أوقات الأزمات، عندما يضيق الوقت المتاح لاتخاذ القرار وتصبح عواقب القرار الخاطئ أكبر. وهكذا، قد يجد القادة أنفسهم مضطرين إلى الارتجال في الوقت الذي يصبح فيه الارتجال أكثر خطورة.

ووفقًا للمسح العالمي للأزمات الصادر عن PwC، يتوقع 95% من قادة الأعمال أن تواجه شركاتهم أزمة، ومع ذلك، لا يخصص نحو ثلثهم أي موظفين للاستعداد لها. وبينما يعتقد 70% أنهم سيتمكنون من التعافي بشكل جيد بعد الأزمات، فإن نحو الثلث فقط يمتلكون بالفعل المقومات اللازمة لمواجهتها. في المقابل، أفاد أكثر من 40% بأن شركاتهم خرجت من أزمات سابقة في وضع أقوى مما كانت عليه قبلها.

وغالبًا ما يكمن الفارق في مدى الاستعداد المسبق.

ليست كل مشكلة أزمة

الأزمة هي حدث يهدد شيئًا لا تستطيع الشركة تحمل خسارته، سواء كان موظفيها أو أعمالها أو سمعتها أو ثقة عملائها. كما أنها تضيق الوقت المتاح لاتخاذ القرارات، وتضع الشركة أمام ظروف تتجاوز أساليب العمل المعتادة.

فالمشكلة العادية يمكن التعامل معها من خلال الأنظمة والإجراءات القائمة، أما الأزمة فتتجاوز قدرة هذه الأنظمة على التعامل معها. وبالنسبة إلى الشركات الناشئة، قد تأتي الأزمات في صور مختلفة، منها عوامل خارجية مثل التوترات الجيوسياسية أو تراجع الأسواق أو التغيرات التنظيمية، ومشكلات تقنية مثل الهجمات السيبرانية أو تسريب البيانات، ومشكلات في سير العمل تتعلق بالموردين أو المنتجات أو العمليات، إلى جانب الأزمات المتعلقة بالأفراد، مثل فقدان أحد القادة الرئيسيين أو سوء السلوك أو الاحتراق الوظيفي.

وبالنسبة إلى الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعمل في أكثر من دولة، قد تتداخل هذه المخاطر مع بعضها. فقد يؤدي حدث جيوسياسي واحد إلى تعطيل سلاسل التوريد والتأثير في طلب العملاء وتأخير جمع التمويلات في الوقت نفسه. كما قد يدفع تغير تنظيمي في أحد الأسواق الشركة إلى إعادة النظر في طريقة عملها أو خطط توسعها. فالأزمة نادرًا ما تظل محصورة في جانب واحد من أعمال الشركة.

كما تختلف الأزمات في حدتها، ويمكن تصورها كسُلّم من عدة درجات، فالاضطراب يضع النظام تحت الضغط، والحادث يعطل جزءًا منه، أما الأزمة فتهدد النظام بأكمله. وما ينقل الشركة من درجة إلى أخرى ليس حجم الحدث وحده، بل أيضًا مدى ضيق الوقت المتاح لاتخاذ القرارات، وحجم ما تضطر إلى التعامل معه دون استعداد مسبق.

وأيًا كان نوع الأزمة، فإنها تضع الأسس نفسها على المحك: القيادة، واتخاذ القرار، والثقة، والتواصل، والقدرة على التكيف.

وخلال 21 عامًا من العمل في مجال العمليات الخاصة، لم تكن الأزمات أمرًا استثنائيًا، بل كانت جزءًا من طبيعة العمل نفسه. وقد تعلمت خلال هذه السنوات ثلاثة أمور:

  • عندما تقع الأزمة، فإن استعدادك المسبق هو ما يحدد قدرتك على التعامل معها.
  • الثقة تُبنى قبل الأزمات، لا أثناءها.
  • مراجعة ما حدث بعد انتهاء الأزمة واستخلاص الدروس منه هي ما يساعدنا على التعلم والتطور.

وأستخدم هنا تشبيهًا بسيطًا: الجميع يرى الشاحنة القادمة، لكن الثعبان الصغير الذي لا تراه هو ما قد يقتلك. أي أن الخطر الأكبر ليس دائمًا ما تراه قادمًا، بل ما يحدث من دون أن تنتبه إليه.

فالهجوم الواضح، مثل هجوم ببرمجيات الفدية (Ransomware) الذي يعطل أجهزة الشركة، يسهل اكتشافه. لكن الأخطر قد يكون هجومًا لا يترك وراءه أي علامة واضحة، كأن تتسرب بيانات الدخول الخاصة بأحد الموظفين نتيجة اختراق جهة خارجية تتعامل معها الشركة، ثم يستخدمها مهاجم لاحقًا للدخول إلى أنظمة الشركة ببيانات دخول صحيحة. وفي هذه الحالة، قد لا يظهر أي إنذار، لأن الأمر لا يبدو من الأساس وكأن هجومًا قد وقع.

وفي إحدى الحالات، اكتُشفت بيانات دخول مسربة قبل استخدامها في تنفيذ أي هجوم. وفي البداية، جرى التعامل مع الأمر باعتباره مشكلة تقنية، لكن القرارات الأهم لم تكن تقنية، بل كانت تتعلق بالقيادة وإدارة الموقف: هل ينبغي إلزام جميع الموظفين بإعادة تعيين بيانات الدخول؟ وكيف يجب إبلاغهم بما حدث؟ ومن سيتولى مسؤولية التعامل مع المشكلة؟ وهل نتحرك فورًا أم ننتظر؟

فما يحوّل حادثًا تقنيًا إلى أزمة مؤسسية، أو يمنع تحوله إليها، ليس الجانب التقني وحده، بل القرارات التي تتخذها الإدارة عند اكتشافه.

عندما لا يكون الحدس كافيًا لبناء الثقة

وفي حالة أخرى، كانت إحدى الشركات قد استحوذت مؤخرًا على مشغل شبكة اتصالات متنقلة افتراضية (Mobile Virtual Network Operator)، وقررت الإبقاء على عدد من موظفي الشركة السابقة، اعتمادًا إلى حد كبير على ثقة الإدارة بهم. لكن بعد فترة، ظهرت كمية كبيرة من بيانات الشركة معروضة للبيع على الإنترنت، وكان الاعتقاد في البداية أن مصدر التسريب من خارج الشركة. إلا أن التحقيق كشف أن المسؤول كان أحد موظفيها، ولم يكن من بين الذين غادروا بعد الاستحواذ، بل من بين الموظفين الذين اختارت الإدارة الإبقاء عليهم.

ولم يكن الدرس هنا متعلقًا بالأمن السيبراني وحده، بل بطريقة بناء الثقة داخل الشركات. فالثقة لا يمكن أن تعتمد على الانطباعات الشخصية وحدها، خاصة عند الاستحواذ على شركات أخرى أو التوسع السريع في التوظيف أو إجراء تغييرات داخل المؤسسة، وإنما يجب أن تكون هناك أيضًا ضوابط واضحة وتحديد للمسؤوليات وأنظمة تضمن المساءلة.

وتزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى الشركات الناشئة التي تتوسع بسرعة في المنطقة، إذ قد تنمو فرق العمل عبر أسواق وبيئات عمل مختلفة بوتيرة أسرع من تطور أنظمة الإدارة والحوكمة داخل الشركة. وقد تكشف التكنولوجيا عن المشكلة، لكن جذورها في كثير من الأحيان تكمن في طريقة إدارة الشركة وتنظيمها.

الاستعداد للأزمات لا يتطلب ميزانيات ضخمة

لا تحتاج الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة إلى ميزانيات كبيرة للاستعداد للأزمات، بقدر ما تحتاج إلى اتباع ممارسات أفضل.

ابدأ بوضع خطة من صفحة واحدة. حدد من يتخذ القرار، ومن يتولى التواصل، ومن يجب الاتصال به في حال وقوع أكثر ثلاثة أنواع من الأزمات احتمالًا بالنسبة إلى شركتك. فخطة قصيرة وواضحة يفهمها الجميع أكثر فائدة من وثيقة طويلة لم يقرأها أحد.

وخصص 30 دقيقة كل ثلاثة أشهر لمحاكاة أزمة محتملة. اختر سيناريو واقعيًا، واسأل كيف سيتصرف الفريق خلال الساعة الأولى. ماذا لو تسربت بيانات أكبر عملائك؟ أو توقفت إحدى خدمات الدفع التي تعتمد عليها الشركة؟ أو أدت اضطرابات إقليمية مفاجئة إلى التأثير في أحد أسواقك الرئيسية؟ مناقشة كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف مسبقًا أفضل من افتراض أن الجميع سيعرف تلقائيًا ما يجب فعله عند وقوعها.

واحرص على أن تصبح مراجعة ما حدث واستخلاص الدروس منه جزءًا من ثقافة الشركة. فبعد خسارة صفقة، أو تعثر إطلاق منتج، أو المرور بربع سنة صعب، اسأل عما تعلمه الفريق بدلًا من البحث عمن أخطأ. فاعتياد هذه المراجعة يساعد الفريق على التعامل بصورة أفضل مع الأزمات عندما تصبح المخاطر أكبر.

وللشركات الناشئة ميزة في هذا الجانب أيضًا. فقد تمتلك الشركات الكبيرة موارد أكبر، لكن الشركات الناشئة عادةً ما تكون أقل تعقيدًا من حيث الهيكل الإداري، ما يتيح لمؤسسيها اتخاذ القرارات بسرعة أكبر، وهي ميزة مهمة في الأسواق التي قد تتغير ظروفها بسرعة.

كما أن ثقافة الشركة في هذه المرحلة لا تزال في طور التشكّل، ما يمنح المؤسسين فرصة لوضع أسس أكثر وضوحًا للتواصل والمساءلة واتخاذ القرارات قبل مواجهة أزمات حقيقية تختبرها.

ويواجه مؤسسو الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالفعل أشكالًا مختلفة من الاضطرابات الأقل حدة، سواء بسبب تعثر جولات التمويل أو التغيرات التنظيمية أو مشكلات المنتجات أو فقدان الكفاءات أو تعطل الأعمال في بعض الأسواق الرئيسية. وتمثل كل واحدة من هذه المواقف فرصة لاختبار كيفية تعامل الشركة مع الضغوط، والكشف عن جوانب الضعف التي تحتاج إلى معالجة.

فالأزمات لا تبني الفريق، بل تكشف عن الفريق الذي بنيته قبل وقوعها. لذلك، استثمر في استعداد فريقك، وراجع ما حدث بصدق، وتعامل مع الاضطرابات الصغيرة باعتبارها فرصة للتدرب على مواجهة الأزمات الأكبر. وفي منطقة يمكن أن تتغير فيها ظروف العمل سريعًا، فإن القدرة على الصمود في مواجهة الأزمات تعتمد في النهاية على الحفاظ على حسن التقدير واتخاذ قرارات سليمة، حتى عندما تصبح الظروف أقل قابلية للتنبؤ.

Thank you

Please check your email to confirm your subscription.