تحديات وفرص

اقرأ بهذه اللغة

ليست التحديات سوى فرص متخفية. إن حلول تلك التحديات هي ما يخلق الفرص. وبالنسبة للأردن، فإن أكبر تلك التحديات هو خلق بيئة يجري من خلالها تحويل الأفكار الجريئة إلى أعمال وصناعات تدر أرباحاً. وأكثر من ذلك، فمن عساه يحتاج حقاً إلى الثروات الطبيعية عندما تزدهر ريادة الأعمال المحلية لتخلق مشاريع إقليمية ودولية تولد ثروة اقتصادية مستدامة؟

بقلم بلال حجاوي

المرحلة المبكرة

لقد كان كل من البنك العربي، وأرامكس، ومكتوب، وإيكو، وروبيكون، وشو في تي في، وجيران، وآراب أدفايزرز، وفارماسي ون، وإيريس غارد، وإسكادينيا، وكندي سوفت، ومينا آي تيك، وإس تي إس، ودي ون جي، وإيس تارتا، وإكبس، ووطوط، وطلاسم، وخرابيش، وإجازة، والشركة الدولية لتصنيع تكنولوجيا الطاقة “ملينيوم”، وحكمة ومجموعة إدريتيك الدولية، أفكاراً تحولت إلى مشاريع ناجحة خلقها رواد أعمال أردنيون فتركوا أثراً لا يمحى في الأردن والمنطقة. وما تزال بنود هذه القائمة في ازدياد، ولا يزال زخم ريادة الأعمال في بدايته.

عندما أطلقت آي في هولدينغز (IV Holdings) في نيسان 2008، لم تكن الشركة تحصل من رواد الأعمال على أكثر من ثلاثة عروض استثمار في الشهر، بينما تحصل حالياً على عقد يومياً. ويقول إيميل قبيسي، عضو مجلس إدارة شركة أي في هولدينغز: “لقد دخل الأردن مرحلة حاسمة. فشركة الاستثمار الأردنية بأكملها، ملك لشركة استثمارية أكبر حجماً هي شركة تكنولوجييز هولدنغز أكسيليراتور (Accelerator Technologies Holdings).

إن إنشاء شركات ناجحة على الصعيدين المحلي والإقليمي ليس بالأمر الجديد على الأردنيين. ويضيف قبيسي: “سادت لدينا، تاريخياً، ثقافة ريادة الأعمال”. وما تغير حالياً، كما يقول، هو امتلاء قاعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة برواد أعمال مغامرين ورؤوس أموال جديدة.

ازدادت صناديق رؤوس الأموال المغامرة حجماً وعدداً خلال السنوات العشر الأخيرة تقريباً. ولكن التحدي يتمثل في أن ثقافة رؤوس الأموال المغامرة في الأردن ما زالت جديدة. وبينما أبدى الأردنيون استعدادهم للمخاطرة في بناء أعمال في الأردن وفي دول أخرى، فإن جيل ريادة الأعمال كبيرة الحجم ما زال غائباً كما نعلم. ويقول قبيسي: “لدينا القدرة على بناء شركات من مستوى عالمي، ولكن الفرق حالياً يكمن في وجود أرض أكثر خصوبة بقليل لتنمية الأفكار بصورة أسرع”.

وبينما يملك كثير من الأردنيين أفكار أعمال جيدة، فليس ثمة رأسمال كافٍ في السوق لتلبية الطلب الإجمالي المتزايد. وثمة تحدٍ آخر كما يقول قبيسي: "إذا نظرت إلى نمو الإبداع والقوة العاملة، وقارنتهما بنمو رأس المال المتدفق إلى البلد، فسوف تدرك أن ثمة نقصاً في رأس المال في الأردن". بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة الراسخة المدرة للدخل في الأردن (أي الشركات التي يتراوح عدد موظفيها بين 50 و250)، فمن السهل الحصول على رأس مال نمو، بينما يصعب الحصول على التمويل في المراحل المبكرة. إن هذه الحقيقة تحمل شركة هذه آي في هولدينغز على التركيز على الشركات الناشئة وعلى المشاريع في مراحلها المبكرة. إنها تستثمر في مجالات الإنترنت والفضاء التفاعلي: المحتوى، والتكنولوجيا، وخطط إيجاد النقد، أو حركة المرور على الإنترنت.

وكذلك، فإن إمكانات آي في هولدينغز أكبر بكثير من إمكانات شركات الاستثمار التقليدية، فالشركات الأحدث عهداً تملك عادة إمكانية نمو أكبر. ويمكن أن يترجم مشروع مغامر ناجح إلى عائدات غير متوقعة. فشركة مثل مكتوب (Maktoob) التي بدأت العمل قبل عقد من الزمن بميزانية بسيطة جداً، بيعت بعد ذلك إلى ياهو (Yahoo) بأكثر من 150 مليون دولار أمريكي، وفقاً لتقديرات غير رسمية.

وحتى في وجود شركات من قبيل آي في هولدينغز، التي تستثمر في المشاريع التي ما تزال في مراحلها المبكرة، فإن القضية الهامة بالنسبة لرواد الأعمال الشباب والطموحين الداخلين إلى السوق هي الحصول على رأس المال الابتدائي. وما تزال هذه المرحلة مفقودة في النظام المالي، وفي ثقافة ريادة الأعمال في الأردن والمنطقة بصورة كبيرة، كما يقول قبيسي. في دول كالولايات المتحدة، غالباً ما تأتي الدفعة الأولى من التمويل من العائلة والأصدقاء، أو من مستثمرين ملائكة. وللأسف، فقد صفيت مؤخراً شبكة الاستثمار الملائكي الوحيدة في المنطقة التي أطلقت في دبي.

وما تزال آي في هولدينغز تمول فرق ريادة أعمال بدأت بتنظيم نفسها لتطبيق أفكار متميزة معقولة؛ ولكن هذه المنهجية ليست في صميم إستراتيجية الاستثمار لديها. ويركز قبيسي على سقف التمويل الملائكي الذي يقل عن 2.5 مليون دولار أمريكي. إنها تتطلع تحديداً إلى شركات ورواد أعمال وجدوا لأنفسهم فرصة في السوق؛ وحددوا مقدار الفجوة لديهم، ولديهم حل واضح لردم هذه الفجوة. ويقول قبيسي: "إننا، في النهاية، نبحث عن منهجية لحل المشكلة". ولقد وضع قبيسي معادلة لقياس فرصة نجاح أي استثمار يفكر في المشاركة فيه: “إن معادلتي الخاصة بتقييم الأفكار هي: القدرة + الحافز = الإنتاجية”.

وبينما تعتمد الشركات في مراحلها المبكرة بدرجة كبيرة على حماس وتفاني رواد الأعمال، فلا تسعى آي في هولدينغز إلا للحصول على حصة غير مرجحة في الأعمال التي تستثمر فيها. “يجب أن تترك لدى رائد الأعمال إحساساً بالملكية، فمن المهم بالنسبة لنا تمكين رائد الأعمال ليدير أعماله بأكبر مقدار ممكن من الديناميكية. فأنت، في نهاية المطاف، تستثمر في الناس”.

وعندما يتعلق الأمر بالإمكانات، يصبح الأمر أكثر تعقيداً. فكل مشروع يعاني من نقص جزء أو أكثر في هذا المجال. وتقوم آي في هولدينغز، كأي رأسمال مغامر في الأردن، برفع الموارد المتوفرة لإيصال الشركات إلى المستوى التالي. ويضيف قبيسي قائلاً: “قلما تجد شركتين تفتقران إلى عناصر الإمكانات ذاتها، فلدى كل رائد أعمال فجوات تختلف جوهرياً عن البقية”. ويضيف أن هذا أيضاً يتوقف على مدى نضج رائد الأعمال. لقد تعاملت المؤسسة مع رواد أعمال من الجيل الثاني، الذين اشتروا وباعوا كثيراً من المشاريع المغامرة قبل التعامل مع آي في هولدينغز. “وثمة شركات أخرى أكثر قوة على صعيد التخطيط الإستراتيجي، وتعرف جيداً مجال عملها، إلا أنها تفتقر إلى الرؤية المالية”.


الاستثمار في عالم الشركات الصغيرة والمتوسطة

في الشهر الماضي، استحوذت أبراج كابيتال (Abraaj Capital)، أكبر مؤسسة استثمار خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، والتي يقع مقرها في دبي، على مؤسسة ريادة لتنمية المشاريع (Riyada Enterprise Development). إن الشركة مبنية بحيث تستفيد من الاستثمارات في مجال الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تكون عادة شركات أكبر حجماً حققت إنجازات كبيرة على صعيد العائدات.

ويقول خلدون طبازة، رئيس مجلس إدارة ريادة الذي كان ذات يوم رائد أعمال وأصبح فيما بعد رائداً في مجال المشاريع المغامرة في المنطقة، إن الانضمام إلى أبراج يعني إمكانية الوصول إلى صندوق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا الذي يقدر رأسماله بنحو 500 مليون دولار أمريكي، مما يؤمن لها درعاً للاستثمار في مجال الشركات الصغيرة والمتوسطة في منطقة مترامية الأطراف. وسوف يخصص جزء صغير من الصندوق كرأسمال مغامر في الأردن لوحده.

يقول طبازة: “لقد خلق استحواذ ياهو على مكتوب نهاية عام 2009 جواً ملائماً لزيادة الاهتمام بالاستثمار ورؤوس الأموال المغامرة”. ومع تراجع أداء كثير من رؤوس الأموال التي استثمرت في قطاع العقارات في السنوات القليلة الماضية، اتجه المستثمرون حالياً إلى التركيز على القطاعات المنتجة القائمة على الملكية والتكنولوجيا.

ووفقاً لبحث أجرته ريادة، فإن التحدي والفرصة بالنسبة للاقتصادات النامية يكمنان في حقيقة أن 72 بالمئة من القوة العاملة يعملون في الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تساهم بأقل من 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويضيف طبازة: “قارن ذلك مع الاقتصادات المتطورة، التي تشغل فيها المشاريع الصغيرة والمتوسطة حوالي 50 بالمئة من مجموع القوة العاملة، وتساهم بنحو 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وستدرك أن فجوة كبيرة ما تزال موجودة في منطقتنا”. علاوة على ذلك، سيزيد إيجاد الفعالية في الشركات المستحوذ عليها من عائدات الاستثمار. وتدخل أغلب رؤوس الأموال المغامرة إلى الشركات وتعزز مواردها، ومن ثم تخرج عندما تحصل على أرباح كبيرة.

من الواضح عدم إمكانية تمويل عدد كبير من الشركات الصغيرة والمتوسطة في الأردن والمنطقة، لأن أغلبها عبارة عن متاجر صغيرة، أو ببساطة آليات أعمال تقدم لصاحبها مستوى معيشة معقول. وما يهتم به طبازة هو الشركات التي تعمل في قطاعات خلاقة كالتصنيع، والصناعة المعرفية والخدمات المحترفة.

“وما يبعث على الأمل في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة هذا، وجود شركات نامية وجذابة قادرة على زيادة عائداتها من 5 ملايين إلى 100 مليون دولار بمرور الوقت. من الواضح أن ثمة فرصة لزيادة فعالية وقيمة ومساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني. وهي، بالنسبة لنا، فرصة استثمار كبيرة”.

تستطيع ريادة، تحت مظلة أبراج كابيتال، رفع شبكة تضم 150 مهنياً ومنتجات مميزة وخدمات استثمارية متخصصة تلبي احتياجات رواد الأعمال. “نحن محظوظون لإمكانية وصولنا إلى صندوق ضخم كهذا، وإلى قاعدة من الشركات والمستشارين ومدراء ومزودي خدمات في كافة أنحاء المنطقة”. وكانت ريادة، قبل استحواذ أبراج عليها، قد أتمت حوالي 60 ارتباطاً، وهو رقم يزيد بكثير عما حققته شركات مماثلة لها في التصنيف.

لا يساور طبازة شك بأنه سيجد ضالته المنشودة في عالم الشركات الصغيرة والمتوسطة في الأردن. يقول طبازة: “إن الأردنيين، من الناحية التقنية، معولمون وأصحاب كفاءة. فقد غير تعرضهم للعالم من تصوراتهم عن ماهية الفرص، وأصبحوا حالياً يدركون أن باستطاعتهم سد ثغرات إقليمية”.

ولا تهمل ريادة الشركات ذات التواجد المحلي أو الإقليمي الكبير، ومع ذلك، فإنها تفضل الشركات ذات الإمكانيات العالمية. “وسوف يدهشك عدد الشركات ذات الإمكانات في الأسواق الحالية المترابطة. وتمثل هذه الشركات تحدياً وفرصاً أكبر”.

من أجل الوصول إلى هذه الشركات، تتواصل ريادة مع الأسواق الكبيرة، والأسواق التي وصلت إلى نقطة انعطاف وأصبحت في وضع الاستعداد للإقلاع. وتقوم فرق الاستثمار في الشركة بتحديد المشاريع المرشحة قبل أن تبدي استعدادها لشراء حصة؛ ويضعون في حسبانهم القيود على دخول السوق والخبرة والدراية الفنية المتاحة والحقوق الفكرية وإمكانيات الفريق. ويقول طبازة: “يرتكز تفكيرنا وعملنا على ثلاث دعائم: الناس والمنتج والإمكانية، ولكن الأهم من ذلك، أننا ننظر إلى مقدرتنا على إضافة قيمة إلى تلك الشركات”.

حالة الشركة المستحوذ عليها

قد يكون الاستثمار في الشركات التي مازالت في طور النمو مهمة معقدة على أي مدير صندوق. فالمخاطر، بطبيعة الحال، كثيرة دائماً، عندما يكون المردود عالياً. وتعلمت أغلب رؤوس الأموال المغامرة في الأردن على أرض الواقع، أن الأصول المستحوذ عليها تحمل عادة في طياتها صعوبات أكثر مما تراه العين. وتكمن المشكلة أنه مهما كان مقدار الجهد المبذول، فكثير من المشاكل لا تظهر إلى السطح إلا بعد أن تتم عملية الاستحواذ. ورغم ذلك كله، فالثروة الأساسية في أي اتفاق لمشروع مغامر هي الأشخاص العاملين فيه، وهو العنصر المتغير الذي يصعب التنبؤ به. وغالباً ما تحظى الشركات الأكبر حجماً بإدارة أفضل، لأنها تستثمر أكثر في الأنظمة، أي في بناء أنظمة معلومات إدارة مناسبة، وتتبع طرق عمل مؤسسات عالمية.

وعندما تكون الشركات المستهدفة صغيرة ومتوسطة، فليس لدى رؤوس الأموال المغامرة خيار سوى أن تشمر عن ساعديها، وتغوص في العمليات اليومية، كما يقول نشأت مصري مؤسس مجموعة فرسان (Foursan Group) والشريك فيها.

يقول مصري: “من أكبر خيبات أملي أن العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة لا ترغب أبداً في التحول إلى شركات منافسة. فهي لا تستجيب جيداً لحوكمة الشركات، أو لمفهوم الكيان الإقليمي الفريد”.

باعتبارها مديرة صناديق، تتفاعل فرسان ست مرات سنوياً خلال المراحل الأولى لاستثماراتها، وما تزال راغبة في أن تكون معنية بصورة أكبر ببعض استثماراتها. ويضيف مصري: “إن مدى سوء إدارة الشركات الأردنية لرأس المال يسبب الصدمة، ناهيك عن أدائها المتوسط في القضايا ذات الصلة بالعمليات، والإستراتيجية وتطوير الأعمال. إن مهمتنا هي تطويرها”.

وقال مصري مستشهداً بمثال على ذلك، إن بعض الشركات تحصل على قروض متعددة من مصادر مختلفة تستحق للدفع في أوقات مختلفة، ويتطلب كل منها سيولة نقدية مختلفة في أشهر مختلفة. إن النصيحة التي يسدونها لشركة كهذه بسيطة: يفضل أن تقوموا بإصدار سندات لتوحيد وتخفيض كلفة خدمة الدين. ويسوق مصري مثالاً آخر عن شركات تمول كافة أعمالها من خلال الحصص، بدلاً من الاعتماد على الدين لتحرير رأس المال واستخدامه في تطوير وتنمية الأعمال.

عندما تستثمر رؤوس الأموال المغامرة في شركة ما، فإنها ترى إمكانية غير محققة. وفي الأردن، الذي ما يزال ينقصه الإطلاع على ثقافة رؤوس الأموال المغامرة وريادة الأعمال، ينظر إلى منهجية الاستثمار بحصة أقلية كتهديد لأصحاب الشركات. ويضيف: “يسود عادة موقف دفاعي بين كبار مالكي شركة ما ومستثمري الأسهم الخاصة. أجل، قد نبدو عدوانيين نوعاً ما عندما نحاول الضغط لوضع أجندة معينة في هذه الشركات”. وتختار فرسان أحياناً شخصاً محايداً موثوقاً لإدارة الشركة، بهدف تجنب حدوث أية صراعات. “إننا كمستثمرين موضوعيون تماماً، ونرغب في القيام بالشيء الصحيح، لأننا لن نكافئ إلا إذا عملنا جيداً”. ويفسر هذا سبب تفكير فرسان حالياً في تغيير إستراتيجيتها، التي ستشهد استحواذها على حصص أكبر في الشركات.

وتحوم الصناديق أيضاً حول مؤسسات حققت إنجازات كبيرة في السوق الأردنية. واستثمرت فرسان، مثلاً، في شركة المشرق العربي للتأمين (Arab Orient Insurance Company)، الشركة الأردنية الرائعة التي تمكنت من قلب وضعها رأساً على عقب. “كانت شركة التأمين هذه تتمتع بإدارة رائعة، واشترينا أسهماً فيها، ولكن القرض الذي كان يهدف إلى إصلاح أوضاعها، يذهب فعلياً إلى فريق إدارتها، وذلك لتغيير وضع الشركة من إحدى أسوأ الشركات في مجال عملها إلى أفضلها”. لقد خرجت فرسان لاحقاً، لتبيع الشركة إلى شركة تأمين فرنسية عملاقة محققةً هامش ربح يفوق بكثير ما تقدمه السوق الأردنية. وتوضح صفقة شركة التأمين ما تؤمن به رؤوس الأموال المغامرة، وجود طاقة وقيمة خفيتين لدى بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع المغامرة في مراحلها المبكرة، التي تترجم في نهاية المطاف إلى مكاسب كبيرة للمستثمرين والمؤسسين. “كان الفرنسيون يتطلعون إلى شراء شركة أردنية ذات ميزانية عمومية نظيفة، وطرق عمل مؤسساتية جيدة، ومصنفة من إحدى وكالات التصنيف؛ شركة تتمتع بشفافية في سجلاتها ودفاترها، ولدى مدراؤها إجابات جاهزة.

يقول مصري: “كانوا مستعدين لدفع أعلى الأسعار لقاء شركة كهذه. وهذا هو الفرق في قيمة رأس المال الذي تملكه الشركات ذات الإدارة الجيدة؛ وهناك العديد من الشركات الأجنبية الكبيرة المهتمة بالتوسع في العالم العربي”.

وما يقوم به فريق فرسان منذ البداية هو الاجتماع مع إدارة الشركة، وتحديد ما يحتاج إلى إصلاح، أو ما تفتقر إليه الهيكلية التشغيلية والإستراتيجية. ويخططون إستراتيجياً وفقاً لصورة، أو علامة تجارية وسماتها المميزة، مسوقين الإستراتيجية والهيكلية المالية. يقول المصري: “لعلك تعتقد بأن الشركة تنفق الأموال على أمور كهذه عندما يكون لديها منتج جيد، ولكن هذا لا يحدث في أغلب الأحيان، ولا يجري عادة تحقيق سوى نصف الطاقة الكامنة لمنتجها”.

باعت فرسان خلال العام الماضي ثلاث شركات، وحصلت على عائد جيد على الاستثمار في المتوسط. ويقول مصري: “حصلنا في إحداها [الشركات المباعة]، على ثلاثة أضعاف ونصف ما دفعناه خلال فترة احتفاظنا بها، التي امتدت ثلاث سنوات. ويتراوح المعدل الداخلي لعائداتنا [العائدات الصافية] حتى الآن في نطاق الأربعينات”.

ولكن فيما يتعلق بالصناديق الخاصة المغلقة، فليس المعدل الداخلي للعائدات هو التقييم الأفضل عند أية نقطة زمنية، ما لم يكن يعكس الأداء الوسطي خلال فترات زمنية طويلة. ويضيف مصري: “الجميع يختار أفضل أرقامه”. فمثلاً إذا قرر صندوق الخروج من أحد استثماراته عندما يتعرض لخسارة، وذلك مباشرة بعد نشر المعدل الداخلي للعائدات، فإن المعدل الداخلي الجديد للعائدات سيتغير. ليس تقييم الصناديق الخاصة المغلقة علماً دقيقاً، لأن الأصول الهامة غير معومة في الأسواق المالية، بينما يمكن بسهولة، وفي أي وقت تحديد القيمة السوقية للأسهم المعومة في الصناديق المشتركة أو العامة. ولا تسمح الإرشادات الخاصة بالصناديق في فرسان لها بالاستثمار بأكثر من 15 بالمئة في أي شركة لوحدها أو أكثر من 30 بالمئة في أي مجال لوحده.

صناديق الصناعات الإستراتيجية

إن فرسان التي يديرها مصري، وريادة إنتربرايز ديفلوبمنت التي يديرها طبازة صناديق عامة، تبحث عن استثمارات في مجالات مختلفة، بينما تختص شركة آي في هولدينغز التي يديرها قبيسي في مجال الإنترنت والفضاء التفاعلي.

يدير أنيس ريماوي صندوق كاتاليست للملكية الخاصة (Catalyst Private Equity fund) الذي يختص في صناعات الطاقة والمياه. ويقول ريماوي، الشريك الإداري ومؤسس كاتاليست للملكية الخاصة: “كان إنشاء صندوق في منطقة جديدة أكثر صعوبة من المتوقع من ناحية جذب اهتمام المستثمرين. وما يدعو إلى الاستغراب أن لدى مؤسسات دولية ذات أهداف تنموية مثل أوبيك ومؤسسة التمويل الدولية (IFC) وغيرها، كما يبدو، اهتمامات أكثر وضوحاً وعمليات متطورة في تقييم فرص كهذه، لأنها ناضجة وشاهدتها تعمل في مناطق أخرى من العالم”.

إن أوبيك ومؤسسة التمويل الدولية مؤسستان دوليتان تقدمان مجموعة كبيرة من القروض للاقتصادات النامية من أجل دعم صناعاتها. وضمن كل من كاتاليست وفرسان الوصول إلى مجمع قروض من أوبيك بقيمة 500 مليون دولار أمريكي، يمنحهما نسبة محددة من الاستثمار الإجمالي الذي يستطيع كل منهما جمعه بشكل خاص.
ويضيف ريماوي: “لقد التزموا بتقديم 30 مليون دولار أمريكي لصندوقنا، ولكننا لم نستطع الاستفادة منه حتى جمعنا 30 مليون دولار على شكل أسهم خاصة. ونادراً ما تقدم البنوك العادية ديوناً بضمان الأسهم في منطقتنا، حتى أن القروض المضمونة بأصول صعبة المنال أيضاً”.

ويهدف صندوق فرسان، الذي يديره مصري ويصل رأسماله حالياً إلى 100 مليون دولار، إلى زيادته ليصل في نهاية المطاف إلى 200 مليون دولار. حتى الآن، وافقت أوبيك لفرسان على قرض بقيمة 50 مليون دولار، ولكن الأخيرة لم تستلمه حتى الآن.

ترغب أوبيك، وفقاً لسياستها، في أن تستثمر الصناديق التي تدعمها في الأردن وبلاد الشام. وطلبت المنظمة مؤخراً من مدراء الصناديق التقدم بطلبات على مجموعة قروض بقيمة 75 مليون دولار، وتقدم 13 صندوقاً بطلبات. وحتى لو كان المتقدمون يملكون أعظم أدمغة على الكوكب، إلا أنهم لن يحصلوا على تمويل من أوبيك حتى يحققوا شروطاً محددة مسبقاً، منها الأفكار الاستثمارية، والمنطقة الجغرافية بالإضافة إلى شروط أخرى.

لقد تبين أن شرط أوبيك الذي يفرض على المقترض أن يجد أولاً مستثمرين خاصين، شرط صعب بالنسبة لريماوي. ويعلق ريماوي: “إن هيكلية الصندوق التقليدي عبارة عن صندوق أسود لم يعتد المستثمرون العرب على الاستثمار فيه. وهذا يعني صندوقاً لديه إستراتيجية وفريق عمل وسلسلة من الاستثمارات المحتملة التي ليس لمستثمري الصندوق سلطة مباشرة عليها”.

يتلقى مستثمرو الصندوق تقارير من مدير الصندوق الذي يتقبل تعليقاتهم، ولكنه لا يسمح بالتدخل في الإستراتيجية. ويقول ريماوي: “إنه مفهوم استثمار غير ناضج في منطقتنا. وعندما تطبق ذلك على الشركات القائمة على المعرفة، التي ما زالت في مراحلها الأولى، ولم تحقق بعد إنجازات كبيرة، فإنك تضع قيداً آخر عند طلب البحث عن مستثمر”. أما القيد الآخر الذي واجهه هو أن صندوقه لا يحظى بمؤسسات ضخمة تدعمه. ويضيف: “لا يستطيع كثير من الصناديق الإقلاع”.

وبينما تنتظر أغلب الصناديق حتى تجمع رأس المال المحدد، فقد باشر كتاليست بالاستثمار عندما وصل رأسماله إلى 8 ملايين دولار من الرأسمال المنشود الذي تبلغ قيمته 100 مليون دولار. يقول ريماوي: “نحن نختلف عن الآخرين. لقد اعتمدنا منهجية الاعتماد على الذات، أي النمو بصورة طبيعية لتحقيق إنجازات بأسرع ما يمكن”.

ويثق ريماوي كثيراً بالإستراتيجية الاستثمارية لكاتاليست في مجالات الطاقة والمياه. ورغم كل شيء، فإستراتيجيته مناسبة تماماً للمنطقة العربية، التي تستورد تقريباً كافة منتجاتها وخدماتها في قطاعات إستراتيجية شديدة الأهمية تؤثر على الأمن الوطني كقطاع الطاقة والمياه. وبرغم تخوف المستثمرين العرب عموماً من الاستثمار في الصناديق، إلا أن حجته مقنعة في أوساط القطاع الذي يعمل فيه صندوق كاتاليست.

يشرح ريماوي: “لقد تحدثنا إلى أكثر من 30 مستثمراً قبل الحصول على موافقة أحدهم. ويكون عادة لدى الذين وافقوا على الاستثمار معنا رؤية مشتركة عن مجال عملنا، إنهم يدركون القيمة الإستراتيجية التي نضيفها إلى قطاعات الطاقة والمياه. ويتفقون معنا على أن بناء معرفة مستدامة في هذه المجال أمر بالغ الأهمية بالنسبة للمنطقة”.

لم يكن من السهل إيجاد شركات مياه وطاقة إقليمية ذات منتجات قيمة. فمعظم الشركات التي تحروا عنها، تقدم تقنية متوسطة وعائدات مؤكدة بالإضافة إلى قاعدة عملاء مستدامة. ويضيف: “لقد تلقينا حتى الآن 240 فرصة، وقمنا بتقليصها إلى 10 بالمئة. ولم يكن المعيار الذي وضعناه ينطبق إلا على 20 بالمئة فقط من الـ 10 بالمئة، وهي تقريباً 2 بالمئة أو أربع شركات”.

كان صندوق كاتاليست ينوي مجرد تقديم توجيهات إستراتيجية مع بعض المدخلات التشغيلية المتوقعة. بصورة مثالية، يستثمر مدير الصندوق الحمل الأقصى من التفاعل في العام أو العامين الأولين من الاستثمار. ويقول ريماوي: “إننا نساهم مساهمة كبيرة في الإدارة، ولدينا أدوار قيادية فعلية. ولم نتوقع، بمعنىً ما، هذا التدخل الكبير، ولكننا كنا سعداء بامتلاكنا للخبرة التي ساعدت على تسريع الشركات وقلبها رأساً على عقب”.

ولقد أثمر تدخلهم الكبير. فقد وقعت الشركة الدولية لتصنيع تكنولوجيا الطاقة “ملينيوم” عقوداً أكبر في المنطقة كلاعب في مجال الطاقة البديلة. لقد وقعت في الشهر الماضي عقداً بعدة ملايين من الدولارات في منطقة الخليج لتنفيذ أكبر محطة لتسخين المياه بالطاقة الشمسية في العالم (17 ميغا واط). ويقول ريماوي: “كان مشروعاً صعب التنفيذ، إلا أن الشركة استطاعت تنفيذه في النهاية”.

إن إمكانية الاستثمار قضية مرتبطة ببيئة السوق. ويشكو كافة المستثمرين تقريباً من عدم التكامل والترابط بين أسواق العالم العربي المختلفة. ويقول مصري: “في نهاية المطاف، فكل ما يحتاجه المستثمرون هو خدمة سوق أكبر”. ويضيف: “لا يستغرق التنقل بين أسواق الولايات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي غير أجزاء من الثانية، بينما نعيش في العالم العربي في 22 بلداً تفصلها الحدود والتأشيرات”. ويشرح أيضاً أن لهذا أثراً سلبياً كبيراً على تنافسية الأسواق على رأس المال، لأن الاستثمارات تفضل الأسواق ذات الجغرافية المتكاملة والضخمة.

يقول طبازة إن أغلب شركات الأسهم الخاصة قد أعدت تقليدياً لإجراء تعاملات كبيرة. ويضيف: “كنت ترى تعاملات بحجم 250 مليون دولار، وقد وصلت المنطقة إلى تعاملات بقيمة 1 مليار دولار. لكن هذا انخفض حالياً. فاللاعبون التقليديون يتجاهلون الفرص الصغيرة، تاركين فجوة تمويل بالنسبة للشركات ذات إمكانات النمو العالية والعائدات الجارية التي تتراوح بين مليون وخمسة ملايين دولار. هذا هو المجال الذي نركز عليه حيث تكون الحاجة إلى التمويل كبيرة”.

ويوافق قبيسي على أن الكرة الآن في ملعب رؤوس الأموال المغامرة. فيقول: “كان تركيز أغلب المستثمرين الإقليميين في سنوات الازدهار خلال العقد الماضي على صفقات الأسهم الخاصة الأكبر، والتي جلبت لهم عائدات استثمار منخفضة. لقد أهملوا بقية مكونات نظام الاستثمار”. وقد يتغير ذلك، كما يعتقد، طالما بقي المستثمرون يبحثون عن عائدات أعلى لرأسمالهم، وكانوا مستعدين للقيام بمخاطرة أكبر.

ويعتقد ريماوي أن المستثمرين العرب أهملوا مسألة التكنولوجيا، ذات الأهمية الإستراتيجية بالنسبة للمنطقة. ويضيف: “أعرف صندوقين فقط ركزا على التكنولوجيا، بينما أخفق البقية في جمع رأسمال الاستثمار المطلوب”.

ومع بدء الصناديق بتقديم جوائز ملموسة، يقول إنه واثق من تأسيس كثير من الصناديق الأخرى في المستقبل. “أنا سعيد بالتقدم الذي أحرزناه، لقد بذلنا جهداً كبيراً، وربما أكبر مما توقعنا، ولكننا نحصد الآن ثمار تلك الجهود”.










اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة