إلى أي مدى يعد ستيف جوبز سوري؟

اقرأ بهذه اللغة

لو نظرنا في ماضي ستيف لوجدنا كيف يرى والده السوري ابنه الموهوب، ودروساً في الحياة يمكن أن تستوحيها سورية المتحضرة.

في الإسبوع المنصرم، فقد العالم "أكثر العرب نجاحاً" حين وافت المنية المؤسس والمدير التنفيذي السابق لشركة آبل، ستيف جوبز، عن عمر يناهز الـ 56 عاماً إثر إصابته بسرطان البنكرياس. أقول عنه "أكثر العرب نجاحاً" لأن قصة تبني ستيف جوبز الفريدة من نوعها اكتسبت شهرة متزايدة عشية وفاته، خاصة وأن والده البيولوجي هو الخريج سوري الأصل عبد الفتاح ’جون’ جندلي، من محافظة حمص. السؤال هو ما مدى تأثير تلك الأصول السورية على مسار حياة ستيف جوبز؟

الجواب هو: ليس كثيراً. لقد اكتشف جندلي الأب، نجل المليونير العصامي الذي كان يملك الكثير من القرى حول مدينة حمص، صلته بولده فقط عندما بلغ ستيف الـ 27 عاماً، ولم يلتقيا قط، بالرغم من أن جندلي اعتاد على إرسال بطاقات تهنئة بأعياد ميلاد ستيف.

بالرغم من أن موروث ستيف العربي كان له الأثر القليل أو المعدوم على حياته، فإن العالم العربي يستطيع الإستفادة من قصة ستيف. ففي الوقت الذي يفخر فيه العرب بموروث ستيف العربي السوري ويقدمون له الشكر على إبتكاراته التقنية التي ساهمت في انطلاقة الربيع العربي، ليس فقط لإنجازاته بل وحتى لمواقفه وعزمه على تطوير نفسه، يجب أن يكون ذلك حافزاً للمنطقة ككل.

عندما تم إرسال ستيف جوبز للتبني من قبل والديه البيولوجيان (والده جندلي وأمه الطالبة الأمريكية جوان كارول شيبل) أصرت أمه أن يتم تعليم ستيف وأن يحصل على شهادة جامعية. والدي ستيف بالتبني بول وكلارا جوبز، واللذان لم يدرسا في الجامعة، وعدا بأن يرسلا ستيف إلى الجامعة، لذلك عندما بلغ ستيف ١٧ من العمر أرسلاه إلى مدينة ريد.

لكن جوبز ترك الجامعة بعد مرور ستة أشهر فقط وذلك لأنه، على حد تغبيره، لم يرى فائدة ترجى من قيامه بصرف مدخرات أبويه لتغطية نفقات دراسته. تحول إلى تأسيس شركة آبل من مرآب والديه وتم طرده بعد ذلك من شركته في عام ١٩٨٥، فقط ليعود إليها بحلول عام ١٩٩٧ ليتسلم منصب الرئيس التنفيذي. عندما استقال في أغسطس من العام الحالي كانت شركة آبل تملك أعلى قيمة سوقية لأي شركة في العالم تطرح أسهمها للتداول العام.

في تناقض صارخ مع مسيرة حياة والده البيولوجي، الذي عمل بشكل متواصل في القطاع الأكاديمي كأستاذ في العلومال سياسية، فإن ستيف انحرف عن المسار المعتاد متبعاً عواطفه مهما كانت التكلفة. إضافة إلى ذلك، فقد نصح الجميع أن يحذو حذوه في خطابه لحفل تخريج دفعة ٢٠٠٥ من طلاب جامعة ستانفورد.

تُوجّه أغلب الجامعات في الوطن العربي  نحو تخريج مهندسين ومحامين وأطباء، وذلك لأن تلك الاختصاصات يتم النظر إليها على أنها الطريق إلى مستقبل ناجح وآمن مالياً. لكن لو ساروا على خطى ستيف جوبز لتجرأ أشخاص أكثر على تحدي التوقعات والتعلم من ما يسمى بـ "مدرسة الحياة". قد لا يكون الأمر سهلاً دائماً -  فقد أمضى ستيف 18 شهراً وهو يفترش الأرض في غرفة صديقه بالجامعة وكانا يجمعان المال ليحصلا على الطعام وذلك بعد أن تركا الدراسة. ومع ذلك كان ستيف يحضر في الدروس التي يستمتع بها كدروس الخط.

تكاد تنعدم الدورات الفنية في العالم العربي وفي الأغلب تعاني قلة التمويل لأن الوالدين غالباً ما يتساءلا عن جدواها وفي هذا خطأ  كبير. بالرغم من أن ستيف اعترف أنه في ذلك الوقت لم يكن لتعلمه الخط أي "أمل في تطبيقه عملياً بأي شكل في حياتي" فإن الدروس التي استقاها من حصص الخط ألهمته لاحقا في التصميم الأنيق لأشكال الحروف والتي تميز بها منتوج الـ ماك، مما رفع المعايير لواجهات استعمال الكمبيوتر لكافة الأنواع وفي كافة التطبيقات.

John Jandaliعندما نأتي إلى السؤال عن نظرة جندلي (في الصورة اليمنی) لتأثير ستيف على الثقافة العربية، فيبدو أن ليس له تصريحات قوية في هذا الجانب. حتى أن جندلي، الذي يعمل الآن مديراً لكازينو في رينو ضمن ولاية نيفادا، نادم على اختياره العيش في أمريكا ويقول بأنه ندم على عدم عودته للعيش في سورية أو لبنان، ولو عاد به الزمن مرة أخرى لما غادر أصلاً. في مقابلة معه أجرتها صحيفة الحياة، يشجع جندلي الشباب العرب بالعودة إلى المنطقة بعد الحصول على الشهادات الجامعية من الخارج لأن هناك الكثير من الفرص في الوطن العربي. "يجب على العقول الجيدة في الوطن العربي أن تبقى في بلدانها، لأنهم يمكن أن يخدموا بلدانهم بوجودهم هناك أكثر مما يستطيعوه بوجودهم هنا (في الولايات المتحدة)".

يعتقد جندلي بأن الأصل العربي لستيف لم يكن له دور في نجاحاته وكذا الحال بالنسبة لنشأته في أمريكا. وأبلغ جندلي الحياة "لو أن ولدي ستيف نشأ وترعرع حاملاً اسماً سورياً لحقق نفس النجاح الذي حققه الآن، فهو يمتلك عقلاً مدهشاً بالرغم من أنه لم يكمل دراسته الجامعية. لذلك أعتقد أنه كان سينجح مهما كانت خلفيته وأصله".

يختلف الكثير من السوريين الشباب الذين تمت مقابلتهم بواسطة وكالة رويترز للأنباء مع هذا الرأي حيث قالوا بأنه لو نشأ ستيف في سورية "لما استطاع أن يحقق أي شيء". وبالفعل فمن الصعب تخيل قدرة النظام الأكاديمي السوري، المحكوم بشكل كبير من الحكومة والذي يركز بشكل كبيرعلى الهندسة والطب، على إفراز صاحب رؤية مستقبلية إبداعية مثل جوبز. إن أحد أقوى الدوافع للإبداع والإبتكار هو التفكير المستقل وهو الشيء الذي تم قمعه بالإسلوب التعليمي التلقيني التقليدي والمتبع في كثير من جامعات المنطقة بوجه عام وفي سورية على وجه الخصوص. لو أن نشأة جوبز كانت في سورية فعلى الأغلب كان قد أجبر على إلى ارتداء الثوب الأكاديمي.

في الحقيقة، فقد كره ستيف التسلط منذ نعومة اظفاره. "في أيام الدراسه، تعرضت لنوع مختلف من التسلط لم أعهده من قبل ولم يعجبني ذلك" هكذا قال ستيف في لقاء مع مؤسسة سميثسونيان. أدت هذه الخصلة التمردية إلى فصله من شركة آبل في الثمانينيات من القرن الماضي، ولكنها أسهمت بنفس القدر في تفرد منتجات الـ آي ماك والآي بود والآي فون والآي باد.

في الوقت الذي تحاول أن تخرج فيه سورية جديدة تتميز بحرية فكر أوسع، يمكن للعالم العربي أن يأخذ الإلهام ليس فقط من التقنية التي ابتكرها ستيف ولكن من نموذج حياته أيضاً. دعونا نشجع لبناء المجتمع الذي يجعل من الممكن بروز المبدعين أمثال جوبز للشهرة بغير اعتبار لصلات عائلية أو درجات أكاديمية بل فقط من خلال شغف مطلق وعمل مجد.

وكما لخص ذلك ببراعة أحد مستخدمي موقع تويتر: إذا كان ستيف جوبز ولد خارج الرباط الزوجي، وتم إرساله للتبني بعد ولادته، وترك الجامعة في شبابه، ومن ثم استطاع تغيير العالم. فما عذرك انت؟.


اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة