هل ستكون المنطقة العربية مهد الابتكار الجوهري في مجال تكنولوجيا الرياح؟

اقرأ بهذه اللغة

يحتاج العالم اليوم إلى حل لإنتاج طاقة نظيفة وغير مكلفة من أجل مواجهة التحديات المتزايدة على صعيد الكهرباء وآثار الاحتباس الحراري. ويتوقع الخبراء أن يرتفع الطلب على الكهرباء بنسبة 50% بحلول2030، مدفوعاً بزيادة التوسّع العمراني في الصين والهند. وفي الوقت نفسه، تقول وكالة الطاقة الدولية ان خفض انبعاثات الكربون بحلول عام 2050 إلى النصف من أجل مكافحة الاحتباس الحراري، سيكلف أكثر من 45 تريليون دولار. ولكن عدم التحرّك سيكون بالطبع أكثر تكلفة.
 
‎هل إنتاج الطاقة من الرياح هو حل تنافسي؟

‎ان طاقة الرياح هي إحدى التقنيات التي يعتمد عليها العالم لتأمين مصدر للطاقة المستدامة وغير الملوِّثة. فالرياح وفيرة ونظيفة بالكامل ومتجددة وعلى عكس احتياطيات الوقود الأحفوري، تتوزع على نطاق واسع في أنحاء القارات الخمس.
 
‎ولكن هناك عدد قليل من العيوب الجدية التي تمنع الرياح من أن تصبح حلاً يمكن اعتماده بشكل تدريجي. فقوانين الفيزياء تحد من نسبة الكهرباء القابلة للاستخدام التي يمكن إنتاجها من التوربينات إلى 30 إلى 40% من الطاقة الأصلية للرياح، والآثار الناتج عن تقطع الرياح تزيد من تقلّب الشبكة (نظراً لمحدودية خيارات تخزين الطاقة)، والرياح العاصفة (معظمها على اليابسة) تزيد من خسارة الطاقة، وغيرها من الآثار الجانبية مثل التلوث السمعي والاهتزاز، والتأثير على الحياة البرية، والتداخل مع الموجات الهوائية، واضطراب الرادارات، وكلها تثير جدلاً عاماً.
 
‎وإحدى تداعيات كل هذه العيوب الجدية، هي أن التقنية الحالية لإنتاج الطاقة من الرياح لا تعتبر قابلة للحياة اقتصادياً من دون حكومي كبير. فبدلاً من الطلب من طاقة الرياح تحدّي قوانين الجاذبية الاقتصادية، نحن بحاجة إلى تكنولوجيا جديدة فعالة وذات كلفة معقولة، تعالج معظم العيوب المذكورة أعلاه. وهنا يأتي دور الابتكار.
 
‎لماذا الابتكار في تكنولوجيا الرياح نادر حتى الآن؟

‎على الرغم من الوعود بإنفاق مليارات الدولار للبحث والتطوير في العقود الأخيرة، لم تتطور تقنية إنتاج الطاقة من الرياح بشكل ملموس ولا تزال تستوحي من نظام طواحين الهواء الذي يبلغ عمره عدة قرون. وفي حين يشيد الخبراء بالتحسينات في حجم الكهرباء التي يتم إنتاجها من الرياح على مدى العقد الماضي (كيلوواط في الساعة)، إلاّ أن هذا يرجع أساساً إلى توسع حجم التوربينات بدلاً من قفزة تكنولوجية حقيقية.
 
‎ولا يزال العالم ينتظر اختاراقات حقيقية كبرى في مجال تكنولوجيا الطاقة الريحية، اختراق يشبه ثورة تكنولوجيا المعلومات في تسعينيات القرن الماضي حين بورك العالم بالعديد من الابتكارات التي قلبت الوضع الراهن. ولكن لم يعد هناك الكثير من الوقت. وهناك ثلاثة أسباب رئيسية على الأقل يمكن أن تشرح لماذا الابتكار في تقنية الرياح كان مخيباً للآمال:
 
‎1 ـ غياب التفكير الجانبي:

‎منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، خلص معظم اللاعبين الرئيسيين في مجال طاقة الرياح بشكل صريح إلى أن توربين الرياح ذي الشفرات الثلاثة هو أفضل تصميم يمكن اعتماده لإنتاج كميات كبيرة من الطاقة. ولكن طالما نحن نستخدم توربين يحول الطاقة الحركية بواسطة آلية الشفرات الدوارة، فلن نكون قادرين على تجاوز مستوى كفاءة نظري بنسبة 59% (هو حد بيتز). وعلى الرغم من السلبيات الخطيرة لتكنولوجيا الشفرات الثلاث (كما هو مبيّن أعلاه)، فإن اللاعبين الكبار في هذا المجال  غير راغبين أو ببساطة غير قادرين على التفكير في اتجاهات أخرى للتغلب على هذه القيود. وهذه الرغبة هي دليل على نفوذ "رأسمالية المناصب" والتي تحمي مصالح أصحاب المناصب (الذين هم في الوقت نفسه من اللاعبين الكبار في هذا المجال) وذلك على حساب من المبدعين.
 
‎2 ـ هيكلية القطاع

‎ان سوق توربينات الرياح هو سوق تحتكره أقلية، فالمنتجون العشرة الكبار لتوربينات الرياح هم جميعاً شركات متعددة الجنسيات ذات أسس راسخة، وتستولي على أكثر من 80% من السوق. وهنا تكمن المشكلة بحسب المحللين أمثال كلايتون كريستنسون الذي يفسر، في بحث بعنوان "قتَلة الابتكار: كيف تدمّر الأدوات المالية قدرتك على القيام بأمور جديدة"، لماذا الشركات الكبرى تفسح حيزاً بسيطاً فقط للابتكار. ويشير إلى أن سوء استخدام عدد من أدوات التقييم المالي (على سبيل المثال: DCF  وNPV وEPS) يميل إلى عدم تشجيع الابتكار الحقيقي من خلال التقليل من شأن عودة حقيقية للابتكار (إلى هذا القطاع) والتركيز على تنمية الأرباح في المدى القريب على حساب تطوير الشركة على المدى الطويل. وهذا لا يعود فقط إلى الهيكلية البيروقراطية، فمن خلال التركيز على الحفاظ على التكنولوجيات الموجودة التي توفر هوامش لائقة بمخاطر أقل، تقتل الشركات الإبداع.
 
‎3 ـ إهمال البحث والتطوير في الآليات.

‎يؤكد العديد من المهندسين بأن الابتكارات في مجال الهندسة الميكانيكية (مثل توربينات الرياح) حصلت بمعدل أبطأ بكثير بالمقارنة مع غيرها من التخصصات. والابتكارات الثلاثين الأولى في السنوات الثلاثين الماضية لا تشمل إنجازات في المجال الميكانيكي، بل ان معظم التركيز كان على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث دورة التطور أسرع، والبنية التحتية أبسط، ولا تتطلب استثمارات كبيرة في النماذج والاختبارات. وبعبارة أخرى، أعاق التطور السريع لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل غير مباشر الابتكار في الهندسة الميكانيكية واحتكر الأضواء بطريقة أو بأخرى. ونحن تجاوزنا العصر المجيد (ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية) حين خصصت ميزانيات عامة ضخمة لدعم البحث والتطوير في البرامج العسكرية، والتي أدت إلى ابتكارات كبرى في المجال الميكانيكي.
 
‎واليوم يحتاج العالم إلى اختراق في مجال تكنولوجيا الرياح التي تنتج طاقة نظيفة ورخيصة ويمكن تخزينها. والشركة أو الدولة التي تخرج بهذه التكنولوجيا سوف تقوم ببساطة بإطلاق ثورة كبرى تعيد رسم أسس الاقتصاد العالمي. يبدو هذا جيداً جداً إلى حد الاستحالة ولكن تاريخ التطور الإنساني علمنا أن لا شيء  بعيد المنال. نحن بحاجة فقط إلى تحدي الحكمة التقليدية وتطوير نظام حاضن للابتكار يكون أكثر جاذبية وزيادة التركيز على التكنولوجيا الواعدة. وكما أظهرت الإحصاءات، فإن غالبية ساحقة من الابتكارات تأتي من أماكن لا نتوقعها لذلك فإن الحلم بأن نرى شيئاً مذهلاً آتياً من دولة نامية ما زال ممكناً. فهل ستظهر بذور الثورة الخضراء المقبلة في تونس ـ الدولة التي أثارت موجة التحرر التي لها رائحة الياسمين في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط؟ انتظروا الإجابة قريباً جداً.
‎ــ
‎حسين العبيّد هو المدير التنفيذي لSaphon Energy, Ltd. ، وهي شركة ناشئة للتكنولوجيا النظيفة تركز على تطوير تقنيات مبتكرة للطاقة المتجددة. وبعد 12 عاماً من العمل في مؤسسات مالية كبرى، قرر حسين وضع حد لمسيرته المصرفية والانطلاق في رحلة المشاريع الصعبة. انتقل مؤخراً إلى تونس لإدارة فريق مندفع من الشباب والبدء في الترويج لأول تكنولوجيا من ابتكار Saphon. وكان حسين مديراً في سيتي بنك ومقره دبي حيث كان مسؤولاً عن إدارة الفريق المحلي للشركة. ولبايد حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من  London Business School، ويمكن التواصل معه على LinkedIn أو Facebook.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة