كيف يمكن للمدن في الشرق الأوسط وشمال افريقيا أن تشجّع الإبداع وتحافظ عليه؟

اقرأ بهذه اللغة

ما الذي يجعل المدينة خلّاقة؟ هناك عدة عوامل. الكثافة السكانية هي أحد هذه العوامل، إذ يقول العالم النفسي جيوفري ويست، إن المدن ذات الكثافة العالية لديها فرصة أكبر للتفاعلات القيّمة والنتائج الخلّاقة. والتنوّع أيضاً عامل مساهم، فالمدن التي تجبرنا على التفاعل مع أشخاص من خلفيّات مختلفة تعرضنا لمروحة واسعة من الآراء العالمية. والمدن الأكثر إبداعاً تميل لأن يكون فيها أعداد كبيرة من الناس الذين يحتكّون ببعضهم البعض ويذهبون باتجاهات غير متوقعة.

ولكن الاحتكاك المديني لوحده ليس كافياً. ويوضح جيمس كونستلر وهو من منتقدي الزحف العمراني أن الأماكن ذات الجودة هي جزء لا يتجزأ من رفاه المجتمع. فالهندسة المعمارية للمدينة والساحات والمقاهي والمدارس وأماكن العمل فيها تلعب دوراً رئيسياً في تحديد مدى إبداع المدينة.

إذاً كيف تبني المدن هيكلية ناجحة؟ عام 2002، كتب منظّر الدراسات الحضريّة ريتشارد فلوريدا مقالاً ثاقباً حول المدن والمناطق في الولايات المتحدة التي كانت قادرة على جذب المواهب المبدعة والاحتفاظ بها.

ويكتب أن "مدناً مثل بوفالو ونيو أورليانز ولويسفيل التي علقت في النماذج القديمة للتنمية الاقتصادية، ناضلت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي لتكون نموذجا من وادي السيليكون من خلال بناء حدائق عامة تضم مكاتب ذات تكنولوجيا متطورة أو دعم الفرق الرياضيّة المحترفة. ولكنها خسرت أفراداً من طبقتها المبدعة وديناميتها الاقتصادية لصالح أماكن مثل أوستن وبوسطن والعاصمة واشنطن وسياتل وهي مدن متسامحة أكثر ومتنوعة ومنفتحة على الإبداع".

لفتني هذا المقطع من المقال لأني أعتقد أننا نواجه أزمة مشابهة جداً في معظم الدول العربيّة اليوم. فأي بيئات ومفردات تنشأ من الأبنية والمؤسسات والشركات والجامعات في العالم العربي؟ وكيف تؤثر على التنمية الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

يعرّف ريتشارد فلوريدا الطبقة المبدعة بأنها "جزء من الطبقة العاملة تشهد نمواً سريعاً وهي على درجة عالية من التعليم وذات أجر عالي وتعتمد عليها أرباح الشركات والنمو الاقتصادي بشكل متزايد". والوظيفة الأساسية لهذه الطبقة هي خلق الأفكار الجيّدة وإنتاج التكنولوجيات المبتكرة وتزويد مجتمعها بالمحتوى المبتكر.

وغياب حرية التعبير هو بالتأكيد أحد الأسباب الرئيسية للموجة الأخيرة من الثورات التي اجتاحت العالم العربي. ونظراً إلى ظهور ومشاركة نشطاء الإعلام الاجتماعي الخبراء في العالم الرقمي والمبدعين والذين كانوا متوارين عن الأنظار، من البديهي أن نفترض أن الطبقة المبدعة أيضاً لم تكن "تتغذى" جيداً من قبل الحكومات.

وأفراد الطبقة المبدعة يتمتعون بنظرة ثاقبة وبجرأة ولديهم أحلام كبيرة. وهم يقومون بـ"مروحة واسعة من الأعمال في مروحة واسعة من القطاعات"، بحسب فلوريدا الذي يعتبر أنهم يبحثون عن فرص ومؤسسات حيث يمكنهم اختبار أمور جديدة واستخدام قدراتهم ومهاراتهم وبناء مهارات جديدة في بيئة منفتحة على الاختلاف. فالأمر يحتاج أكثر بكثير من النوادي الرياضية ومراكز التسوق ودور السينما والمطاعم والحياة الليلية النابضة، للاحتفاظ بالمفكرين والمبدعين الذين يريدون أن يثار اهتمامهم أكثر من أن يحصلوا على الترفيه.

وما يهم فعلاً هو الروح الأصليّة للمدينة وهندستها المعماريّة التي تنبض بالحياة وسهولة النفاذ إلى كل شيء فيها وروحها المرحبة وجدرانها التي تعلوها النفحة الفنيّة ومكتباتها التي تفيض معرفة واستوديوهاتها ومهرجانات الشارع والمسارح التي يرتفع فيها التصفيق ودور الأوبرا بنقاشاتها المتنوعة، وجميع الأشياء الصغيرة التي تشكّل روح المدينة. فكبار المبدعين لا يريدون فقط أن يعيشوا، بل يريدون أن يعيشوا حياة قيّمة  ومتنوعة وأن يختبروا العالم بالغنى الثقافي والفكري الذي يشكلّه.

وعلى حد قول فلوريدا "إنهم يفضلون إعادة الخلق النشيط والتشاركي على الأشكال الجامدة المؤسسية. وهم يفضلون الثقافة الأصلية، ثقافة الشارع - مزيج من المقاهي المزدحمة وموسيقيي الرصيف وصالات العرض الصغيرة والحانات، حيث من الصعب أن نرسم الخط الفاصل بين الفنانين والمشاهدين. وهم يسعون إلى التحفيز، وليس الهرب. ويريدون أن يحزموا وقتهم بالتجارب الكثيفة ذات الجودة والمتعددة الأبعاد".

فالمدن التي تركّز على البشر بتغذيتهم بالتعدد والحريّة، هي تربة خصبة للإبداع الضروري للحفاظ على النمو.

إن سر الازدهار الاقتصادي في العصر الإبداعي الرقمي يكمن في القدرة على جذب الأفراد المبدعين ولكن أيضاً كما يقول فلوريدا "ترجمة تلك الميزة الكامنة إلى نتائج اقتصادية مبتكرة على شكل أفكار جديدة، وشركات جديدة عالية التكنولوجيا ونمو إقليمي". ويبدأ ذلك عبر تغيير النماذج وتحويل أهداف المؤسسات. وبدلاً من فرض مقاربة عاموديّة من الأعلى إلى الأسفل على التعليم والابتكار والتقدم، على المدن أن تسمح للناس بالمشاركة في عملية التطوير عبر التشجيع والتمكين.

وتلعب المقاهي والمدارس والجامعات والشركات والمساحات العامة المزدحمة والمساحات الخاصة أدواراً أساسية -ومهمّة أيضاً- في تحديد مستوى إبداع المدينة. وعلى المدينة أن تلبّي حاجات مواطنيها وتطلّعاتهم في حياتهم اليومية وتوفير سبل مساعدتهم فرديّاً وجماعيّاً. والسؤال هنا هو كيف نفعل ذلك؟ سنناقش بالتفصيل كل هذه العوامل وبشكل منفصل في مقالات مقبلة.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة