تتصدر كينيا مجال الابتكار الإفريقي

اقرأ بهذه اللغة

يتجمع مئات المستثمرين وأصحاب رأس المال المخاطر والرياديين والتقنيين في قاعات مركز كينياتا الدولي للمؤتمرات في نيروبي للمشاركة في "ديمو إفريقيا" DEMO Africa، وهو معرض فريد من نوعه لمدة يومين يتطرّ إلى أحدث الابتكارات في إفريقيا. 

وستقوم أربعون شركة ناشئة من مختلف أنحاء القارة، تندرج ضمن خمس فئات بما فيها الإلكترونيات الاستهلاكية والتطبيقات على شبكة الإنترنت والتكنولوجيا المتنقلة والوسائط الاجتماعية وعلوم الحياة والطاقة المتجددة، بعرض أفكارها على أمل أن تصبح "المشروع الكبير التالي". أما الشركات الناشئة الكينية فستكون أمامها فرصة فريدة لإثبات جدارتها.

الفعالية هي مبادرة من "لايونز إفريقيا" (LIONS@frica) التي هي جمعية تحرير الابتكار في الدول المؤهلة في إفريقيا وتضمّ شركاء مثل "ديمو" DEMO، و"مايكروسوفت" Microsoft، و"إنفو ديف" InfoDEV، و"نوكيا" Nokia، ووزارة الخارجية الأميركية. وقد حظيت هذه الفعالية بإشادة واسعة ووُصفت بأنها "أول منصة لإطلاق التكنولوجيا الإفريقية". وقد تلقّت الشركات الناشئة التي عُرضت في ""ديمو الولايات المتحدة" DEMO US حيث جذور الفعالية الإفريقية، 3.5 مليار دولار من الرساميل في السنوات الخمسة الماضية. وتأمل الشركات الناشئة الإفريقية الاستفادة من هذه السمعة.

الانطلاقة من "سيليكون سافانا" Silicon Savannah

تردّد سؤال "لماذا إفريقيا" كثيرًا في الآونة الأخيرة. وقد أجيب عنه في عدد لا يحصى من عناوين الصفحات الأولى وخلال حوارات بين المستثمرين، وحوّل أنظار العالم إلى قارة تزدهر رغم تفشّي المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية فيها، بانتظار حلول تكنولوجية مبتكرة. 

وقد أظهر موضوع غلاف مجلة "ذي إيكونوميست" The Economist هذا العام بعنوان "نهوض إفريقيا" (Africa Rising) صورة متعارضة تماماً مع موضوع غلافها في أيار/مايو الذي حمل عنوان "إفريقيا ـ القارة اليائسة"، وساعد في إظهار صورة أكثر دقة وعملية للقارة ومستقبلها.  

لكن السؤال الأهم هنا هو "لماذا نيروبي؟". 

في الواقع فإن 14 شركة ناشئة من أصل الشركات الـ 40 المشاركة في "ديمو إفريقيا" قد جاءت من كينيا، الأمر الذي أعطى "سيليكون سافانا" نصيبها من الاهتمام. وتقوم هذه الشركات الكينية ببناء كل شيء من الأجهزة اللوحية التعليمية إلى خدمة تحديد مواقع الوظائف عبر الرسائل النصية، مروراً بتطبيقات التحقق من الوثائق وصولاً إلى منصات التجارة الإلكترونية، بالإضافة إلى معالجات الدفع بواسطة الهاتف المحمول وأجهزة التعقّب المحمولة.

إنّ هذه الشركات الناشئة المحفّزة اجتماعيًّا والتي لا تزال في مراحلها المبكرة، والأهم التي تركّز على المحمول، تعكس التنوّع في مجال الشركات الناشئة في نيروبي وذلك بفضل وجود 16 مركز ابتكار، ومراكز تكنولوجية، وشركة حاضنة وشركات مسرّعة للنمو في أنحاء المدينة.    

فرصة الهاتف المحمول

يتوّج الهاتف المحمول عرش الابتكار في كينيا وإليكم الأرقام:

ـ 29.7 مليون هو أحدث عدد للمشتركين في الهاتف المحمول في كينيا وهي زيادة بنسبة 17.5% عن العام الماضي حين بلغ عدد المشتركين 25.2 مليون.

ـ 75.4% هي نسبة استعمال المحمول في كينيا حيث تشكّل الاشتراكات المسبقة الدفع 99.1% من المجموع.

ـ 20 مليون دولار هي القيمة التي يتم تحويلها كلّ يوم عبر "أم بيزا" M-Pesa،وهي خدمة تحويل أموال ثورية أطلقت في كينيا عام 2007. 

ـ 82.7% هي نسبة النمو في بيانات المحمول والاشتراكات في الإنترنت خلال عامي 2011 و2012.

(أخذت هذه البيانات من لجنة الاتصالات في كينيا "سي سي كاي").

وما من شكّ أن كينيا هي دولة تتجه أكثر فأكثر نحو استخدام المحمول. وتتجه كافة الأنظار والاستثمارات إلى كيفية الاستفادة من الهاتف النقال و"أم بيزا" والألياف الضوئية السريعة التي تخدم البلاد، وذلك لبناء مشاريع مربحة وتلبية الطلب المتزايد.

ومع ذلك من الصعب معرفة كم أن الفرصة كبيرة، ففي السنوات الخمسة التي انقضت منذ انطلاق "أم بيزا"، لم تستطع أي شركة محمول أخرى أو خدمة مماثلة بلوغ مستوى انتشارها ونجاحها. وفي الواقع، كافحت "أم بيزا" لحقق الأرقام نفسها في باقي أفريقيا. وعلى الرغم من أن الرياديين الطموحين يطلقون الأفكار والشركات كل يوم، غير أن القليل منها قابل للتوسّع.

نظرة انتقادية

وفيما تشتهر كينيا على أنها "سيليكون سافانا"، بدأت تزداد التحديات الداخلية التي تواجهها البيئة الحاضنة للشركات الناشئة الإفريقية.

وفي الواقع، لم تشهد الكثير من المدن الأفريقية ازدهاراً تكنولوجياً مثل نيروبي وباقي العالم والمستثمرين، وقد لا يكون أكيداً من كيفية التعامل مع هذا السيناريو. فما الذي سيكون أكثر فعالية: تقديم مساعدة ومال للتأسيس أم استثمارات هامّة أم رأسمال مخاطر أم مستثمرون تأسيسيون.  

ويشير موقع "ديمو أفريقيا" إلى أنه "يتم في الوقت الراهن تأسيس شركات ناشئة حقيقيّة في إفريقيا، وتطوير حلول تستحقّ الاستثمار والاهتمام العالمي". وهذا صحيح ولكن تسمية هذه الشركات بـ "حقيقية" قد يوحي بأننا نقلل من قيمة الابتكار الإفريقي. فلسبب أو لآخر لا يعتبرها الكثيرون "حقيقية" أو لا يعتبرون أنها تنشئ "حلولاً حقيقية".

والجدير بالذكر أنّ المزيج بين البيئة المفعمة بالتوقعات وبين انعدام الأمان لدى المستثمرين، قد أثر على التصور العام للإبتكار الإفريقي والتفاعل معه. وهذا ما يحصل في نيروبي.     

وفي مقالة سابقة كتبتها لموقع "إيمباكت آي كيو" Impact IQ بعنوان "رسالة من نيروبي: رأس المال المغرور والشركات المغرورة"، سلّطت الضوء على أحد التحديات التي أشار إليها الكثير من اللاعبين هنا: الكثير من الجوائز المالية والأوسمة والهبات تتدفق على عدد قليل جداً من الشركات الجاهزة للاستثمار. 

وعلّق على المقال بول كوكوبو، وهو المدير التنفيذي لمجلس تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الذي قام بإنجازات لافتة في المجال التقني في كينيا ومن بينها إطلاق "مبادرة البيانات المفتوحة في كينيا" والتي جعلت البيانات الحكومية مفتوحة ومجانية أمام الجمهور، وتعليقه أدناه:

"أشعر شخصياً بالسعادة لحقيقة أنه لدينا هذا السيناريو حتى. والقوى الموجودة في السوق ستقوم بالتحقق من الواقع. والأهم من ذلك، لا يمكن لأحد أن يكون خبيراً بالكامل وهذا ما يجعل الشركة الناشئة تخاطر ولهذا السبب يعمل رأس المال المخاطر بالطريقة التي يعمل بها". ويشرح أن البيئة الحاضنة للابتكار هنا لا تزال يافعة وتحتاج إلى وقت للنمو.

التحقّق من الواقع

إنّ "آي هوب" iHub، وهو من أوائل مراكز الابتكار وأكثرها نجاحاً في القارة، وسيقوم هذا الأسبوع بناء على المناقشات حول بيئة نيروبي، باستضافة جلسة نقاش بعنوان"سيليكون سافانا: التحقق من الواقع" لتسهيل إجراء "مناقشة نزيهة جداً" حول مخاطر التوقعات المفرطة. 

ولكن هذه الأحاديث وجلسات النقاش لا تظهر علامة ضعف أو مواقف دفاعية، بل هي علامة على التقدم والتواضع، وهي اعتراف بالمشاكل المتزايدة التي تنتج عن كون إفريقيا محور الابتكار في العالم.  

في الحقيقة إن إفريقيا تقوم بالتأكيد بتطوير التكنولوجيا، منطلقةً من معالجة احتياجاتها الخاصة أولاً، بينما تؤثر ببطء على بقية العالم. وقد وجّه مارك كايجوا، وهو مدوّن بارز في المجال التقني ومتحدث ومستشار في نيروبي، النقاش حول أفريقيا في خطاب رائع في فعالية " re:publica 2012 " في برلين بعنوان "سيليكون سافانا: كيف تقوم التكنولوجيا في أفريقيا في تغيير العالم".

وسيتم خلال "ديمو إفريقيا" عرض الكثير من هذه التكنولوجيات التحويلية من أنحاء إفريقيا، ولكن من الواضح أن كينيا ستكون في مركز الصدارة. ويأمل المرء ألاّ تكون الفعالية ببساطة عرض وسرد حول الابتكارات الإفريقية الجديدة بل صفقة حقيقية لشركات ناشئة جديدة تستعد للانطلاق.     

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة