متى تنطلق منصة عربية للتمويل الذاتي؟

اقرأ بهذه اللغة

وسط عشرات الأفكار التي يثري بها الشباب المشهد الريادي العربي لتنمية وخدمة مجتمعه بأساليب مختلفة، تبقى مسألة التمويل هي التحدي والعائق الأكبر لاستمرارية أي مشروع خاصة وإن احتاج لضخ استثمار ضخم في بداياته. فمن أين يأتي شاب في مقتبل حياته برأسمال مشروع يريد أن يحتفظ لنفسه بإدارته أو لوضع تصور أو نموذج مبدئي فيما يشبه Prototype لإقناع المستثمرين بمشاركته؟

الإجابة عند الولايات المتحدة كانت: عبر العطاء الإجتماعي Social Giving. فالأميركيون يحبون دعم الأفكار الجيدة ويتبرعون لها من مالهم الخاص، ومن هنا ظهر مصطلح التمويل الجماعي Crowdfunding الذي يقوم على استخدام قوة الجماعة في النهوض بمشاريع مختلفة ووضعها على بداية الطريق وتطوير أخرى. واليوم، يعتبر موقع "كيك ستارتر" Kickstarter هو الأشهر بين منابر التمويل الجماعي وإن كان يقتصر نطاقه على المشاريع الأميركية ولا يقبل مشاريع من أيّة دولة أخرى، فلماذا لا يكون لدينا نموذجنا العربي الخاص؟

البعض يقول إن المفهوم بطبعه لن يحقق نجاحا إلا في مجتمعات غنية تقدّر قيمة التبرع والعطاء لمشاريع تكنولوجية وإعلامية وفنية كما تقدر العطاء الخيري لدور الأيتام والمعاقين وخلافه، وهو ما ألمح إليه جيجار مهتا أحد مؤسسي مشروع "18 يوم في مصر" 18DaysInEgypt لتوثيق الثورة المصرية إعلاميا في حديث سابق معي. مهتا وياسمين العياط أطلقا مطلع العام الحالي حملة لتمويل مشروعهما على موقع "كيك ستارتر" وحققت احتياجاتهما، لكن غالبية المانحين لم يكونوا من العرب. في نظر مهتا، ربما تكون هذه الثقافة غريبة عن مجتمعاتنا العربية التي قد لا تشجع الفكرة.

هذا غير صحيح.

ربما يكون المصطلح نفسه غربيا لكن مفهومه ومعناه هو جزء أساسي من ثقافتنا العربية القائمة على العطاء الاجتماعي. إن مصر وحدها رغم غرقها في الديون الداخلية والخارجية التي وصلت اليوم مجتمعة إلى تريليون و300 مليار جنيه مصري (أكثر من 200 مليار دولار)، تبلغ العطاءات الإجتماعية فيها ما يقرب من مليار دولار سنويا حسب دراسة عن العطاء الخيري Philanthropy أجريت في مصر عام 2007، وهي بالأساس عطاءات دينية (زكاة وعشور).

في "وقفية المعادي الأهلية"، تعمل مروة الدالي، مدير مجلس الأمناء، على تحويل الزكاة من عطاء للمحتاج وكفايته في أساسيات المعيشة إلى تطوير الأعمال أو ما يسمى بالعطاء الخيري كرأسمال Venture Capital Philanthropy. ترى الدالي أنه لا يوجد أفضل من أن يشعر الانسان بملكيته الخاصة لفكرة أو مشروع مقتنع بجدواه وأن يشارك في بناءه وتحويله من فكرة إلى واقع معتمدا على ذاته.

لكن السؤال: كيف نحسن توجيه هذه الثروة المجتمعية الهائلة لنؤسس لعطاء إجتماعي واسع الانتشار Viral Philanthropy؟

بينما تشير احصائيات موقع "كيك ستارتر" إلى أنه جمع 350 مليون دولار من 2.5 مليون شخص لتمويل أكثر من 30 ألف مشروع منذ إطلاق الموقع في إبريل\تموز 2009، لم يخرج سوى منبر أفلامنا من الإمارات في يوليو\تموز الماضي ليموّل بالأساس أعمالا فنية من أفلام ووثائقيات.

بالرغم من أن "أفلامنا" يضم أقساما لمشاريع أخرى مثل التكنولوجيا والنشر والألعاب والتصوير والأزياء وغيرهم إلا أن القسم الوحيد النشط هو الخاص بالأفلام. وبالنظر إلى حجم التمويل الذي حققه الموقع حتى الآن للأفلام المعروضة عليه، يظهر أن مجال الأفلام ليس من أولويات المانح العربي، فضلا عن كون الموقع به لمسة غربية في تصميمه ولغته الإنجليزية، قد يعطي ايحاء بالتغريب.

"مصرّين" وهي تعاونية إعلامية بالقاهرة لدعم الإعلام الشعبي والثورة المصرية، أطلقت في نحو منتصف شهر سبتمبر\أيلول الماضي حملة للتمويل الجماعي من موقع "انديجوجو" Indiegogo. تسعى الحملة لجمع 40 ألف دولار تغطي اقامة عروض أفلام وتنظيم ورش عمل وتوثيق للثورة وتوفير مساحة للعمل workspace. بعد نحو ثلاثة أسابيع على إطلاق الحملة، استطاعت "مصرّين" جمع 5 آلاف دولار من 50 ممول منهم 16 على الأقل من العرب والباقين أجانب.

في رأيي أن النموذج العربي في التمويل الجماعي يجب أن يكون تنمويا ونهضويا، لا يعيد اختراع العجلة، بل يواصل من حيث انتهى الآخرون. يشكي الكثيرون من مواقع التمويل الجماعي الكبرى التي ينقصها المتابعة والتأكد من تنفيذ المشروع في التوقيت الذي وعد به أصحابه، كما ذكر تقرير حديث لإذاعة "إن بي آر" الأميركية. وفي بعض الأحيان، يشكو بعض المانحين أو المتبرعين من عدم جدية التنفيذ مطالبين باستعادة أموالهم، وهو نظام لم تدخل فيه هذه المنابر حتى الآن، وإن كان "كيك ستارتر" قد شدد اجراءات قبوله للمشاريع باشتراط أن يذكر المتقدم تحديات ومخاطر تواجهه أثناء العمل لضمان أنه يعمل على التنفيذ.

لكن ماذا لو طبق هذا النظام منبر عربي يعطي الفرصة لمن لديه مشروع نافع وجاد في تنفيذه ويضمن عدم تطفل المستفيدين؟ هذا المنبر يمكن أن يضم بين مستشاريه شخصيات عربية معروفة بخبرتها في مختلف المجالات كالتكنولوجيا والتنمية والإعلام والفن، فيتحول إلى منصة لمشاريع قومية يلتف حولها أبناء البلد بل والعرب على اختلاف جنسياتهم.

يتشابه هذا النموذج في هيكله إلى حد ما مع نموذج المؤسسات المجتمعية Community Foundation التي تعمل على تمكين من يسمى بـ"المحسن الفقير". تقول جيني هودجسون، مديرة الصندوق الدولي للمؤسسات المجتمعية Global Fund for Community Foundations إنه ثمة الكثير من المساعدات المالية التي تتدفق على الجنوب من سكان الشمال طوال عشرات السنين، لكنها تتساءل مستنكرة: "ما نتائج هذه المساعدات؟ ماذا حققت؟ هل هي الطريقة المثلى للتنمية؟ آن الآوان أن يبني الناس مستقبلهم بأيديهم ولا يقفوا منتظرين منح وهبات من الخارج. آن الآوان أن يتملكوا مستقبلهم".

ومن هنا ننطلق!

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة