طريقتان بسيطتان لدعم التعليم في العالم العربي

اقرأ بهذه اللغة

من المسلّمات العامة أن التعليم والتعلّم يشكلان جزءاً لا يتجزأ من التنمية الشخصية والمجتمعية. وفي أعقاب الصحوة العربية، قيل الكثير عن الاستثمارات في التعليم والتعلّم. 

ولكن هناك مسألتان يبدو أنهما غائبتان عن النقاش حول إصلاح التعليم في العالم العربي:

أولاً أننا نبدأ التعلّم في وقت متأخر

وثانياً أننا نتوقف عن التعلّم في وقت مبكر من حياتنا، علماً أن التوقف أصلاً يعتبر مشكلة بغض النظر عن الوقت.

نحن نحتاج إلى الاستثمار في التعليم في وقت مبكر من مرحلة الطفولة والتعلّم مدة الحياة. ولكن لماذا؟

1 ـ تأثير لغة الأهل

لا يحتاج الإصلاح التعليمي أن يبدأ بالضرورة بسياسة وطنية، حيث تبيّن أن تربية الأهل لديها تأثير كبير. وفي مطلع ثمانينات القرن الماضي، قام بيتي هارت وتود آر رايزلي وهما عالما نفس (اختصاصهما الطفولة) في جامعة كنساس، بتجنيد 42 عائلة لديها أطفال حديثي الولادة في مدينة كنساس، من مختلف الخلفيات العرقية والاقتصادية. وجمعا العائلات ضمن ثلاث طبقات حسب مدخولها.  

وفي السنتين التاليتين، أجريا زيارات شهرية لكل عائلة، حيث سجّلا كل كلمة تم النطق بها في كل عائلة. وحين قاما لاحقاً بتحليل التسجيلات لمعرفة معدل اكتساب كل طفل للغة وأسلوب تواصل الأهل في كل عائلة، وجدا أن تطور المفردات اختلف بشكل كبير بين كل طبقة وأخرى وأن الفجوة فتحت باكراً.  

أما أسباب الفجوة فكانت واضحة. ففي سن الثالثة يكون الأطفال الذين يعيشون على الدعم الاجتماعي قد سمعوا 10 ملايين كلمة موجهة إليهم بينما أطفال الأهل من ذوي الاختصاص يكونون سمعوا أكثر من 30 مليون كلمة. 

ويختلف أيضاً نوع الكلمات التي يسمعها الأطفال بين طبقة وأخرى. ففي حين أن كل طفل يسمع عدداً مماثلاً من التعليمات الأساسية والتوجيهات إلاّ أن الأطفال الأكثر فقراً لم يسمعوا أكثر من ذلك بكثير. غير أن أطفال العائلات الثرية معرضون "لملايين الكلمات الإضافية وتلك الكلمات تكون أكثر تنوعاً وغنى".  

وتتجاوز المحادثات في الأسر الثرية التعليمات البسيطة إلى نقاشات حول الماضي وأفكار تجريدية أخرى تحفّز التطور الذهني على عكس الأوامر مثل "ضع ذلك أرضاً" أو "أنه طعامك". وكان هارت ورايزلي قادرين على إثبات وجود ترابط قوي وحاسم بين اللغة التي يسمعها الأطفال في صغرهم ومعدل ذكائهم وقدراتهم لاحقاً في مرحلة الطفولة. 

التعافي من الحرمان

ثمة اعتقاد سائد بأن الناس يتعلمون القراءة في أحضان أهلهم. والسؤال هو ما الذي يحصل إذا لم يتعلّموا القراءة حينها، هل يمكنهم تعلم ذلك لاحقاً في حياتهم؟

في دراسة نشرت عام 2004، وجد جوزيف تورجيسين، وهو باحث في مركز فلوريدا للأبحاث الخاصة بالقراءة أن التدخّل مع الأطفال بين 9 و12 عاماً لم يكن لديه تأثير محدد على الطلاقة، هذا رغم حقيقة أن هؤلاء التلامذة حصلوا على حوالي مائة ساعة من التعليمات الفردية أو التي توجه إلى مجموعة صغيرة.

ويخلص تورجيسين إلى أنه: في نهاية المرحلة الابتدائية، "إذا بلغ الضعف في قدرة الطفل على القراءة مستويات متوسطة أو عالية" فإن تعويض ما فات الطفل سيكون ببساطة مستحيلاً

2 ـ التعلّم لاحقاً في الحياة

على المقلب الآخر، من المهم أن نتذكر بأن حصول المرء على الحظوة في مرحلة مبكرة في حياته عامل مساعد ولكن ليس كافياً أيضاً.

ويلعب التعليم أيضاً دوراً كبيراً في نضالنا لخلق وظائف بعد الصحوة العربية والأزمة المالية الحالية غير أن النقاش حول التعليم يجب أن يذهب أبعد من سياسات تنشيط العمالة على المدى القصير. بل علينا أن نناقش أهمية خلق يد عاملة مرنة.

في نهاية العام 2011، كتب جيف كليفتون، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة "غالوب" (Gallup)، كتاباً بعنوان "حرب الوظائف المقبلة" حيث أشار إلى أنه منذ العام 2005 كان الهم الأول للأفراد عالمياً ما عرّف عنه بأنه "عمل جيد". فبينما يرغب 3 مليارات شخص حول العالم بالحصول على عمل جيد، إلاّ أن 1.2 مليار فقط لديهم مثل هذا العمل.

وأشار تقرير أخير لمجلة "إيكونوميست" بعنوان "مستقبل العمل" أيضاً إلى أن حوالي 33% من أرباب العمل حول العالم قالوا إن لديهم مشاكل في ملء الوظائف الفارغة. ويخلص التقرير إلى أن مشكلة البطالة الحالية هي أكثر من مجرّد نتيجة للأزمة المالية بل أكثر من ذلك هي أيضاً نتيجة تغيير أساسي في الطريقة التي تعمل فيها اقتصاداتنا.

هناك حاجة متنامية للعمال ليواصلوا تحديث مهاراتهم. وستصبح وتيرة التغيير في الاقتصاد "قريباً سريعة جداً إلى درجة أنه قد يكون على الناس اكتساب خبرة جديدة كل بضعة سنوات إذا أرادوا أن يكونوا جزءاً من سوق مربحة للمواهب النادرة وهي عملية تسمّى "إتقان تسلسلي".

المحصلة

سيكون المسؤولون العاملون في مجال سياسات التعليم والعمل بحاجة إلى النظر إلى المقلبين عند التخطيط للمستقبل. والاستثمار في التعليم في مرحلة مبكرة من الطفولة له مغذى اقتصادي من حيث الاستفادة المالية ومنح المواطنين المهارات والموارد ليكونوا متعلمين مدى الحياة سيساعد في تمكينهم وفي أن يصبحوا هم من يقرر مصيرهم. ولا يزال هناك حاجة للمزيد من العمل يجب القيام به لخلق الظروف الاقتصادية والقانونية المناسبة ولكن جهودنا يجب أن تكون شاملة. 

ملاحظة: البحث في مجال تعليم الأطفال في مرحلة مبكرة من الطفولة أخذ من باكورة أعمال بول تاف "كل ما يتطلب الأمر: مسعى جوفري كندا لتغيير هارلم وأميركا".  

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة