أهمية خاصية البحث الجديدة لفايسبوك جراف في المنطقة العربية

اقرأ بهذه اللغة

حين سُئل مارك زوكربرغ عن مسائل الخصوصية في "فايسبوك" في مؤتمر "دي8" D8 عام 2010، حاول متوتراً إقناعنا بقبول بمفهومه للمشاركة بدلاً من طرح الكثير من الأسئلة. وحين حاولت مديرة الحوار كارا سويشر الضغط عليه في موضوع ميزة "التخصيص الفوري" Instant Personalization التي انطلقت مؤخرًا، قام بخلع قميصه ليكشف عن مهمة الشركة المطبوعة داخلها "جعل العالم أكثر انفتاحاً وترابطاً" Making the world more open and connected، إضافة إلى رمز دائري يتضمن ثلاث كلمات: "تيار، رسم بياني، ومنصة" Stream, graph and platform. وهنا صرّحت سويشر ممازحة "يا إلهي إنه كرمز لجماعة سرية".    

وبعد عامين ونصف، ما زال حوالي مليار منا ـ أي أقل بقليل من نصف إجمالي مستخدمي الإنترنت في العالم، يؤمنون بهذه "الجماعة السرية". واعتدنا على القفز كالضفادع بين خصائص الخصوصية في "فايسبوك" خصوصاً عبر متابعة الإشعارات التي تخبرك ما إذا أردت إخفاء ما نشرت قديمًا على "تايم لاين" timeline أو تعطيل خاصيات المشاركة.    

 وأعيد هذا الأسبوع فتح سجال الخصوصية بعد إطلاق "جراف سيرتش"، وهو محرك بحث سيسمح للمستخدمين بالبحث في محتوى صفحات أصدقائهم وصفحة الأخبار الرئيسية newsfeed. إذ يمكن للمستخدمين الآن البحث عن "صور التقطها أصدقاؤهم في دبي" أو "مطاعم يحبها أصدقائي في مصر" لرؤية نتائج سبق أن جرت مشاركتها على شبكتهم.

 وهذه الخطوة التي تهدف إلى فهرسة محتوى المستخدم والتي لا يمكن لمحركات البحث الخارجية الولوج إليها، تم التخطيط لها منذ البداية. ووصف زوكربرغ خاصية "جراف سيرتش" بأنها "الركيزة الثالثة لـ فايسبوك"، بالإضافة إلى "تايم لاين" وصفحة الأخبار الرئيسية newsfeed. وقد تم طرح هذه الخاصية في وقت يبدو أن فايسبوك بأمسّ الحاجة إليها. فهي من جهة خطوة جريئة لإغاظة منافسه "جوجل"، ومن جهة أخرى محاولة يائسة لإنعاش النمو في مواجهة تكهنات بأن فايسبوك بلغ أعلى مستوى يستطيع بلوغه في الأسواق الكبرى (تراجع عدد مستخدميه في المملكة المتحدة بـ600 ألف في ديسمبر/ كانون الأول).

 يشعر المستثمرون بالتردّد، فتراجعت قيمة سهم فايسبوك من 31 دولار إلى 29.85 دولار الأسبوع الماضي،أي أقل من سعر الاكتتاب العام الذي بلغ 38 دولار. وسارعت وسائل الإعلام الأميركية على التركيز على تداعيات المحرك الجديد على الخصوصية، مشيرة بشكل خاص إلى قدرة "جراف سيرتش" على تعزيز المطاردة على الإنترنت أو زيادة إمكانية الكشف العرضي عن صور من الأرشيف.

 "جراف سيرتش" في المنطقة العربية

 تأخذ النقاشات حول الخصوصية في المنطقة العربية نبرة مختلفة، إذ أنّ بروز المحتوى السياسي هو المصدر الرئيسي للقلق أكثر من بروز الصور. فخلال الانتفاضات العربية، تضاعف عدد مستخدمي "فايسبوك" في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بين حزيران/يونيو 2011 ويونيو/حزيران 2012. فالبعض كانوا يدخلون إلى الإنترنت للمساعدة في الانضمام إلى الاحتجاجات وتنظيمها، ولكن معظم الناس كانوا يدخلون ليكونوا شاهدين على الصور الفظيعة وفهم التطورات على الأرض. وسيسهّل "جراف سيرتش" على المستخدمين مشاهدة  الأحداث إذا أن البحث عن "صورة التقطت في حلب" سيجعل متابعة النزاع أبسط من تصفح صفحة الأخبار الرئيسية (newsfeed) أو الاعتماد على أصدقاء معينين للحصول على خبر.

 ولكن إذا وقعت هذه المعلومات في الأيادي الخطأ فيمكن أن تستخدم ضد المستخدمين أو ببساطة أن يساء تفسيرها لغايات غير متوقعة.

 وليس عليكم سوى أن تسألوا عبد الله العبسي، المؤسس الناشط لـ "إي كلوب" eClub، وهي منظمة للريادة تخصّ الطلاب. ففي الخريف الماضي أحدثت مدرسة الريادة العالمية الصيفية ضجة في مجتمع الشركات الناشئة في لبنان، حين قررت استبعاد العبسي بسبب فيديو وضعه قبل عامين على صفحته على "فايسبوك"، يظهر فيه أشخاص يحرقون علماً.    

 وقال العبسي في ذلك الوقت "لم أكن في الفيديو والفيديو ليس لي ولم أنتجه. صادف أني شاهدت أمراً يحصل في بلدي". غير أن المنظمة القلقة وغير السياسية اختارت طريق الحذر الشديد.  

 ولكن الخطوة لم تكن ظالمة، إذ يقول عضو مجلس إدارة المدرسة الصيفية برنارد كاتزي، "لا نريد أن يقال عنا أننا منحازون سياسيًّا". لذلك فإن الظهور المعزز للمحتوى السياسي في إطار "جراف سيرتش" يمكن أن يتسبب بالمزيد من التعقيدات الدولية لمستخدمين مطمئنين.   

 وهذه التداعيات لا ترتبط بالضرورة بالمراقبة التي تقوم بها الحكومة، فللأسف، لدى الحكومات تقنيات أكثر تقدماً من "جراف سيرتش" لدخول صفحات "فايسبوك" أو ملاحقة أشخاص معينين. ومجدداً، خاصية البحث نفسها لا تكشف سوى المعلومات التي سبق أن تمت مشاركتها.

 وبالنسبة للمستخدمين، يمكن أن يخدمهم "جراف سيرتش" كتذكير لكي يكونوا متيقظين حيال خصوصيات الخصوصية لديهم. فلا يقوم "فايسبوك" على حماية المستخدمين من أنفسهم، فعبارة "جعل العالم أكثر أماناً" لن تكتب أبداً داخل قميص خاصة بالشركة. والمستخدمون هم من سيقررون إذا أرادوا أن تكون صفحتهم مفتوحة أم لا.  

 أهمية "جراف سيرتش" للشركات الناشئة

 بالنسبة للشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة، فلا يعتبر "جراف سيرتش" مصدر قلق بل فرصة يجب اغتنامها. وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، فعندما تدخل الشركة شبكة الإنترنت لأول مرة، فأول ما تقوم به هو بناء صفحة على "فايسبوك". وفي الواقع، يستخدم 32% من سكان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الإنترنت و11% منهم لهم حسابات على "فايسبوك". لذلك فبالنسبة لثلث مستخدمي الإنترنت، أن تكون موجوداً على الشبكة يعني أن تكون على "فايسبوك". وفي لبنان مثلاً ليس أمراً غير مألوف أن ترى شركة تسوّق لصفحتها على "فايسبوك" في لوحة إعلانية.     

 وبالنسبة للشركات الناشئة التي لديها صفحة على الإنترنت، سيجعل "جراف سيرتش" تحديثات الحالة والمحتوى الذي تنشره الشركة ظاهراً أكثر لزبائن محتملين. ويقول بعض المحللين إنّ "جراف سيرتش" لن يهدد جوهر "جوجل" مباشرة عبر منع البحث عليه. ولكن في الأسواق الناشئة حيث عدد الشركات التي تملك صفحة على "فايسبوك" هو أكبر من عدد الشرمات التي تملك موقعًا  إلكترونيًّا، فإن "فايسبوك" هو المسيطر على البحث في هذا المجال.

 أما الشركات الناشئة التي تسعى إلى تحسين نفسها مع "جراف سيرتش" فقد يكون عليها إعادة التركيز على نقرات الإعجاب (like) لأن البحث عما يعجب به الأصدقاء هو عنصر أساسي في هذه الخاصية. ولقد احتجت الشركات بعد أن قام فايسبوك الخريف الماضي بجعل نظام Edgerank للصفحات أكثر تشددًا ، أي جاعلاً من الأصعب على الشركات جعل محتواها ظاهراً على صفحة الأخبار الرئيسية لدى كافة المستخدمين. ولربنا لاحظت شركتك الناشئة نقصًا في عدد نقرات الإعجاب. لذلك فإن "جراف سيرتش" سيعزز ظهور الشركات بعض الشيء، وسيشجعنا جميعاً على الاستمرار في نقر زر الإعجاب سواء أعجبنا الأمر الذي ننقر عليه أم لا.   

 ومن شأن البحث المعزز أن يجبر بعض الشركات الناشئة على إعادة التفكير في استراتيجياتها الأوسع. فإنّ الشركات التي تقدم للمستخدمين تحليلاً للشبكة مثل "آيدنتيفايد" Identified وهي شبكة تشبه "لينكيد إن" LinkedIn للوظائف خاصة بـ "فايسبوك"، سيكون عليها أن تكون أكثر ابتكاراً لأن بعض وظائفها ستظهر بكثافة وتتكرّر على نتائج بحث "جراف سيرتش". وبالنسبة لشركات أخرى تقدم إعلانات متكاملة على "فايسبوك"، مثل "سوشل واير" SocialWire، فإن "جراف سيرتش" قد يوسّع نطاق انتشارها.  

 وفي جميع الأحوال، فإن "جراف سيرتش" سيحفّز الشركات الجديدة على الانضمام إلى "فايسبوك". ومع اعتماد الشبكة الاجتماعية أكثر على الأسواق الناشئة للمستخدمين الجدد، من الحكمة أيضًا إطلاق الخاصية باللغة العربية أيضاً.  

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة