هل ينجح مفهوم الاستهلاك التعاوني في السعودية؟

اقرأ بهذه اللغة

قمنا مؤخرا في ومضة بمناقشة نهوض حركة الإستهلاك التعاوني وإقتصاد المشاركة حول العالم وبالدور الكبير الذي يمكن أن يؤديه هذا التغيير في تطوير المنطقة العربية ومساعدة عدة دول شرقية على تخطي كثير من المشاكل التي تواجهها. فلقد قامت جولاي أوزكان بمناقشة الدور الذي يمكن أن تلعبه خدمات الإستهلاك الإجتماعي في تركيا وبالخصوص في مجال  الخدمات السياحية في تركيا. ولقد قام عمر عايشة بطرح خدمات المشاركة في إستعمال الدرجات الهوائية كحل لأزمة إزدحام الطرقات في القاهرة. مع ذلك، فإن مناطق الشرق الأوسط هي أكثر المناطق التي لها القدرة الأكبر على تطبيق مفاهيم الاستهلاك التعاوني. إنني أتحدث هنا عن بلدان الخليج العربي، الدول التي تستهلك الكربون بكثرة وتملك الكثير من المصادر المالية التي تخوّلها القيام بتغيير اقتصادي سريع. 

ما هو الاستهلاك التعاوني؟ 

في عصر يتميز بإرتفاع أسعار المعيشة، إزدياد الإستهلاك الشخصي، وإزدياد القلق حول العالم على صحة كوكب الأرض وإستمرار الإنسان في إستهلاك مصادر الأرض المحدودة، بدأ الناس في البحث عن نماذج إقتصادية بديلة عن نموذج البيع والشراء والاستهلاك. أحد هذه النماذج الإقتصادية الصاعدة هو نموذج الإستهلاك التعاوني: نموذج اقتصادي يعتمد على مشاركة، إستعارة، ومبادلة البضائع والخدمات بدل شرائها أو تملكها. هذا النموذج يؤدي إلى نمط من الحياة يعرف بالنمط التعاوني، والذي يتميز بمشاركة أتباعه لممتلكاتهم و خدماتهم ووقتهم. 

في الحقيقة، نموذج الإستهلاك التعاوني لا يعتبر نموذج جديدًا أبدا. ففي الواقع، كان أجدادنا وأسلافنا يمارسون هذا النمط المعيشي قبل قرون كثيرة، حين كانوا يتبادلون المواد، البضائع، والخدمات من دون إستخدام وسط مادي. وكانوا أيضا يتشاركون في مسؤولية الإهتمام بالمصادر الطبيعية كالأراضي الزراعية ويعيشون في مجتمعات وقرى مشتركة.

لكن، ومع نموّ المجتمعات على الويب، أصبحنا أمام فرصة غير معهودة لتعميم نماذج الإستهلاك التعاوني حول القرية العالمية التي نعيش فيها. على الناس المشاركة والتعاون، وهم الآن يستهلكون ويتعاونون مع بعضهم البعض سواء كانوا على الإنترنت أم لا. 

أمثلة عالمية عن الاستهلاك التعاوني

أحد أفضل أمثلة الإستهلاك التعاوني هي خدمة مشاركة الدراجات الهوائية المعروفة بـ"بكسي" Bixi، والتي نشأت في مدينة مونتريال في كندا. مشاركة الدراجات الهوائية هي أسرع أنواع المواصلات إنتشارا في العالم. ففي عام ٢٠١٠ فقط، إزدادت نسبة برامج مشاركة الدراجات الهوائية في العالم لتصل إلى ٢٠٠٪!

يندفع المستهلكون إلى استخدام هذه الأنظمة التعاونية لأنها سهلة الإستعمال، وتوفر المال والمكان والوقت. بالإضافة إلى ذلك فلهذه الأنظمة التعاونية فوائد بيئية، حيث أن المشاركة في استخدام الدراجات الهوائية تزيد من فعالية الدراجات، تقلل المخلفات التي تنتج عن تصنيعها، و تشجع تطوير منتجات ذات جودة عالية، تخدم كل من المستهلك ومقدم الخدمة. 

فلسفة الإستهلاك التعاوني وراء خدمات مثل "بكسي" لها أيضا فوائد مادية مغرية. ففي عام ٢٠١١، حققت شركة "بكسي" أرباحًا تفوق الـ ٥١ مليون دولار، و توسعت الشركة لعشرة أسواق مدن جديدة في أميريكا الشمالية وأوروبا. 

تتمثل قوة الإستهلاك التعاوني في الأدوات التي تكون فترة استخدامها قليلة، مثل أدوات الحفر الكهربائي أو السيارات الخاصة: تبلغ كلفة صيانة السيارة وتعبئة وقودها وغيرها ما يعادل 8 آلاف دولار سنويًّا، بالرغم من أنها لا تتحرك لساعات طويلة في اليوم. نشأت شركات مبتكرة مثل "زيبكار" Zipcar حول هذه الحقائق، وقدمت للمستهلكين برامجًا لمشاركة السيارات. 

في عام ٢٠٠٩، جمعت "زيبكار" ٢٥٠ مستهلكًا لقبوا أنفسهم بمدمني السيارات، وأقنعتهم بإدخال سياراتهم في نظام "زيبكار" لمشاركة السيارات. وبعد إنتهاء التجربة، ٩٣٪ من المشاركين رصدوا إزديادًا ملحوظا في عدد الأميال التي مشوها، وقد خسروا جميعهم ما يعادل 187 كيلوغرامًا من الوزن الزائد، وقرّر كافة المشاركون أنهم لا يريدون إسترجاع سياراتهم بشكل كامل و سيكتفون باستخدامها عند الحاجة عن طريق برنامج "زيبكار" لمشاركة السيارات. إستمرت "زيبكار" في النمو والنجاح وقامت بطرح أسهمها في الأسواق  بشكل ناجح في ربيع ٢٠١١.

الاستهلاك التعاوني في الخليج 

في الولايات المتحدة على سبيل المثال، تنمو الكثير من شركات الاستهلاك التعاوني مثل "إير بي أن بي" AirBnB و"لوكيل جايدينج" LocalGuiding وغيرها، غير أنّ الإستهلاك التعاوني لم يصل بعد إلى أي من بلدان مجلس التعاون الخليجي الستة.

المنطقة العربية معروفة، تاريخيا، بالمشاركة وتبادل البضائع من دون وجود وسط مادي، لكن وللأسف، بتنا اليوم مشهورون باستهلاكنا المفرط وعدم اهتمامنا بالبيئة. وتحتوي المنطقة العربية على بعض البلدان التي فيها أعلى مستويات الإستهلاك وإطلاق غازات الإحتباس الحراري الضارة، بل إن أربعة من البلدان التي تملك أعلى مستويات إطلاق ثاني أكسيد الكربون في العالم هي ضمن دول مجلس التعاون الخليجي (تأتي بلدان المجلس في المرتبة الأولى والرابعة والسادسة والثامنة). كل هذه الحقائق تجعل من المنطقة العربية إحدى أفضل الساحات لإنتشار ثورة الإستهلاك التعاوني.

لنأخذ قيادة السيارات في السعودية كمثال. السعودية هي أكبر اقتصاد في المنطقة العربية، مع عدد سكان يفوق الـ ٢٧ مليون نسمة، مساحة كلية تفوق الـ ٢٥٠٠٠٠٠ مليون كيلومتر مربع (ثاني عشر أكبر دولة في العالم). لا تحتوي بنيتها التحتية على أي نوع من المواصلات العامة باستثناء سكة حديدية بسيطة تصل بين المدن الرئيسية. ببساطة، هذا يعني أن الجميع بحاجة إلى استخدام السيارات للتنقل، وفي أغلب الأحيان تكون هذه السيارات عبارة عن سيارات شخصية بداخلها ما يقل عن ثلاثة أشخاص. عدد كبير من هذه السيارات تستخدم  بشكل محدود لرحلات يومية بسيطة مثل توصيل الأولاد إلى المدارس أو الذهاب إلى العمل والعودة. لذلك ثمة فرصة ذهبية للاستفادة عن طريق المشاركة. 

الإمكانيات هنا غير محدودة، أي شئ من مشاركة الكتب إلى تبادل الهواتف المحمولة القديمة مقابل أدوات إلكترونية جديدة، وكلّ ذلك يقع تحت مظلة الإستهلاك التعاوني الممكن في المنطقة العربية. تخيّل العيش في عالم تفيق وتصطحب جيرانك إلى نفس منطقة العمل في سيارة واحدة، تتبادل كتب الفيزياء الجامعية القديمة التي تمتلكها مقابل رواية جديدة أردت قراءتها منذ فترة، تؤجّر آلة التصوير التي لا تستخدمها كثيرا مقابل سعر مادي، وتذهب لتبادل كنزة رمادية لا تلبسها كثيرا للحصول على قميص صيفي أردته منذ فترة. 

لكن إن أردنا إنجاح الإستهلاك التعاوني في المنطقة، فعلينا دمجه داخل تقاليد المنطقة وثقافتها. ومن الأكيد أن الرياديين سيواجهون مشكلة في تقديم خدمة تشاركية، إذ عليهم بناء ثقة أولاً بين الناس كي يستطيع هؤلاء الأخيرون مشاركة منازلهم وتأجير غرفهم لغيرهم من الناس. هذا ما تسعى "عرب رومز" Arab Rooms على القيام به. 

ون شأن هذه التحديات تشجيع الرياديين في المنطقة على تخطي هذه التحديات، إذ أنهم سيقدمون خدمة مطلوبة وغير موجودة في السوق بعد، وسيقنع نجاحهم المستهلكين في الخارج على اعتماد خدمتهم. 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة