خمسة أمثلة عن دور المساهمة الجماعية في تحسين المسائل الاجتماعية

اقرأ بهذه اللغة

كلّ مرة أسمع فيها الناس في المنطقة العربية يشتكون من زحمة السير، أشعر برغبة في الضحك. فباستثناء القاهرة التي حملت لقب "أكثر مدينة مزدحمة في العالم" بسبب سائقيها الذين لا يُحتملون، ليست هذه الزحمة شيئاً أمام زحمة معظم المدن الإفريقية. ففي مساء ماطر في نيروبي بكينيا، استغرقنا الأمر ساعتين بالتاكسي لنجتاز مسافة نصف كيلومتر. 

لماذا الأمر سيئ لهذه الدرجة؟ الجواب بسيط: الحكم.    

فعلى الرغم من أن الدستور الكيني الجديد يحدّد نظام إحدى أفضل الديمقراطيات في العالم، من دون آليات للمواطنين ليعبّروا عن مشاكلهم وحوافز للسياسيين للتحرك، إلا أنه لا يساوي أكثر من الورق الذي هو مطبوع عليه.     

فحالة الفساد المتفشي وانعدام المحاسبة والإفلات من العقاب السياسي تميل إلى الاستمرار، وتخفق الحكومة في تسوية قضايا مثل الزحمة الخانقة وشبكات المياه المقطوعة.

 فحتى الديمقراطيات أحيانًا تحتاج إلى بعض المساعدة. والتكنولوجيا اليوم تمهّد الطريق لذلك.

وفي كينيا، مقر ثورة الهواتف المحمولة، تقود التطبيقات الجديدة والمنصات وطرق المشاركة الجماعية للمعلومات من المواطنين ومنظمات المجتمع المدني، إلى تغيير ديناميكيات السلطة وطريقة استفادة الكينيين من حكومتهم ومن بعضهم البعض.    

وفي مقال نشر مؤخراً تحت عنوان "مَيل كينيا إلى المساهمة الجماعية" أشار ويلفريد موتوَا من "أفرينوفاتور" Afrinovator، إلى أن "المساهمة الجماعية ليست أمرًا جديدًا في الفضاء الرقمي الكيني على عكس الدول الإفريقية الأخرى. وما نراه في كينيا هو الكثير من الابتكار غير المتأثر بطريقة استخدام المعلومات في الوقت الحقيقي على الشبكات الاجتماعية أو الطريقة التي يتم فيها توجيه المحادثات".   

فحيث كانت المحادثات تجري باتجاه واحد (الحكومة تجاه المواطنين)، تسمح التكنولوجيا الآن بمناقشات متعددة الاتجاهات تقود إلى محاسبة وشفافية أكبر.    

وإليكم بعض الأمثلة:

1 ـ CarPoolKE لتوحيد المواطنين  

في العام الماضي، أدّى إضراب حافلات النقل العام الصغيرة (ماتاتو) التي يستخدمها معظم سكان المدينة للذهاب إلى أعمالهم يومياً، إلى شلّ حركة قطاع النقل العام في نبيروبي، وفشلت الحكومة في تقديم يد العون.

وبدلاً من ذلك، توجه بعض الكينيين إلى "تويتر" وأطلقوا وسم (هاش تاج)  #CarPoolKE للمساعدة في الربط بين أصحاب السيارات الذين يريدون مشاركة سياراتهم. وما إن بدأ الصليب الأحمر الكيني باستخدام الوسم عند التغريد، حتى تشكّلت قوة جماعية من الباحثين عن من يقلّهم والمستعدين لمشاركة سياراتهم، وأصبحت حركة نقل بحدّ ذاتها قامت باجتياح المدينة.  

2 ـ Ushahidi - معلومات حول الخرائط من مصادر جماعية

كينيا أيضاً هي "مسقط رأس" Ushahidi، وهي منصة رائدة أعادت تعريف أزمة الخرائط من خلال جمع المعلومات من مصادر جماعية من قنوات مختلفة، بينها الرسائل النصية والبريد الإلكتروني و"تويتر". 

و Ushahidi التي تعني حرفياً "شهادة" باللغة السواحلية، طُوِّرت أساساً لوضع خريطة للأحداث خلال أعمال العنف التي تلت الانتخابات عام 2008. واليوم أصبحت هذه المنصة المفتوحة المصدر تعتمد على العالم لتعزيز صحافة المواطن وأزمة الخرائط ومراقبة الانتخابات وغير ذلك.    

واليوم، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأولى في كينيا منذ العام 2007، والمقررة في آذار/ مارس 2013، تعير Ushahidi تقنيتها لـUchguzi التي تساعد في مراقبة العملية الانتخابية عبر وضع خرائط لحالات العنف وخطابات الكراهية والمشاكل في مراكز الاقتراع وحتى "الأحداث الإيجابية" التي يبلغ عنها المواطنون ومنظمات المجتمع المدني.   

3 ـ Mzalendo ـ نظرة أعمق إلى البرلمان

Mzalendo  (يعني وطني باللغة السواحلية)، الذي أطلق عام 2003، يجعل المعلومات حول المسؤولين المنتخبين، علنية أكثر. فهو ينشر تقارير عن نواب البرلمان، ونبذات عنهم ويتعقب عملهم ومواقفهم السياسية. والهدف الرئيسي للموقع هو نشر الوعي حول ما الذي يجري فعليا  في البرلمان وزيادة المشاركة في السياسة عبر منح المواطنين سهولة أكبر في الولوج إلى المعلومات حول السياسيين.

4 ـ نظام Faini Chap Chap وI Paid a Bribe لشفافية متزايدة

يمكن أن تقدم الحكومة المساعدة أحياناً. فقد أطلق رئيس المحكمة العليا في كينيا نظام Faini Chap Chap قبل أشهر، وهو نظام جديد لدفع غرامات المرور عبر منصة الدفع على المحمول في كينيا "أم بيزا" M-Pesa. والهدف هو زيادة الشفافية وتقليص الفساد، كون تعاملات M-Pesa يمكن تعقبها وهي تخفف عن كاهل المخالفين عناء الوقوف في الصف لدفع الغرامات.

فإن أصر شرطي على أن تدفع إليه ثمن الغرامة مباشرة، طوّر بعض المواطنين الأذكياء خياراً آخر لوضع الأمور في نصابها من خلال إطلاق موقع I Paid A Bribe أي "دفعت رشوة" المخصص لـ"كشف سعر الفساد في السوق" والذي يشجع المواطنين على التبليغ من دون كشف هوياتهم عن أي محاولة رشوة. وحتى الآن تم تقديم حوالي 1200 بلاغاً عن رشوة، تبلغ قيمتها الإجمالية مليون دولار.   

5 ـ Majivoice وM-Maji لمنح المستهلكين الخيار والصوت

يتدفّق الفساد في قطاع المياه في كينيا أكثر مما تتدفق المياه فيه. ولحسن الحظ ثمة حوالي 11 تطبيق وشركة ناشئة تركّز على المياه في هذا البلد، وتعمل على تحسين ذلك ومن بينها M-Maji، التي يعني اسمها "Mobile water" أو المياه المتحركة باللغة السواحلية، وهي عبارة عن تطبيق للمحمول طورته مجموعة من طلاب جامعة ستانفورد لتحسين النفاذ إلى المياه النظيفة في الأحياء الفقيرة. ويُقدم التطبيق عبر هاتف محمول عادي، للمستهلكين معرفة أفضل عن توفّر المياه والأسعار والنوعية. وبإمكان شركات بيع المياه أن تستخدم هواتفها المحمولة للتسويق على M-Maji، وبإمكان الذين يشترون المياه أن يستخدموا قاعدة بياناتها للعثور على أقرب وأرخص وأنظف مياه.

أما MajiVoice فهي منصة جديدة أخرى مصممة لتحسين الحوار بين المواطنين ومزودي المياه. فبإمكان مستهلكي المياه استخدام هاتف محمول أو موقع إلكتروني لمشاركة شكواهم المتعلقة بالخدمة وتلقّي ردود سريعة. وتدير المنصة هيئة تنظيم خدمات المياه.  

يزداد توجه كينيا نحو المصادر الجماعية وهو توجّه يجلب معه فوائد للمواطنين، ويجعل آراء الناس غير المسموعة أن تمتدّ إلى نطاق أكبر. وإن اختارت الحكومة الإصغاء لهذه الآراء، فهذا موضوع آخر.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة