هل سماع الموسيقى على الإنترنت نموذج قابل للنموّ في المنطقة؟ لمحة عن مستقبل قطاع الموسيقى [مناقشات ومضة]

اقرأ بهذه اللغة

هذا المقال هو الأوّل من سلسلة جديدة عنوانها "مناقشات ومضة". يستعرض فريق "ومضة" بين الحين والآخر موضوعًا أو تحدٍّ قائم في المنطقة العربية ويناقشه، بغية تحديد آخر التوجّهات والحلول الممكنة والثغرات المتبقّية، ومن ثمّ يقترح سبل المعالجة الأنجح. 

ركّزت مناقشة "ومضة" الأولى على قطاع الموسيقى في المنطقة العربية، بحيث تطرّقنا إلى تطوّر وسائل النشر، من الفينيل إلى شريط الكاسيت فالقرص المدمج CD والـ mp3 وكيف أثر ذلك على التموّل، وكيف أنّ هذا التحوّل لفت أنظارنا نحو تبدّل آخر يقلب مؤخرًا الصناعة رأسًا على عقب، ألا وهو: تحوّل الموسيقى من منتج إلى خدمة.          

عام 1999، أطلق "نابستر" Napster هذه الثورة عبر إدخال طريقة جديدة كليًّا على عمليّة مشاركة الموسيقى وتلقّيها وتشغيلها. وعلى الرغم من عدم شرعيّتها، سمحت منصات سماع الموسيقى على الكمبيوتر  للشارين أن يتخطّوا قنوات التوزيع التقليدية (أي شراء CD من شركات إنتاج الموسيقى). ردًّا على ذلك، قامت فرقة "ميتاليكا" Metallica الأمريكية بعد سنة برفع دعوى ضدّ "نابستر" لنشره أغنية على الموقع سجّلتها الفرقة أصلاً لكن لم تنشرها.  

إنّ بروز منصّات مثل "نابستر" والغياب المستمرّ لأي حلّ قانوني، أدى إلى جعل القرصنة سهلة بالنسبة للمستمعين لاقتفاء الموسيقى المرغوبة ومشاركتها وتشغيلها على الإنترنت. أثار هذا الأمر غضب أصحاب الأعمال في قطاع الموسيقى. وتبيّن أنّ المبارز الأكبر لمنصّات مثل "نابستر" هو في الواقع صناعة الأفلام، التي خشيت أيضًا أن تخسر استقامتها وسلامتها على مستوى التوزيع.

في سبيل محاربة القرصنة ومنصّات تشغيل الموسيقى غير القانونية، إنطلقت شركات جديدة لسدّ الثغرات وتأمين وسيلة قانونية لسماع الموسيقى، وهي شركات على غرار "باندورا" Pandora و"أرديو" Rdio، والأهمّ "سبوتيفاي" Spotify التي يضمّ مجلس إدارتها مؤسس "نابستر" شون باركر. فقررت مثلاً فرقة "ميتاليكا" مؤخرًا أن تتصالح مع باركر وأن تضع ألبومها على "سبوتيفاي"، إشارةً إلى تحوّل الصناعة الرشيق والسريع.    

عقدت منصّة "سبوتيفاي" اتفاقات مباشرة مع شركات الإنتاج الموسيقي والموزّعين تدفع لهم رسومًا تكّلف حوالي 70% من مجمل حجم العائدات. ويدفع بعدها الموزّعون إلى الفنانين ومؤلّفي الموسيقى كلٌّ وفقًا لعقده الخاصّ.           

توفّر منصّة "سبوتيفاي" إذًا خدمة غير مكلفة نوعًا ما وسهلة الإستخدام أكثر من مواقع القرصنة، لذا هي قادرة على المحافظة على هيمنتها داخل سوق تشغيل ومشاركة الموسيقى على الإنترنت، وعلى جذب زبائن جدد مستعدّين لتجربة التحميل المجانيّ (بفضل دعم الإعلانات على الموقع) أو تحميل الموسيقى اللامحدود بكلفة 10$ في الشهر، رغم كون المقطوعات الموسيقية مجانيّة في أغلب الأحيان.

كيف تستهلك الموسيقى؟  

أكثر ما أثار فضولي واهتمامي في النقاش هو طريقة حصول الآخرين على الموسيقى التي يبحثون عنها. لكلّ منّا في "ومضة" طريقة مختلفة في اكتشاف وتحميل وتشغيل وتجميع الموسيقى، ولعلّ السبب يعود لطابع الفريق الدوليّ المتنوّع. فيشرع البعض إلى استخدام منصّات مثل "أنغامي" Anghami، "ساوند كلاود" SoundCloud و"جروف شارك" Grooveshark من أجل سماع واكتشاف موسيقى جديدة. أمّا البعض الآخر فهو غير مكتفٍ بقدرات بحث تلك المنصّات، لذا يلجأ إلى مواقع راديو على الإنترنت مثل Last.fm، Soundtracker.fm، وبوّابة "ميوزيكالزم" Musicalism.fm من أجل اكتشاف فنانين جدد. 

على صعيد الإستهلاك الموسيقي البحت، يستعمل بعضنا "آي تيونز" iTunes لشراء مقطوعات منفردة أو ألبومات، فيما لا يعتمد آخرون إلاّ على التحميل بالمشاركة والتشغيل أو على استعارة الموسيقى من الأصحاب.

لا شكّ أنّ طرق اكتشاف الموسيقى واستهلاكها تتعدّد وتختلف، حتى داخل فريق عمل صغير. كلّنا أجمعنا رغم ذلك حول ضرورة توفّر أداة اكتشاف أو نظام توصيات على المنصّة، للمساعدة في التعرّف إلى فنانين جدد وتجريب موسيقاهم، أي ضرورة توفّر نسخة رقمية على الإنترنت عن ذاك الشاب الواسع الإطّلاع الذي يخدمك عادةً في متجر الموسيقى! هذا العنصر الأساسي يغيب عن خدمات المنصّة.

نماذج عائدات الموسيقى

من الواضح أنّ التحدّي الأكبر الذي ما زالت تتخبّط فيه الصناعة هو معرفة كيف يتمّ التموّل ومتى. في هذه الحالة، ما هو النموذج المجانيّ الذي تعتمده، كيف تنظّم الإشتراكات وكيف تدفع بالمستخدمين للإنتقال من خدمة مجانية إلى خدمة مدفوعة؟ تجد منصّة "باندورا" Pandora مثلاً صعوبة في التموّل، أي وبمعنى آخر، صعوبة في استقطاب المستثمرين.   

أصبح المحمول جزءًا كبيرًا من الحلّ، وكما تقول ببساطة مديرة المجتمع الإلكتروني لدينا ستيفاني: "يجب أن تكون الموسيقى متوفرة على المحمول". لا يخفى على أحد أنّ المستمعين يعتمدون اليوم على المحمول لسماع الموسيقى، فيدخلون إلى قوائم الموسيقى المسجّلة لديهم على الـ "آيفون" أو الـ "أندرويد" خلال تنقّلاتهم أو في أوقات العمل.      

يراهن تطبيق "أنغامي" على هذا الواقع في المنطقة العربية، إذ لا يوفّر خدمة تشغيل الموسيقى إلاّ عبر الأجهزة المحمولة. يعود السبب جزئيًّا إلى منع المستخدمين ربما من سرقة الأغاني عن بوّابة إلكترونية، غير أنّ عددًا كبيرًا من المستخدمين لا زال يفضّل الإستماع إلى الموسيقى وتنظيم مكتبته الموسيقية على الحاسوب قبل تحميل المواد على جهاز محمول. لذلك قد ينوي "أنغامي" في وقت ما أن ينطلق على شبكة الويب.

شكّل هويّتك الموسيقية

موضوع نقاش هام آخر تمحور حول عدم إمكانيّة الناس من التعبير فعليًّا عن هويّتهم من خلال الموسيقى على الإنترنت. هذه المنصات لا تقوم فقط بتجميع الموسيقى المفضّلة لدى المستخدمين، بل هي تسمح لهم أيضًا بالتعبير عن مزاجهم، عن الأغاني التي يستمعون إليها حاليًّا، عن الإحتفالات الموسيقية المباشرة التي حضروها، عن ألبوماتهم المفضّلة، والخيارات لا تعدّ ولا تحصى. وقد تشكّل المنصّة أيضًا مرجعًا رائعًا لحصد نماذج البيانات الكبيرة الحجم ولتفسير بعض من العناصر الخاصّة بقرارات الإنسان وبسلوك السوق.  

فيما يقرّب الإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعي بين المستخدمين أكثر فأكثر، قد يشكّل استثمار البيانات حول استهلاك الموسيقى مصدر إفادة كبير للصناعة ولجهات معنيّة أخرى. وقد يتحمّس حتى بعض المستخدمين المحتملين للتعبير عن هويّتهم الموسيقية ومشاركتها على الإنترنت بغية بناء مجموعة تابعين ومعجبين حول أذواقهم الموسيقية. وربما سيبتكر أحدهم طريقة لـ"المزج بين حياة الواقع والموسيقى"، كما اقترح الرئيس التنفيذي لـ"ومضة"، حبيب حدّاد. من الممكن أن تجمع منصّة مماثلة بين طريقة عيشك وأذواقك الموسيقية بهدف صنع هويّة لك على الإنترنت، ومن ثمّ شرح كيف أنّ أذواقك الموسيقية تحدّد تجربتك الحياتيّة، سلوكك ومواقفك.    

لا تحظى اليوم كمستخدم إلاّ بخيارات محدودة لمشاركة ذوقك الموسيقي، إمّا على "فايسبوك" عبر منصّات مثل "ساوند كلاود" و"سبوتيفاي"، أو عبر فتح حساب على موقع "ماي سبايس" MySpace الجديد. غير أنّ أخبار الموسيقى والتعبير عن الذوق الموسيقي يضيعان كليًّا في قائمة تغذية الإخبار الخاصّة بالمستخدم newsfeed، أضف إلى أنّ البيانات قد لا تشكلّ بالضرورة مادّة مفيدة إذا كانت الأغنيات مشاركة فقط من حين لآخر. في الوقت الحالي، بدأت شركة أمريكية، "ذا إيكو نست" The Echo Nest، بمواجهة التحدي وبابتكار منصّة من هذا الطراز. سنبقى مترقبين حصول ذلك.   

على المدى البعيد   

طرحنا على أنفسنا السؤالان التاليان، بعد أن نظرنا إلى المستقبل البعيد: ما الذي قد يحصل إذا دخلت خدمة عالمية لتشغيل الموسيقى على الإنترنت سوق الشرق الأوسط، وإلى ماذا تحتاج منصّات كـ"أنغامي" و"يلاّ ميوزك" Yala Music للسيطرة على السوق المحليّة؟ لا زال التموّل عبر المواقع يشكّل عائقًا كبيرًا أمام هذه المنصّات التي عليها تخطّي كافة العراقيل إن أرادت فعلاً أن تستمرّ في منافسة بعضها البعض وفي مواجهة المنافسين العالميين من طراز "سبوتيفاي"، في حال قرّروا دراسة احتمال دخول المنطقة.

فيما تناقشنا حول قابليّة النموذج على الاستمرار والنموّ عمومًا، أجمعنا على أنّ المجال مفتوح أمام المزيد من الريادة في قطاع الموسيقى، من خلال جعل عمليّة اكتشاف الموسيقى أكثر ديمقراطيّة، من خلال تحويل المنصّة بنجاح إلى مصدر تمويل، مع الحرص على تصميم برنامج أكثر جاذبيّة من برامج التنزيل غير القانوني.

هل ستصبح الموسيقى ببساطة خدمة بدلاً من منتج تملكه؟ شاركنا رأيك حول الموضوع في قسم التعليقات أدناه. 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة