مدرسة مصرية تؤسس لثورة تعليمية

اقرأ بهذه اللغة

كل عام، يقضي كل زوجين مصريين، ممن لديهم أبناء على وشك الإلتحاق بالدراسة، وقتاً طويلاً وصعباً في البحث عن المدرسة المناسبة لأبنائهم، لتستمر الحيرة في الاختيار في ما بين المدارس الدولية المختلفة والباهظة، محاولين استبعاد المدارس المصرية التي تدهور فيها مستوى التعليم جراء المناخ العام. 

فاطمة باصهي، يمنية تعيش في مصر وتعشقها، بدأت في حزيران/يونيو 2012 بناء مدرسة مصرية ذات جودة تعليمية تضاهي المدارس الدولية المنتشرة بعدما امضت سنة كاملة من دراستها لمناهج وزارة التربية والتعليم، لكي تخرج في النهاية برؤية واستراتيجية مختلفة تسعى لتطبيقها في المدرسة التي تديرها Green Community School مواكبة لعملية التعلم المستمرة. 

وكونها طالبة دكتوراة في مجال تصميم المناهج في جامعة "كينج" بلندن، وناشطة في تطوير أشكال التعليم التقليدي في الإمارات عبر شركة "المنار"، باعتبارها أول شركة خدمات تعليمية في المنطقة، بالإضافة لخبرات تعليمية أخرى حصلت عليها عبر عملها في في البحرين والسعودية، وأيضا مشاركة دائمة في مؤتمرات التعليم الكبرى مثل مجلس مدارس الشرق الأدنى جنوب آسيا NESA، اكتسبت باصهي خبرة كبيرة في مجال التعليم، رغم أن دراستها الأساسية هي في مجال الهندسة اذ حصلت على ماجيستير من جامعة القاهرة، وساهمت في تأسيس كلية الهندسة في جامعة صنعاء.

سوق التعليم الدولي

تشعر في الحديث مع باصهي بشغفها الكبير للتعليم، فهي وصلت إلى مصر منذ قرابة عامين لإدارة مشروع حضانة دولية تحت اسم Infinity، قبل أن تتعرض لعمليات نصب وتغلق الحضانة وكادت أن تغادر مصر، إلا أن ثلاثة مستثمرين مصريين تواصلوا معها لإدارة مشروع مدرسة مصرية بجودة عالمية، تكون تابعة لشركتهم شركة "الرواد للخدمات التعليمية".   

لا تبدى باصهي إعجابها بكثرة المدارس الدولية في مصر، قائلة إنها باتت "بيزنس كبير" تنهل الكثير من أولياء الأمور دون أن تقدم بالضرورة تعليما متميزا لأبنائهم. وفي محاولة لخلق بديل "وطني" عالي الجودة، قبلت باصهي التحدي وعملت مع المستثمرين المصريين لانشاء مدرسة مصرية بمفهوم جديد وبنفس الكلفة المدرسية التي تحددها الوزارة المصرية (15 ألف جنيها لا تزيد عن ألفي دولار في السنة كحد أقصى للمرحلة الثانوية) لعلها تؤسس لتوجه أو trend جديد في قطاع التعليم في مصر.

"طلبة المدارس الحكومية مظلومين"، من هذا الاعتقاد بدأت الرحلة؛ فكل مدرسة ينبغي أن يكون لديها فلسفة ومهمة ورؤية بغض النظر إن كانت مدرسة مصرية أو دولية، كما تقول باصهي، فالهدف يجب أن يكون دائما خلق بيئة صحية يتم فيها استخدام الأساليب الحديثة للتعليم حيث يكون التعلم وليس التدريس هو القيمة العليا التي تتميز بها المدرسة.

التعليم فن

وتقول باصهي ان "الوزارة تضع المناهج المقررة لكنها لا تلزم بأسلوب تدريس معين. شكل التنفيذ مفتوح للإبداع"، وهكذا عكفت فاطمة لمدة عام كامل على دراسة كتب ومناهج التعليم في مصر، وأضافت إليها كتبا أخرى وموارد تعليمية متنوعة حتى توصلت لتصور مبتكر في التعليم تكون فيه نسبة التعليم التقليدي (أي المدرس يعلم الطلاب) 30% فقط من وقت الحصة، وهي ساعة ونصف، بينما يخصص 60% للمراكز التعليمية والمجموعات التعليمية الصغيرة التي ينقسم فيها الطلاب للتفاعل في مجموعات صغيرة وليس ضمن الفصل الكامل مما يعطي لهم مساحة أفضل للتعلم والاستفادة. 

جغرافيا، تقع المدرسة في منطقة صفط اللبن، التابعة لمنطقة كرداسة بالجيزة، على بقعة خضراء حيث الهواء النظيف والمساحات الواسعة. وبدأت المدرسة، منذ بداية العام الدراسي (سبتمبر/أيلول 2012)، في عقد بعض اللقاءات واعطاء بعض الدروس لنحو سبعة من الطلاب دون مقابل كنوع من الإحماء حتى الحصول على الرخصة الرسمية من الحكومة المصرية وحتى الانتهاء أيضا من أعمال البناء، التي يشهدها الطلاب والأهالي بأنفسهم، ليعطيهم شعورا بالملكية والانتماء لهذا الكيان التعليمي الذي يتوقع مؤسسوه له الكثير. ومن المقرر أن تبدأ الدراسة بالمرحلة الإبتدائية ثم تتسع للمرحلة الإعدادية في السنة التالية.

تجتمع باصهي كل أسبوع مع المدرسين لوضع تصور لدمج وتفاعل المحتوى الدراسي للأسبوع التالي من مناهج الرياضة والعلوم والموسيقى والفن مع دمج التكنولوجيا واستخدام الكمبيوتر واضافة مواد بصرية تساعد في شرح المنهج بطريقة مبسطة بحيث يستمتع الطلاب بالعملية التعليمية.

في المرحلة الإعدادية، حيث من المهم أن يعرف طلاب المرحلة الإعدادية أي تخصص يرغبون في العمل فيه مستقبلا، يضع الطلاب تصوراتهم وأفكارهم لمشاريع مختلفة في معامل الدراما والإعلام والبيزنس.  

للمدرسة مجلس أولياء أمور يتشكل من 60 عضو، بينما يبلغ عدد المدرسين ثلاثة فقط في المرحلة الحالية، وكلهم من النساء، حيث يتم تدريبهن ومتابعة أدائهن للإشادة به في جلسات دورية مخصصة، ورفع كفاءتهن على تقويم الطلاب بدء من انتهاج أسلوب العقاب، وذلك عن طريق العمل على تغيير السلوكيات بالحديث المباشر مع الطالب على حدة. تقول فاطمة:"نريد خلق كوادر تعليمية محلية بنفس درجة كفاءة المدرسين المعتمدين لتدريس البكالوريا الدولية" International Baccalaureate.   

العنصر النسائي الثاني في المشروع هو ندى سمرة، المساعدة الإدارية ومنسقة المشروع، التي نقلت توأميها من مدرسة دولية بعد أن وجدت أن المناخ هناك لا يساعد على التعليم السليم. وتقول ندى:"كان هناك غش جماعي بمساعدة المدرسين وكان هناك ضرب للطلاب ومع الوقت وجدت طفلاي يتحدثان بطريقة غير مهذبة وألفاظ لم نعتد قولها".

تعلمت ندى ما يجب ألا يحدث في مدرسة يفترض أنها تهتم بالتعليم وليس هدفها الأول تحقيق الأرباح، فتركت عملها كمدرسة لتشارك فاطمة الحلم، باحثة عن كل جديد يمكن تطبيقه في المدرسة من ألعاب ترفيهية مبتكرة مثل تسلق الصخور في ملعب آمن للأطفال، لأنه "يجب اشغال الأطفال دائما لعدم ترك فرصة للشجار"، وتطبيق نظام اعادة تدوير للمخلفات بحيث يكتسب الطفل سلوكيات صديقة للبيئة، فيما تغذي المكتبة بكتب متنوعة في الموسيقى والألعاب إلى جانب برنامج قراءة شهير لدار "سكولاستك" للنشر Scholastic Guide Reading Program الذي يساعد الطلاب على قراءة ما بين السطور وفهم المعنى أكثر من مجرد القراءة المباشرة، بالإضافة لضم آلات موسيقية قريبا للعب. 

في سبتمبر/أيلول القادم، تبدأ الدراسة رسميا بالمدرسة لأكثر من مئتي طالب تم تسجيل أسمائهم بالفعل، والكل في انتظار الاعتماد الرسمي من الوزارة لكي يبدأ المشوار.

الخلاصة، كما تقول فاطمة باصهي، أن المدارس المصرية يمكنها أن تصبح ناجحة اذا ما تم تقويم التوجه وبدمج التكنولوجيا الحديثة، فالقصور ليس في المناهج بل في طريقة التنفيذ.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة