كيف نسرّع ريادة الأعمال في أفريقيا؟ [تقرير]

اقرأ بهذه اللغة

حمّل التقرير

حمّل

من الباعة المتحايلين على الأرصفة والشوارع إلى التقنيين الشباب والأثرياء العصاميين المتزايدين، تفيض قارة أفريقيا برواد الأعمال. ففي غياب شبكات أمان حكومية، ووظائف كافية لخريجي الجامعات، وفرص للشباب الفقراء، يلجأ الكثيرون إلى ريادة الأعمال لتأمين لقمة العيش لا أكثر. 

ومع ذلك، بات مؤخراً مصطلح "ريادة الأعمال" يشير إلى "النجاح والنمو" المنهجي بدلاً من أن يعني "طريقة عيش" أو وسيلة لتأمين لقمة العيش. وبات المصطلح الآن كلمةً شائعة عند صانعي الأعمال الخيرة ووكالات التنمية والحكومات والأفراد في أنحاء القارة. وقد أصبحت ريادة الأعمال "توجّهًا مهنيًّا" مقبولاً ومُشرَّع له في أفريقيا.

بيار أوميديار، وهو مؤسس شبكة "أوميديار" Omidyar Network، شركة الاستثمارات الخيرية العالمية، ومؤسّس "إي باي" eBay أيضًا، أطلق تقريراً عنوانه "تسريع ريادة الأعمال في أفريقيا" Accelerating Entrepreneurship in Africa بالاشتراك مع "مونيتور جروب" Monitor Group للبدء في النظر بهذا الموضوع. 

يشمل هذا التقرير المعمّق المؤلف من 48 صفحةً استطلاعاً لـ 582 رائد أعمال من ستة بلدان أفريقية تقع في جنوب الصحراء الكبرى (أثيوبيا، غانا، كينيا، نيجيريا، جنوب أفريقيا). وقد حلل نتائجه قادة حكومات وأعمال تجارية وفِكْر وقارنوها بنتائج نظرائهم في الصين والهند والولايات المتحدة. ويمكن اعتبار هذا التقرير باختصار واحداً من أكثر التقارير شمولية حول ريادة الأعمال في أفريقيا حتى الآن.

يُستهل التقرير بجملة: "على الرغم من الأخبار الاقتصادية الإيجابية والنزعات المشجعة التي انبثقت في أفريقيا على مرّ العقد المنصرم، تبقى الحقيقة المؤلمة أن سبل عيش الأفارقة اليومية لم تتمكن من مواكبة نمو الاقتصاد الكلي، كما أن مستويات حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في القارة لا تزال متدنية مقارنة مع باقي العالم".

يعتقد أوميديار أنه بإمكان ريادة الأعمال أن تعالج "فجوة الدخل القاسية" في أفريقيا، في حال تمكنت ريادة الأعمال من أن تتطور من "وسيلة ضرورية للعيش" إلى حالة "حيوية وقوية بما يكفي لتعزيز النمو الاقتصادي المستدام وتوليد سبل عيش مستدامة وطويلة الأجل في أنحاء القارة كلها".

باختصار، أراد كتّاب التقرير أن يفهموا ويسرّعوا هذه النقلة الواسعة النطاق لريادة الأعمال من نشاط غير رسمي إلى وسيلة لتنمية اقتصاد أفريقيا. 

بحث الاستطلاع في أربعة جوانب في بيئات أفريقيا الريادية:

  • أصول ريادة الأعمال: التمويل والمهارات والمواهب والبنى التحتية.
  • دعم مشاريع الأعمال: البرامج الحكومية واحتضان الحكومة للشركات الناشئة.
  • تسريع إصدار السياسات: الأعباء الإدارية والتشريعية.
  • الدوافع والعقلية: الشرعية والسلوك والثقافة.

لمن يريد معرفة المزيد حول السوق الأفريقية وعوائقها، لا بد له من مطالعة التقرير لكثرة تعمقه وتحاليله وفقاً لـ "فنتشور برن" Venture Burn. ومع ذلك لم ينبثق عن نتائجه أي شيءٍ مفاجئ، إذ يستخلص التقرير أنّ أبرز تحديات ريادة الأعمال هي التمويل والمهارات والمواهب والبنى التحتية.   

التمويل

كما هي الحال في أغلب الأسواق الناشئة، ما زال التمويل المؤسسي المتاح أمام رواد الأعمال محدوداً في البلدان التي جرى الاستطلاع فيها.

45% من رواد الأعمال قالوا إنّ مصادر تمويلهم كانت إمّا من مدخراتهم الخاصة أو من قروض عائلية، في حين أنّ أكثرية رواد الأعمال (71% منهم) قالوا إنّ تكلفة الحصول على القروض أو الديون أو رأس المال باهظة للغاية.

ونتيجةً لذلك، تشير مؤسسة التمويل الدولية (IFC) إلى أنّ ما يناهز 84% من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في أفريقيا هي إما لا تستفيد كثيراً من التمويل أو تُحرم منه أساساً، مسلطةً الضوء على أنّ الفجوة على صعيد التمويل الائتماني تتراوح بين 140 و 170 مليار دولار أمريكي.

غير أنّ الممولين من جهتهم يدّعون أنّ معظم المشاريع غير جديرة بالتمويل أو لا تبدو قابلة للاستمرار. ويعزي أصحاب رؤوس الأموال المخاطرة نقص الصفقات المبرمة في هذا الإطار إلى نقص خطط الأعمال السليمة وجودة وجدوى أفكار الأعمال والتزام رواد الأعمال.  

المهارات والمواهب

إنّ أبرز المشاكل التي تواجهها الشركات الناشئة في أفريقيا هي ذاتها التي تواجهها الشركات الناشئة في كافة أنحاء العالم: وهي إيجاد أصحاب المواهب الإدارية من ذوي الخبرة لضمهم إلى الفريق التقني. فإذا كان شخص ما مطوِّراً أو مهندساً بارعاً، فلا يعني ذلك بالضرورة أنّه سيكون مديراً أو رئيساً تنفيذياً بارعاً. 

نظراً إلى قلة التمويل والحوافز المتوفرة للموظفين في الشركات الناشئة (عدا عن إيمانهم بأنّ الشركة ستنجح في المستقبل)، غالباً ما تخسر الشركات الناشئة أفضل ما لديها من أفراد موهوبين، تسلبهم الشركات الأكبر والأكثر استقراراً مثل شركات الاتصالات والمصارف.

كما ترتبط محدودية المواهب الإدارية، وفقاً للتقرير، في كثير من الحالات، بالنظام التربوي.

"تركّز معظم النظم التربوية الإفريقية على تحضير القوى العاملة للعمل في شركات أكثر استقراراً. يؤدي التدريب الخاص بريادة الأعمال (أو غيابه) في النظام التربوي دوراً حاسماً على هذا الصعيد. إذ يُلزِم رواد الأعمال في أفريقيا بتلقي تدريب وتثقيف بما يسمح لهم بالنجاح في إنشاء أعمال تجارية أو تنميتها. إضافةً إلى ذلك، يحتاج رواد الأعمال إلى قوى عاملة ماهرة لتحقيق أهداف أعمالهم". 

البنى التحتية

ليس مفاجئًا أن تنتهي قائمة التحديات بنقطة البنى التحتية. ففي حين أنّ تقنية الألياف البصرية العالية السرعة للإنترنت قد مكنّت في بعض الأماكن مثل كينيا، رواد أعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من بناء التطبيقات وخدمات المحمول، يشكّل ضعف الانترنت ونقص البنى التحتية المادية في بعض الأماكن الأخرى عائقاً ضخماً. 

وجاء في التقرير: "إنّ حالة البنى التحتية الضعيفة في البلدان الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى تشكل عقبة كبيرة أمام نمو الشركات الريادية، وتؤثر بشدة على التكاليف المترتبة على رواد الأعمال وعلى قدرتهم على الوصول إلى السوق وعلى فعاليتهم".

ويبقى التحدي الأكبر الذي يواجه معظمهم في إدارة عملهم هو غياب الطاقة الكهربائية.

فيضيف التقرير: "إنّ إمدادات الكهرباء التي لا يمكن الاعتماد عليها وسوء نوعية الطرقات وشبكات السكك الحديدية ومحدودية اتساعها كلها تؤثر بشدة على تكاليف إنشاء عمل تجاري".

52% تقريباً من المجيبين في تنزانيا يرون أن الشركات الجديدة والنامية لا يمكنها تحمل تكاليف البنى التحتية المادية. 38% فقط من رواد الأعمال في أفريقيا يوافقون على أنّ البنية التحتية توفر ما يكفي من الدعم للشركات الجديدة والنامية و 23% فقط يرون أن الشركات الجديدة والنامية بإمكانها تحمل تكاليف استخدام البنى التحتية.  

قد يبدو الوضع في ما يتعلق بتسريع ريادة الأعمال في أفريقيا ميؤوساً منه أو على الأقل محبطاً بعض الشيء، فمسائل التمويل والمواهب والبنى التحتية لا يمكن إصلاحها بسهولة، إذ تتطلب إصلاحات منهجية واسعة النطاق لإعداد بيئة مواتية لرواد أعمال في المنطقة. 

ومع ذلك لا أحد يختلف على أنّ رواد الأعمال يحققون النجاحات على الرغم من التحديات التي يواجهونها. فستة من أصل الاقتصادات العشرة الأكثر نمواً تقع في جنوب الصحراء الكبرى. تخيل الإمكانيات المتاحة إذا تمكنت الجهات المعنية الفاعلة (من حكومات ومنظمات غير حكومية وجامعات) من إصلاح ما لا يجدي نفعاً الآن.

يقدم التقرير عدة توصيات للقيام بذلك، بدءاً بالحد من بيروقراطية الشركات التي لا تزال في مراحلها الأولى، من حيث النفاذ إلى التمويل الحكومي، إدراج تدريب ريادي ومهني في النظم التربوية الأفريقية، إقامة شبكات إرشاد وإعطاء الأولوية لتحسين البنى التحتية في مناطق إنتاجية مُختارة.

أما التساؤل الفعلي فيبقى ما إذا كان سيطرأ هذا التغيير بسرعة أو ببطء أو إذا كان سيطرأ من الأساس. ومع ذلك، بمجرّد وضع الإصبع على جرح التحديات واستعراضها، تمكن "أوميديار" و"مونيتور" من التقدم بالمسألة حتى ولو قليلاً في الاتجاه الصحيح.

الصورة من "آي هاب" iHub في نيروبي، كينيا. 

اقرأ بهذه اللغة

حمّل التقرير

حمّل

شارك

مقالات ذات صِلة