كيف يمكن لصناعة الموضة في لبنان أن تطلق إيلي صعب جديد

اقرأ بهذه اللغة

يعتقد كريكور جابوتيان أن الأمر بدأ مع هالي بيري. فقبل أن تفوز بأوسكار أفضل ممثلة عام 2002، لم تكن صناعة الموضة في لبنان معروفة كثيراً خارج أوساط الخليجيين، الذين كانوا يسافرون إلى المتوسط لشراء فساتين الأعراس وفساتين السهرات من مصممي أزياء محليين، وخبراء الأزياء المشاركين في عروض الأزياء اللبنانية النادرة.    

إلاّ أن ثوب هالي بيري الأحمر القاني الذي صممه إيلي صعب ـ القسم الأسفل منه حريري والأعلى شفاف مطرز ـ "بدأ مساراً جديداً للمصممين اللبنانيين" في الغرب، بحسب جابوتيان. وعندها فقط أصبح من السهل على أنجح المصممين في هذا البلد، عرض مجموعاته في باريس ولندن ونيويورك والانتقال إلى إطلاق خطوط ملابس جاهزة مربحة. 

بعد 11 عاماً من لحظة هالي بيري، يقود ثلاثة مصممين لبنانيين الموضة في هوليوود هم: صعب وريم عكرا وزهير مراد وجميعهم يواصلون لعب دور أساسي في أسابيع الموضة وعلى السجادات الحمراء المرموقة حول العالم.

غير أنه بعد نجاحهم العالمي، لم يتكرر أشخاص مثلهم. فإن كان صعب وعكرا ومراد فتحوا الأبواب مع تصاميمهم المميزة، لماذا لم يكن هناك مصممين غيرهم قادرون على حذو حذوهم؟ 

هل من الممكن لمصممين لبنانيين أن يحققوا قفزة من النجاح المحلي إلى النجاح الدولي؟ 

لا يوجد إجابة سهلة على هذا السؤال. فصحيح أن أصحاب المواهب المحلية الصاعدين بينهم جابوتيان، لديهم علامات تجارية مربحة، إلاّ أنهم يواجهون سوقاً مختلفة تماماً عن عالم الموضة الذي ولجه كل من صعب وعكرا ومراد قبل عشر سنوات. فأولاً تغيرت اقتصادات المنطقة، كما أن السياحة الخليجية تراجعت بشكل كبير. ففي البدء كان اهتمام الخليج بأزياء بيروت هو ما رفعها إلى مستوى لم تبلغه الموضة بعد في عواصم الثقافة العربية التقليدية مثل دمشق والقاهرة.

وشرح لي جابوتيان، في غرفة الاجتماعات المضاءة في مشغله في بيروت، كيف أن الخليج نظر إلى لبنان تقليدياً على أنه عاصمة الموضة الأنيقة. وقال "قبل الحرب كانوا يأتون إلى لبنان لإمضاء عطل الصيف. وكان لبنان مرتبطا بما يكفي بالثقافة العربية (كي يشعر الخليجيون أنهم في بلادهم) وفي الوقت نفسه غريباً بما يكفي لإمضاء عطلة". 

ولكن هذا العام شهد تراجعاً بنسبة 80% في سفر الخليجيين إلى لبنان عن العام الماضي. ويقول جابوتيان إن الخليجيين العرب "يخشون من القدوم إلى هنا" بسبب الوضع السياسي غير المستقر المرتبط بالحرب المستمرة في الجارة سوريا. ولكن حتى لو لم يكن هناك عنف سياسي مقلق، فإن الإنفاق تراجع بشكل عام منذ الركود العالمي عام 2008 والذي ضرب دول مجلس التعاون الخليجي بشدة. والآن تنتعش اقتصادات الخليج شيئا فشيئاً ولكن "الناس لم يعودوا أثرياء كما كانوا في السابق".

مع انكماش سوق الأثواب المصممة بعشرين ألف دولار، يتجه المزيد من المصممين اللبنانيين الشباب إلى الملابس الجاهزة، حيث يصممون مجموعات من الملابس المنوعة التي يتم إنتاجها بكميات، بدلاً من أثواب فردية يمكن ارتداؤها مرة واحدة. وهذا الاتجاه ليس حكراً على لبنان، فيشير جابوتيان إلى أن "التوجه العام في الموضة هو إلى الملابس الجاهزة. فالأمر كله يتعلق بالاستهلاك والموضة السريعة (مثل زارا وأتش أند أم إلخ). والناس تشتري الملابس التي يمكن ارتداؤها". 

واستفاد مصممون أمثال ميليا مارون من هذا الاتجاه. فـ بوتيك ميليا أم في الصيفي في بيروت يبيع قطع ملابس منوعة شفافة منذ عام 2003، وهو طريق ناجح لأي محل ملابس لمصمم واحد. وقد تلقت مارون مؤخراً استثماراً مهماً سيسمح لها بأن "تؤسس استوديو في المملكة المتحدة وتطور وجود علامتها التجارية هناك" بحسب ما يذكر موقعها الإلكتروني. أما نور الحاج التي تتوفر مجموعتها للملابس الجاهزة الآن في بوتيك سانتياغو في وسط بيروت، تحقق النجاح حتى الآن وهي أيضاً تختبر سوق الملابس الجاهزة. فهل سيتمكنون من التوسع بنجاح؟ 

أكبر تحديات القطاع 

أكبر تحدي يواجه الموضة في لبنان اليوم هو أن البنية التحتية ببساطة لا تدعم الإنتاج الضروري للملابس الجاهزة. والمصممون الذين لديهم الوسائل، غالبًا ما يذهبون إلى أوروبا للعمل في مجال الملابس الجاهزة ويعودون إلى لبنان لإنتاج فساتين مصممة. وقال المصمم المعروف ربيع كيروز للجريدة الـ "دايلي ستار" Daily Starts عام 2012، "في باريس، أطوّر مجموعتي للألبسة الجاهزة وفي بيروت أخصص وقتي بالكامل للزبائن: طلبيات خاصة وفساتين أعراس وفساتين سهرة". وجابوتيان نفسه بدأ طريقه الخاص: يجري حالياً مناقشات تتعلق بإطلاق خط ملابس جاهزة خاص به ينتجها في ميلانو. 

هذا يخلق تحديات في البنية التحتية للمصممين اللبنانيين الجدد الذين يتطلعون إلى مجاراة الاتجاهات الدولية في هذا القطاع. وتقول الحاج "الإنتاج الكبير مستحيل في لبنان". فخطه الخاص يتضمن ثلاث من كل قطعة، تقوم بخياطتها عند خياط في بيروت يعمل في المجال منذ ثلاثين عاماً. ويوافق جابوتيان على ذلك ويقول "ببساطة لا يوجد آلات ومصانع ومساحات مطلوبة لإنتاج الملابس الجاهزة في لبنان. وبصراحة، سيكون على من يريد أن يتخذ من بيروت مقراً لإنتاج الملابس الجاهزة أن يخوض معركة كبيرة".

بذل كيروز جهداً ليعالج شخصياً التحديات التي واجهها مصممون لبنانيون شباب في قطاع يشهد تغييراً مستمراً. ففي عام 2008، (إلى جانب رائدة الأعمال تالا حجار وبالتعاون مع عملاقة التطوير سوليدير) أسس "مؤسسة ستارتش" Starch Foundation وهي حاضنة للمصممين الشباب تقدم لهم التوجيه والترويج والفرصة لبيع تصاميمهم لعام واحد في بوتيك ستارتش في الصيفي في بيروت. 

كان جابوتيان أحد أوائل المصممين المتخرجين من البرنامج ـ باع أول قطعة وكانت بذلة سوداء حريرية في بوتيك ستارتش ـ ويعيد الفضل لنجاحه في البداية إلى الحرية التي منحها إياها البرنامج للعمل فضلاً عن لائحته الكبيرة من المشاهير في الموضة وكبار الزبائن (لائحة حصل منها على أول تكليف له). 

وتقول تالا حجار إن جميع المصممين الـ19 في ستارتش "يقدمون مساهمة كبيرة في الموضة المستقلة الناشئة وقطاع التصميم في بيروت. وقالت لي الرسامة ومصمم الطباعة تيمي حايك، من أحدث فناني ستارتش، إنها تأمل بأن يسمح لها البرنامج بأن تكسب رزقها من الفن ـ وهو أمر، خصوصاً في الجو الاقتصادي الحالي في العالم، بعيد المنال. 

يبدو جاوبتيان على وشك الانطلاق عالمياً ليصبح الاسم التالي المشهور عالمياً في الموضة اللبنانية. فثمن فساتينه يصل إلى 35 ألف دولار وخطه المقبل للملابس الجاهزة لديه الإمكانيات ليدعم افتتاح متجر مستقل. 

هذا النوع من النجاح قد يكون بعيد المنال بالنسبة لمصممين في المراحل الأولى من مسيرتهم، خصوصاً الذين يقودون التغيير العالمي نحو الملابس الجاهزة. غير أن مبادرات مثل ستارتش قد تكون جزءاً من الإجابة حيث تسمح للمزيد من المصممين بتحقيق النجاح في مجالات اختصاصهم. 

الحلول متوفرة حتى إن كان الإنتاج في لبنان باهظ الثمن، فدول أخرى في المنطقة مثل مصر، لديها مصانع وآلات ويد عاملة يمكنها أن تكون أقل ثمناً من أوروبا. ويعود الأمر للجيل التالي من المصممين اللبنانيين ليقوموا بهذه القفزة.  

ولكن نور الحاج، متفائلة ووطنية أيضاً حيث تقول "أنا مصممة لبنانية، ورغم أن دراستي وأول عمل لي كانا في باريس، لا أزال أعتقد أن الجانب الجمالي لديّ كوّنته هويتي.. اليوم بدأ مصممون لبنانيون يكتسبون الشهرة عالمياً وأنا أريد أن أكون جزءاً من هذه الحركة".   

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة