إعادة النظر بالعلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا

اقرأ بهذه اللغة

  

في عصرنا هذا، باتت التكنولوجيا الحلّ لكلّ شيء وأصبحنا ننبهر بكلّ جديد تقدّمه لنا، ما حثّ الكثير من الفنانين وخبراء التكنولوجيا وعلماء النفس والمربّين والمفكّرين على التساؤل: هل نحن أفضل حال من دون التكنولوجيا؟ هل نزداد ثراءً فكرياً عندما نتأمل العالم من خلال محركات البحث والشبكة العنكبوتية؟ ما الذي سيحلّ بالفن والثقافة والهوية مع انتشار التكنولوجيا الواسع والمتزايد؟ ما الذي ينتظرنا؟  

قبل بضعة أشهر، نشرت مقالاً صغيراً انتقد مجموعة من الحجج التي قدّمها باحثين وخبراء حول دور التكنولوجيا في التعليم. ولاحظت أن كل النقاشات التي دارت حول موضوع التكنولوجيا تتمحور حول كون معظمنا غير مجهّز لمعالجة هذه القضايا بطريقة معقّدة وجادة. 

والحقيقة هي: وضع التكنولوجيا الراهن غير مرضٍ. فهو، بطرق مختلفة، يسرق منّا إنسانيتنا أكثر مما ينمّيها. وقد تحدّث هنا مع أصحاب أسهم وهواة تكنولوجيا لأناقش العناصر التي تساهم في تقدّم الإنسان وهي ثلاثة: التجاوب الثقافي، التعبير الفنّي والذكاء المرتبط بالوجود. 

التجاوب الثقافي  

يبقى أن كثيرون يعتبرون أن الانترنت ووفرة الأجهزة التي تحيط بنا قد مكّنت الناس من التعبير عن أنفسهم والنفاذ الى المعلومات. لم يسبق يوماً أن تمكّن أناس من أماكن بعيدة جغرافياُ ومن خلفيات مختلفة بالتواصل والمشاركة والتعاون. 

أولاً، قد يبدو الأمر بديهياً الا أنه قابل للنقاش. فعوضاً عن الاحتفال بالتنوّع البشري من خلال نشر خصوصياتنا وتعقيداتنا الشخصية، ساهمت التكنولوجيا المعاصرة، بشكل متزايد، في تدمير الهوية والتعبير عن الذات وتقليصه. ويعتبر جارون لانيه، أب الحقيقية الافتراضية وكاتب "أنت لست لعبة" You are not a gadget أفضل من عبّر عن هذا الموضوع.

فهو ذكر أنّ الويب 2.0 ونهضة الإنترنت قد فسحا مكانًا للإيجاز والاختصار، وأنّ صفحات الويب الفردية التي ظهرت في أوائل التسعينات كانت تتميز بطابع شخصيّ أكثر. حافظ "ماي سبايس" MySpace على هذا الطابع بعض الشيء، إلا أنّ فايسبوك صنّف الأشخاص ضمن فئات وأتت "ويكيبيديا" لتزيل وجهات نظر الناس نهائيًّا.     

لو قامت الكنيسة أو الحكومة بهذه الأمور، لكان الأمر استبدادياً. ولكن، عندما يكون بذلك أخصائيو التكنولوجيا، يبدو الأمر جديداً ومبتكراً. يتقبّل الناس الأفكار عندما تُقدّم لهم بشكل تقني فيما يعتبرونها مشمئزة لو تقدمت لهم بأي طريقة أخرى. 

ثانيًا، تُمحى الثقافات التي تصبح ثقافات رقمية لا تعكس إلى القليل عن تاريخها، ونفوّت علينا نحن، المستخدمون والضليعون في التكنولوجيا، فرصة التعرّف على هذه الثقافات لأننا مشغولون بملذات العالم الرقمي.   

لا بد أن نفكّر بروعة المخطوطات التقليدية، على غرار خط "نستعليق" والخطوط الشرقية، التي وقعت ضحية رتابة الخط الرقمي لأن تشفريها كان عملية صعبة. ويتأسف "علي إتيراز" أن المتحديثن باللغة الأردية عليهم اللجوء الى النسخ للتعبير عن نفسهم في لغة تضم 11 حرفاً إضافياً عن الأبجدية العربية.  

كثيرة هي الأمثلة التي تظهر أنّ العالم الرقمي، يوحّد التنوّع البشري بدلاً من إظهاره. 

التعبير الفني  

توافق الفنانون المحترفون ضمنياً على أن الوضع العام الحالي للفن مرعب- إن جاز التعبير. 

العام الماضي، نشر إيان براون مقالاً مستفزّا في "ذي جلوب أند مايل" The Globe and Mail  للتحدث عن كيف يساهم النفاذ الواسع والشعبي للتصوير في ولادة "طفرة لا تُصدّق من الرداءة". بكلمات أخرى، كلّما زاد النفاذ إلى الموارد والتكنولوجيا، تراجع المضمون والنوعية. 

في مقالي السابق، اقتبست فولفيو بونافيا عندما شرح أن العمل اليدوي أساسيّ ليؤسّس نفسه كفنّان. ويتقاسم المصورون المشهورون عالمياً على غرار إليوت إرويت ونداف كاندر ودافيد جولدبلات وأوليفيرو تسوكاني وإرنستو بازان، (على سبيل الذكر لا الحصر) الملاحظات والمشاعر ذاتها في ما يتعلّق بتراجع الفن والحاجة الى العودة الى مواقف أبطأ سرعة وأكثر ذاتية.

(إقرأ "فوتو ويزدزم: أسياد التوصير يتكلمون عن فنهم" Photowisdom: Master Photographers on Their Art ) 

ومن وجهة نظر تقليدية، يكمن هدف الفن في التعريف عن الفنان. ويعتبر الأفراد الذين يتأملوا الأعمال الفنية أن هذه الأعمال هي روح الفنان أو شخصيته. واكتشاف ذلك يتطلب الصدق والتواجد والتأنّي والصبر طوال العمر. 

ولكن، مع ازدياد وسائل التصوير السريعة والثقافة المادية الأنانية، تخلى الهواة وفنانو العصر الجديد عن الفلسفات العميقة القديمة لصالح التسلية واستهلاك الصور بشكل غير طبيعي. 

والنتيجة؟ زحمة بيانات رقمية بدلاً من فنّ. 

الذكاء المرتبط بالوجود 

عند التحدث عن فلسفة التكنولوجيا، لا بد من قراءة "قوة الصبر" الذي كتبته أستاذة تاريخ الفنون والهندسة في جامعة هارفرد، جينيفر ل. روبرتس. وتتحدث روبرتس عن الضرورة الانسانية لتعليم الطلاب قيمة التباطؤ والتركيز المعمّق. وتضيف أن أحد الفروض الذي تطلبه من طلابها هو أن يحدّقوا بعمل فني طوال ثلاث ساعات في متحف بعيداً عن محيطهم اليومي وأي مصدر الهاء. وتكتب أنّ الناس يتوقعون أن يروا كافة خفايا اللوحة مباشرة وبطريقة فورية وغير معقدة، لهذا السبب أصبح استهلاك المعلومات الرقمية شعبيًّا جدًّا.

الا أن ما تعلّمه الطلاب من هذا الفرض هو أنه في كل عمل فني توجد تفاصيل تتطلّب الكثير من الوقت لملاحظتها. ويكشف لهم هذا التمرين أن النظر الى أمر ما لا يعني أنه متوفر  فوراً في وعيهم أو بعبارات أخرى، النفاذ إلى أمر ما ليس مرادفًا للتعلّم.   

التعلّم يتحقّق عند تخصيص الوقت والصبر للنظر إلى أعماق الأمور. 

وبالنسبة لنا، كلّما كان المحتوى الرقمي أسرع، كان أحسن. إلا أن التباطؤ ضروريّ للتعلّم. وتضيف روبرتس "التأخير ليس مجرد عقبات جامدة تعيق الانتاجية لا بل قد تكون بنفسها منتِجة." 

ولا بد من التذكير بأن ميزات التمهّل ليست حكراً على الفنون. فقد لاحظت عالمة النفس واستاذة في معهد ماساتشوستس للتقنية، شيري توركل ، أننا نخسر الجزء الانساني والصريح في علاقاتنا مع بعضنا البعض. ويعزى الأمر، جزئياً، الى عجزنا عن منح بعضنا البعض الانتباه الكامل. وكتبت توركل في مقال نشرته على "نيويورك تايمز" بعنوان "الهروب من المحادثات" The Flight From Conversation” : 

تكشف لنا المحادثات وجهاً لوجه الكثير وتعلّمنا الصبر. عندما نتواصل عبر أجهزتنا الرقمية، نتعلّم عادات مختلفة. ومع تكثيف حجم وسرعة التواصل الالكتروني، نتوقّع تلقي أجوبة بسرعة أكبر. ومن أجل الحصول عليها، نطرح أسئلة أكثر بساطة ونتخلى عن التواصل حتى عن أكثر القضايا أهمية. وكأننا جميعاً نعيش داخل قنوات الكابل الاخبارية. لو كان شايكسبير حياً لقال: "يدمّرنا ما كان يغذّينا." 

وقد قلّص اهتمامنا الدائم بما يظهر على شاشات أجهزتنا مدى اهتمامنا وتقبّلنا للأوضاع الأقل تحفيزاً. لم نعد قادرين على إجراء محادثات حقيقية. كما أننا لا نتحمّل الصمت المطوّل وفقدنا فنّ التأمل. ويبدو أن الالهاء والذهن الشارد والاندفاع هي ميزات النسخة الأخيرة من إنسان اليوم. 

بعض المطاعم اليوم تقدّم حسمًا لكلّ شخص يضع هاتفه جانبًا عند تناول الطعام. 

تعريف التكنولوجيا على طريقتنا الخاصة 

يبدو أن النموذج السائد هو الاهتمام بالتقدّم التقني لا بالتقدّم البشري.  

لا شك أننا في قلب العصر الرقمي. يتمّ اختراع كل أنواع الأدوات والأجهزة الرائعة لتتناسب مع الحاجات الفردية. الا أن الافتراض الأساسي خاطئ: نفترض،  بشكل خاطئ، أن النظرة العالمية المتقنة للتكنولوجيا قد تشمل كل الاختلافات والميزات الثقافية والفردية وتمثّلها بطريقة دقيقة وجدية أو حتى تستبدلها. 

تعتبر التكنولوجيا من المسلّمات وتعريفنا لما هو ممكن غالباً ما يكون محدوداً ومقيّداً. ومن أجل أن تشكّل التكنولوجيا دعماً مفيداً للتواصل الحقيقي والتعبير الفني والإثراء الثقافي، لا بد من العودة الى نقطة الصفر والتفكير، وتصميم أدوات جديدة ومبتكرة وفقاً للمبادئ الانسانية. ولكن، عوضاً عن أن نطالب بأن تنتج عقولنا المبدعة تكنولوجيا ترتكز على الانسان، تقبَّلنا أن يركّز الانسان على التكنولوجيا. 

وعلى الصعيد المحلي، قلّدت حتى الآن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الفكر الغربي حول التقدّم التقني من دون أن تتسائل يوماً ما إذا كان يجدر بها أن تسلك الطريق ذاته. ويبدو أنّنا أخطأنا حين ظننا أن استخدام نجاح آخرين وابتكاراتهم سيكون كافيًا. 

لقد حان الوقت للعقول الشجاعة والحرة أن تدرس بامعان وتتسائل وتتحدى وتعيد تحديد التطور بشروط أكثر انسانية واستجابة. فمستقبل حضارتنا يعتمد عليها.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة