هل يمكن أن يعزل الإنترنت المجتمعات عن بعضها البعض؟

اقرأ بهذه اللغة

يعبّر فيديو شيمي كوهين "ابتكار الوحدة" The Innovation of Loneliness الذي أطلق هذا الصيف، واقعًا بتنا نلمسه يوميًّا في حياتنا. وأفلام مثل "هي" Her لـ سبايك جونز تلغي حاجة الإنسان إلى التواصل مع غيره، وسط مجتمع بات بني علاقاته في عالم افتراضي.  

يستند الفيلم على أحد خطابات "تيد" TED تحت عنوان Connected, but Alone? (أي متواصل مع الناس لكن وحيد)، حيث تناقش شيري تاكل التالي:"نحن نتوقع المزيد من التكنولوجيا والأقل من بعضنا البعض"، موضحة أنّ الإنسان، حين يشارك معلومات يدقّق بها مسبقًا ويتحكّم بها، وحين يجري أحاديث سطحية مع أشخاص على الإنترنت، بهدف تسويق ذاته بدلاً من إقامة تفاعل حقيقي، يصبح يومًا بعد يوم أكثر عزلة ووحدةً، في حين تقل قدرته على البقاء وحيداً أيضاً.

وهكذا، أصبح الإنترنت يعزل مجتمعات عن بعضها البعض، لكن يرى البعض أن الأمور لا تتحرّك بهذه السرعة. فقد قام الكثير من المفكرين بدحض حجة تاكل المتعلقة بـ "الثنائية الرقمية" Digital Dualism والتي تقوم على أساس أننا نملك حياتين منفصلتين، واحدة حقيقية وواحدة افتراضية، وأنه على إحداهما أن تتصدر الأولوية على الأخرى. ومن أشهر أولئك المفكرين نذكر ناثان جورغينسون الذي يناقش في مقاله بعنوان "مقارنة بين الثنائية الرقمية والواقع المعزّز" Digital Dualism versus Augmented Reality أنّ التفاعلات الرقمية ليست بطبيعتها أكثر سطحية من التفاعلات غير الرقمية، فالأمور التي تشاركها على الإنترنت هي أمور فكّرت فيها في عالم الواقع أولاً.  

ولدحض فكرة أنّ فايسبوك وتويتر يفسدان عقولنا، أشار دايفيد بانكس إلى بيانات تظهر أن لاستخدام الإنترنت عدة ميزات، من ضمنها "توطيد الروابط العائلية، السماح للشباب بإيجاد شبكات داعمة، والسماح لأصحاب المشاريع في المناطق المعزولة بالوصول إلى معارف أعمال قيّمة."

على الرغم من أنّ استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لمشاركة الصور والمعلومات يجعلنا أكثر عرضة لنسيان لحظة التقاط هذه الصور، وعلى الرغم من أنّ استهلاك المزيد من المحتوى بطريقة أسرع يؤدي إلى صعوبة في التركيز على المواد المعمقة، فهذا لا يعني الوسائط الرقمية تجعلنا أكثر عرضة للنسيان. فهذا يمكن أن يحدث لنا حتى لو قرأنا مقالات لم تكن على الإنترنت. وإن قرأنا يوميًّا عدة مقالات قصيرة غير رقمية فهذا قد يمنعنا أيضًا من التركيز على قراءة كتاب طويل. لكنْ ما يقوم به الإنترنت هو تسريع العملية أكثر وجعلها وسيلة تفاعل مفضّلة.  

ربما يساهم الإنترنت في تشتيت انتباهنا بالفعل، إلا أنه لا يؤدي إلى غزل المجتمعات أو تجزئتها، وهذه على الأقل ليست الحال مع رواد الأعمال التقنيين في الشرق الأوسط. إذ تزداد علاقات هذه الجماعات الرقمية مع الجماعات غير الرقمية؛ ومع ازدياد تواجد الجماعات على الإنترنت، يتسارع أعضاؤها أي رواد الأعمال في أنحاء المنطقة إلى المشاركة في فعاليات إقليمية على أرض الواقع.

إذاً، فيما يعتمد الجيل الجديد على نفسه أكثر فأكثر، من المستبعد أن تزداد عزلة رواد الأعمال بما أنهم سيجدون على الأرجح المزيد من الدعم في السنوات المقبلة سواء من محيطهم المباشر أو على الصعيد الإقليمي.

الكثير من رواد الأعمال الأوائل اعتمدوا على أنفسهم، لكن انطلقت مساحات عمل مشتركة تسهّل بعض المهام على الرواد، مثل "نيو وورك لاب" New Work Lab في تونس و "آلت سيتي" و"كو ووركنج +961" Coworking +961 في بيروت و"آيس كايرو" icecairo وحتى مساحة "تصميم أم إي" المشتركة الجديدة في عمّان، وتشهد هذه المساحات شعبية كبيرة هذا العام (حتى أنّ "مايك" MAKE في دبي قد تتمكن من التعويض عن الفراغ الذي تسبب به إغلاق "ذو بافيليون" The Pavilion). ونجد أيضًا مسرعات نموّ مثل "فلات 6 لابز" Flat6Labs و"أويسس 500" تتوسّع إقليمياً فيما تواصل "عرب نت" مقاربتها بالتوسع في عدة مدن، وتستمر "ومضة" في جمع رواد الأعمال مع بعضهم البعض ليناقشوا تحدياتهم خارج شبكة الإنترنت، بفضل فعالية "ميكس أن منتور" (التواصل والإرشاد) Mix N’ Mentor.

أستبعد أن يصبح هذا المجتمع الذي يتشارك التحديات والأهداف نفسها أكثر عزلةً فقط لأنه يتواصل عبر الانترنت.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة