كيف يؤثر الوضع الاقتصادي في تركيا على الشركات الناشئة؟

اقرأ بهذه اللغة

بلغ الإندفاع على تأسيس الشركات الناشئة في تركيا ذروته العام الماضي. وآنذاك وصفت مجلة الـ"إيكونومست" The Economist قطاع الشركات الناشئة في هذا البلد بأنه "حالة ازدهار على البوسفور". وقبل عامين، أشيد بـ"تايغر" Tiger التركية للإنترنت بأنها فرصة استثمار ذهبية خلال مؤتمر "ديجيتال لايف ديزاين" DLD في ميونخ في ألمانيا.

ولكن ليس كل ما يلمع ذهباً. فبعد تسعة أشهر على التأكيد بأن قطاع الشركات الناشئة المكتظ في تركيا يحمل وعوداً، صنّفت الـ"إيكونومست" تركيا بأنها السوق الناشئة الأضعف في العالم بسبب جمود تدفقات الرساميل إليها.  

واليوم، يترسّخ هذا الواقع أكثر. ففضيحة الفساد السياسي التي بدأت في 17 كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي كلّفت الاقتصاد التركي، 100 مليار دولار في أسبوع واحد وتراجعت الليرة أمام الدولار واليورو إلى أدنى مستوى في تاريخها. وانخفض المؤشر الرئيسي للبورصة التركية بنسبة 9% منذ بدء الفضيحة وهو أمر جيد للصادرات ولكن ليس للاستثمار.

وحاول وزير الاقتصاد التركي المعيّن حديثاً نهاد زيبكجي، تخفيف تأثير الفضيحة، معتبراً أن الخسارة الثقيلة كانت ببساطة "استراحة الاقتصاد التركي أثناء التسلّق". غير أن هذه الاستراحة كانت كافية لدفع المستثمرين الأجانب إلى مغادرة السوق حتى أنها أزعجت الأتراك الذين اعتادوا على هذه التقلبات في الماضي قبل الانهيار الاقتصادي عام 2001.  

وجاء قرار الاحتياطي الفدرالي الأميركي في 19 كانون الأول/ ديسمبر، بتخفيف شرائه للسندات، رغم أنه كان متوقعاً، فقط ليعقّد الخروج من تركيا أحد الأسواق الناشئة التي اعتبرها مصرف "مورغان ستانلي" في آب/ أغسطس 2012، خامس سوق ضعيفة بعد جنوب افريقيا والهند والبرازيل واندونيسيا.

غير أن رد زيبكجي لم يكن  متهوراً. ففي السنوات العشرة الماضية، ارتفعت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من ثلاث مرات في ظل الحكومة الحالية من 3.553 دولار عام 2002 إلى 10.524 دولار عام 2011 . وترافق ذلك مع ارتفاع بنسبة 5.2% في الناتج المحلي الإجمالي في السنوات التسعة الماضية. وتريد الحكومة أن تصبح تركيا واحدة من أهم عشر اقتصادات في العالم بحلول 2023، مع حصة للفرد من الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 25 ألف دولار. ولكن ما تفعله الحكومة للوصول بناء إلى هناك يزداد غموضاً.

قبل أن نأخذ استراحة، دعونا نقارن خسارة المائة مليار دولار مع الإنفاق الضئيل على البحث والتطوير الذي بلغ 7.25 مليار في العام 2012. وصحيح أن زيبكجي كان يطمئن المستثمرين إلاّ أن الكثير من رواد الأعمال كانوا قد بدأوا بتغيير استراتيجياتهم القصيرة المدى واعتماد سياسات تضمن صمودهم، وربما أجّل الكثيرون خططهم لتأسيس شركة في السنوات القليلة المقبلة. 

بشكل عام، قد تكون البيئة الحاضنة الريادية خسرت ثلاث سنوات من النمو والتحسّن بسبب التراجع الاقتصادي.

وأظهر بحث أجرته كلية آي إي أس إي للأعمال IESE Business School، حول انجذاب الدول لصناديق الرساميل المخاطرة وشركات الأسهم الخاصة، كيف تغيّر المستوى في السنوات الثلاثة الأخيرة في "الأسواق الخمسة الأكثر ضعفًا": وقد سجّلت تركيا أكبر تراجع.

انجذاب صناديق الرساميل المخاطرة وشركات الأسهم الخاصة إلى الأسواق الأكثر ضعفًا

 

المستوى عام 2011

المستوى عام 2013

التغيير منذ عام 2011

إندونيسيا

49

47

-2

برازيل

33

36

3

تركيا

37

33

-4

إفريقيا الجنوبية

31

30

-1

الهند

28

29

1

على الرغم من أن هذا يثير القلق ظاهرياً، إلاّ أن رواد الأعمال في تركيا معتادون على الظروف الاقتصادية غير الثابتة والبيئة الحاضنة الضعيفة، بحيث أنّ أي شيء ممكن أن ينهار في أي وقت. ولأسباب كثيرة، كانت استجابات تركيا للأزمات الاقتصادية أكثر ليونة من البلدان الأخرى التي هي في طور النمو، حيث الاستقرار الاقتصادي يكاد يكون أمراً مسلماً به. ومن هذه الأسباب، عدم ثقة تاريخية بالمصارف، وتوقّع انهيارات دورية ومعدلات ديون شخصية منخفضة نسبياً، والتي ترتفع بشكل مطرد إلى مستويات مقلقة مقارنة بارتفاع الأجور. 

غير أن إرسان أوزير، مثال أعلى للبيئة الحاضنة الريادية للإنترنت في تركيا منذ 1999، قال إنه لم يفقد الأمل بشركاته أبداً. وأضاف "إذا عملت في اقتصاد غير مستقر مثل تركيا فستختبر أزمات. التركيز الوحيد في مثل هذه الفترات يجب أن يكون على الصمود. ولا شيء آخر".

قد يكون كلام أوزير واقعياً ولكن حتى لو كان رواد الأعمال يعرفون كيف يصمدون في مثل هذه الفترات في الاقتصادات الناشئة، إلا أنّ الوضع يُضعف قدرتهم على المنافسة في السوق العالمية. وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تجعلنا نرى القليل فقط من قصص نجاح عالمية من أسواق ناشئة. وتسمح الظروف الفوضوية لرواد الأعمال بإعداد استراتيجيات على المدى القصير.

ينصح بامير جيلينبي من "هامينغبيرد فنتشرز" Hummingbird Ventures ، وهي شركة رأسمال مخاطر في مدينة أنتويرب ولها استثمارات في تركيا، رواد الأعمال بالتركيز فقط على السنتين القادمتين. ويوضح "من المهم أن يربط رواد الأعمال الأتراك الأحزمة ويضمنوا أن يكون لديهم تمويلاً للأشهر الـ24 المقبلة لأني لا أتوقع الكثير من النشاط الاستثماري في السنتين المقبلتين".

أما جيم سيرت أوغلو الشريك في صندوق "ايرليبيرد ديجيتلا إيست" Earlybird Digital East Fund ، وهو شركة تستثمر بالشركات في مراحلها المبكرة، فيركز على أوروبا الوسطى والشرقية وعلى تركيا، ويقول إن شركته تبقى ملتزمة بالفرص الاستثمارية في تركيا ومتحمسة لها على الرغم من الاضطرابات السياسية الأخيرة.

وبغض النظر عمّا إذا كان التفاؤل أو التشاؤم سيد الموقف بين المستثمرين، من الواضح أن المشاكل الأخيرة أعادت رواد الأعمال في تركيا إلى واقع يواجهه الكثير من نظرائهم في الأسواق الناشئة. فهم مجبرون على التركيز على حل مشاكل محددة في السوق وتطوير استراتيجيات قصيرة المدى من أجل الصمود. فمن أجل أن تكون ريادياً ناجحاً في هذه البيئة، عليك أن تعلم تمامًا كيف تتصرّف خلال الأزمات.

وفي الختام، ما حصل في الاقتصاد التركي منذ آب/ أغسطس، قد لا يغيّر طريقة تفكير رواد الأعمال، إلا أنّ المشكلة الوحيدة هي الوقت الذي خسروه فيما حاولوا أن يصبحوا لاعبين عالميين. وهم يحلمون لو كان باستطاعتهم تركيز طاقتهم ووقتهم على أعمالهم مثلما يقوم نظرائهم في الدول المتطورة. 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة