‘كاربول أرابيا‘ نحو خفض زحمة السير في الإمارات

اقرأ بهذه اللغة

لم تولد أفضل أفكار روّاد الأعمال التجارية على الطريق، ولكن تلك كانت حالة الشركة الناشئة التي أنشأها الفرنسيّ بنجامين دو ترساك في الإمارات العربية المتّحدة.

"من خلال تنقّلي اليوميّ بين دبي وأبو ظبي، استخلصتُ بعض الملاحظات التي تبدأ بأنّ معظم السيارات يركبها شخصٌ واحدٌ هو السائق." يقولها دو ترساك في حديثٍ إلى "ومضة"، متابعاً أنّه "وبسبب زحمة السير، كان يستغرقُني نحو ساعتَين لأصل إلى المكتب، كما كان أشخاصٌ آخرون في مكان عملي يواجهون المشكلة نفسها [تستغرق الطريق عينها حوالي ساعة وعشر دقائق في غير ساعات ذروة الزحمة]."

أمّا التنقّل في سيارة أجرةٍ لم يكن خياراً منطقياً وفقاً لدو ترساك، لـ"يخفّض من توتّره كمتنقّلٍ"، لأنّ ذلك ليس فعّالاً من حيث التكلفة على المدى الطويل. فالتنقّل لمرّةٍ واحدةٍ في سيّارة أجرةٍ من دبي مارينا إلى كورنيش أبو ظبي لمسافة 124 كم تقريباً، تكلّف ما معدّله 230 درهماً إماراتياً (63 دولاراً أمريكياً). وبعد ضرب هذه النفقة اليومية باثنين لاحتساب العودة إلى دبي، وبعشرين مرّةٍ في الشهر، سيصبح لديك نفقةً شهريةً ضخمةً تبلغ 9200 درهم (2500 دولار أمريكي).

وبما أنّ أسعار النفط في الإمارات هي من بين الأدنى في العالم، حيث يكلّف الجالون الواحد حوالي 6.50 درهماً (1.77 دولاراً)، يصبح من الأوفر أن يستقلّ المواطنون سيّاراتهم.

وهكذا خطَرَت الفكرة العبقرية لدو ترساك، الذي يقطن في الإمارات منذ ثلاث سنوات. وهي تقضي بتقديم حلٍّ يساعد الركّاب والسائقين على تشارك الرحلات في السيّارات وتكاليفها، وبالتالي خفض زحمة السير وإفادة البيئة.

ومن هنا وُلدت "كاربول أرابيا" Carpool Arabia.

يقدّم الموقع الإلكتروني الخاصّ بدو ترساك، الشريك المؤسِّس لـ"كاربول أرابيا" ورئيسها التنفيذي، منصّةً يمكن للركاب والسائقين من خلالها التسجل وإيجاد مستخدِمين يتنقّلون على الطريق عينها. ومقارنةً بمتوسّط أجرة التاكسي الذي ذكرناه أعلاه، فإنّ رحلة الـ124 كم عند تشارك السيّارة تكلّف ما بين 25 و 40 درهماً (7 إلى 11 دولاراً أميركياً للشخص الواحد).

في غضون ذلك، يبدو أنّ دو ترساك مصيبٌ في تفكيره. إذ تنظر الحكومة الإماراتية حاليّاً في عددٍ من التدابير لخفض الزحمة على الطرقات، وبخاصّة في إطار الاستعداد لمعرض "إكسبو 2020 دبي". وفيما أصبح تشارك السيارة carpooling أمراً قانونياً عام 2008، أخبر المدير العام لبلدية دبي حسين لوته مؤخّراً منتدى أعمالٍ في مدينة هامبورج، أنّ مستوى زحمة السير الحالي في البلاد "لن يدوم وسوف نبذل كل الجهود للحدّ من عدد الرحلات بالسيارات الخاصّة."

في السياق، يظهر أنّ الحكومة محقّةٌ في قلقها. فوفقاً لهيئة الطرق والمواصلات (RTA) في البلاد، فإنّ كلّ 1000 شخصٍ يملك ما يقارب 541 سيارةً في دبي وحدها. وهذا العدد يفوق بكثيرٍ معدّل السيارات في مدينة نيو يورك (444 سيارةً لكلّ 1000 شخصٍ) ولندن (345) وسنغافورة (111).

وفي ديسمبر/كانون الأول 2013، بلغ عدد السيّارات المسجّلة في الإمارات 1,240,931 سيارةً، أي بزيادةٍ بلغت نسبتها 8% عن الفترة عينها في العام 2012، حيث كانت يبلغ عددها 1,137,748 سيارةً.

وخلال اجتماعٍ للحكومة عام 2014، قال الرئيس التنفيذي لمؤسَّسة الترخيص في هيئة الطرق والمواصلات، أحمد هاشم بهروزيان، إنّ هذه الزيادة لأكثر من 100 ألف سيّارةٍ في العام الواحد، "مرتفعةٌ جداً بالنسبة إلى مدينةٍ صغيرةٍ مثل دبي التي يبلغ عدد سكانها 2.5 مليون نسمة."

وإذا استمرّ المعدّل الحاليّ لملكيّة السيّارات على ما هو عليه، سيصبح لدينا 1.5 مليون سيّارةً مسجّلةً في دبي بحلول العام 2020

إطلاق المنتَج

أبصرَت "كاربول أرابيا" النور خلال "ستارتب ويك أند دبي" Startup Weekend Dubai، أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2013. وحدث ذلك بالصدفة في عطلة نهاية الأسبوع عينها التي تعرف فيها دو ترساك إلى شريكه التجاريّ، جييوم أرنوGuillaume Arnaud. وهذا الأخير أصبح الآن الشريك المؤسِّس للشركة، والرئيس التنفيذي للمنتَج Chief Product Officer. 

في الصورة، دو ترساك (إلى اليمين) وأرنو (إلى اليسار).


وعن هذه التجربة، يخبرنا هنا دو ترساك: "لم أكن أعرفه من قبل، غير أنّ البرنامج الذي دام 54 ساعةً، ساعدنا على إيجاد الكثير من المصالح المشتركة التي قد تتأتّى من إنشاء مشروعٍ على الإنترنت سويّاً. لقد كنتُ محظوظاً جدّاً لتمكّني من تشكيل فريقٍ من أشخاصٍ طموحين وملتزمين خلال تلك الفعالية. فمنذ اليوم الأوّل، تمكنّا من إنشاء فريقٍ من خمسة أشخاصٍ [الشريكَين المؤسِّسَين وثلاثة مطوِّرين]، الأمر الذي ساعدنا كثيراً على العمل بشكلٍ أسرع في السوق."  

ومؤسِّسا الشركة اللذان اعتمدا على استثمارٍ ذاتيّ بقيمة 50 ألف دولارٍ أموالهم الخاصّة، أطلقا النسخة التجريبية من موقع CarpoolArabia.com بعد ستّة أسابيع أمام المستخدِمين، ومن ثمّ النسخة الرسمية في 18 فبراير/شباط 2014.

من جهته، يبدو معدّل نموّ هذه الشركة الناشئة الصغيرة واعداً. ففي الأوّل من ديسمبر/كانون الأوّل 2014، تمّ تشارك 35,667 مقعداً على مسافة 667,354 كم في أنحاء الإمارات (علماً أن متوسط مسافة الرحلة الواحدة يبلغ 46 كم). ووفقاً للرئيس التنفيذي، فإنّ ذلك يساوي زيادةً بنسبة 58% شهراً بعد شهرٍ، بعدد مستخدِمين يبلغ الآن 965 مستخدِماً (وهي زيادة بنسبة 36% شهراً بعد شهرٍ).

ويتابع قائلاً، "تملك ‘كاربول أرابيا‘ أوسع قاعدةٍ لتشارك السيّارات في الإمارات، فنحن نقدّم كلّ يومٍ أكثر من 300 رحلةٍ في أنحاء البلاد. وعندما يقصد المستخدِمون منصَّتنا، يجدون في أغلب الأحيان الرحلة التي يحتاجون إليها." 

هل من الآمن تشارك السيارات؟

من الطبيعي توخّي الحذر واعتماد المنطق، عند العمل على تشارك سيّارةٍ مع أحدٍ ما. ولهذا، اتّخذت "كاربول أرابيا" الخطوات اللازمة لضمان أن تكون كلّ الرحلات آمنةً وخاليةً من العناء.

وفي حين أنّ تشارك السيّارات بين الزملاء والأصدقاء والعائلة لا يتطلّب أيّ موافقةٍ من هيئة الطرق والمواصلات، تنصح الشركة كلّ مستخدميها إذا كانوا ينوون تشارك السيارة مع شخصٍ لا يعرفونه، بأن يسجّلوا تفاصيلهم على منصّة الهيئة على موقع Sharekni.ae.

ويقول دو ترساك عن هذا الأمر، "إنّ الأهمّ برأيي، هو أن تشعر بالارتياح تجاه الشخص الذي تتشارك السيارة معه. تفقّد صفحته على الموقع وتحدّث معه، أو ابحث لترى ما إذا كنتما تنتميان إلى المجتمع عينه، فإنّ ذلك يساعد كثيراً. كذلك يمكن الاطّلاع على نصائح أخرى لتوخّي السلامة، نقدّمها على موقعنا الإلكتروني."

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على السائقين الذين يستخدمون "كاربول أرابيا" أن يحوزوا على بوليصة تأمينٍ صالحة للسيارة، تغطّي كافة الركاب فيها.

خطط التوسّع

دو ترساك وفريقه الذين يهدفون إلى التركيز على جانب الهواتف النقّالة وعلى حلول الدفع الإلكترونية، يمتلكون خططاً كبيرةً لعام 2015.

ومن ناحية رأس المال المطلوب، يأمل الفريق أن يجمعه عبر التمويل الجماعي crowdfunding.

ويشرح دو ترساك قائلاً، "نبحث الآن عن استثمارٍ خارجيٍّ بقيمة 250 ألف دولار لنطلق المنصّة على الهواتف النقّالة، ولنطوّر خطط التسويق ونجذب أفضل الموظّفين إلى الفريق ونحافظ عليهم، وللعمل على تحضير بوّابة الدفع الإلكتروني."

وينهي بقوله، "لقد بدأنا حملة استثمارٍ جماعيٍّ على موقع eureeca.com، حيث تلقّينا حتّى الآن 72 ألف دولار، أي ما يساوي 57% من هدفنا، وما زال أمامنا نحو 30 يوماً قبل أن تنتهي هذه الحملة." 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة