‘مستقبل العمل في الشرق الأوسط‘: التنويع والتعليم والابتكار للوصول إلى اقتصاد المعرفة

اقرأ بهذه اللغة

خلال قمّة "مستقبل العمل في الشرق الأوسط" Future of Work Summit التي نظّمَتها مجلّة "ذي إكونوميست" The Economist، في 29 من الشهر الماضي في مدينة جميرة في دبي، حاول المشاركون المحلّيون والدوليون في هذه الفعالية أن يطّلعوا على أسس التحوّل من الاقتصاد الذي يعتمد على النفط والغاز والقطاعات التقليدية، إلى اقتصاد المعرفة الذي يعتمد على التوّع والابتكار وريادة الأعمال.

جاء في هذه الفعالية أنّ مستقبل العمل مثيرٌ للاهتمام، لاسيّما مع الحاجة إلى المهارات الجديدة في المستقبل وغياب الأنظمة التعليمية التي تقدّم تدريباتٍ ملائمة، بحسب إيلينا سوكاشيفا، المديرة الإدارية ورئيسة "فعاليات ذي إكونوميست" The Economist Events. وأضافَت أنّه في حين تستجيب كلّ دولةٍ أو منطقةٍ إلى تحدّيات مستقبل العمل بطريقةٍ مختلفة، إلّا أنّ "منطقة الشرق الأوسط تُعتبر مثاليةً لهكذا فعالية لأنها تملك الكثير من الإمكانيات. فهذه المنطقة التي تتمتّع بالقدرة المالية التي جمعتها بفضل اقتصادٍ يعتمد على عالم المال والموارد الطبيعية، تمتلك الفرصة الآن للتركيز على الابتكار وتدريب جيلٍ جديد لدخول اقتصاد المستقبل،" ولكنّها ليست متشابهة إذ تختلف دول مجلس التعاون الخليجي تختلف عن الدول الأخرى.

ولكن ما هو اقتصاد المستقبل؟ تجيب إيلينا أنّ "الجميع يتحدث عنه؛ إنّه اقتصاد المعرفة الذي يعتمد أكثر على التفكير والمعرفة، وكأننا ننتقل من اقتصاد الأعمال اليدوية إلى اقتصاد الأعمال المكتبية والفكرية. وبما أنّ كلّ ما يتمّ ابتكاره يجب بالتالي إنتاجه ممّا يعكس أهمّية التوازن بين المبتكِرين والعمّال، تقول إنّ "التوجه نحو اقتصاد المعرفة يجب أن يتمّ من دون نيسان أسس الصناعة."

من جهته، يشرح المدير العام للهيئة الوطنية للمؤهلات، الدكتور ثاني أحمد المهيري، أنّ اقتصاد المعرفة يعتمد على 4 ركائز هي: النظام المؤسَّساتيّ والاقتصاديّ الذي يجب أن يحفّز على الاستخدام الفعّال للمعرفة الموجودة والجديدة ولريادة الأعمال المزدهرة؛ والتعليم والمهارات؛ والبنى التحتية للمعلومات والاتّصالات؛ ونظام الابتكار الذي يجمع بين مختلف الفاعلين في المجتمع للاستفادة من المعرفة العالمية المتزايدة وتطبيقها ضمن الحاجات المحلية وابتكار تكنولوجيا جديدة.

تجربة الدول الخليجية نحو اقتصاد المعرفة:

التنويع والتنافسية. كشف تقرير شركة "إرنست يونج" Ernest Young الذي أُطلِق خلال الفعالية أنّ التنويع الاقتصادي سيعود بمكاسب إضافية على دول الخليج، قد تصل إلى 17.7 مليار دولار. وبحسب الشريك المسؤول عن خدمات الاستشارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في "إرنست يونج"، جيرار جالافر، تتّجه هذه الدول إلى التنويع وحلّ المشكلة الأكبر التي تواجهها وتتمثّل في "الاعتماد الكليّ على قطاع النفط في توظيف الشباب."

وكمثالٍ على ذلك، ذكر وكيل وزارة الاقتصاد في الإمارات، عبدالله آل صالح، مدينة دبي التي نجحَت في السير نحو التنويع الاقتصاد. كما أشار إلى أنّ مساهمة القطاع النفطيّ في الناتج الاجماليّ للإمارات تراجع من 90% عند تأسيس الدولة إلى 30% اليوم، ويتوقّع تقليص مساهمة هذا القطاع إلى 20% في السنوات المقبلة. وضمن سياسية التنويع، تمرّ 40% من تجارة الذهب في العالم عبر دبي، في وقتٍ تعوّل على التصدير والاستيراد وقطاع الطيران وتجارة الخدمات والاستثمارات الأجنبية وغيرها من القطاعات، للتحوّل إلى اقتصاد المعرفة وريادة الأعمال.
من جهته، قال نائب المحافظ لشؤون الاستثمار في الهيئة العامة للاستثمار في المملكة العربية السعودية ورئس مركز التنافسية الوطني، الأمير سعود بن خالد الفيصل، إنّ بلاده تكثّف جهود التنوّع لاسيما بعد أزمة 2008، حيث باشرَت بالعديد من المبادرات، ما يعكس قراراً مشتركاً بين دول مجلس التعاون الخليجي.

التعليم والمهارات.  شدّد جميع المتحدِّثين على أهمّية التعليم والتدريب في اقتصاد المعرفة. فأشار الأمير سعود بن خالد الفيصل إلى أنّ المملكة، قامت منذ عام 2005، بتعزيز البعثات التعليمية بزيادةٍ بلغت 20%، معتمدةً على تنويع البرامج وتشجيع اختصاصات كالعلوم والرياضيات وتأسيس كليات متخصصة مثل كلية الملك عبد الله للتكنولوجيا.

ونظراً إلى أنّ الشباب بين 15 و29 عاماً يشكّلون 30% من سكان منطقة الشرق الأوسط، شدّد الجميع على ضرورة تأهيلهم، خصوصاً مع تزايد الطلب على الموظّفين الكفوئين وازدياد فرص العمل في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة. ولكنّ القطاع التعليمي ما زال شاباً وحديثاً في الخليج، وفقاً لرئيس الجامعة الأمريكية في دبي، لانس دو ماسي، الذي يشدّد على ضرورة القيام بنقلةٍ نوعيةٍ في المنطقة والعالم، من أجل تلبية حاجات السوق والانتقال من نظام تعليميٍّ تقليديٍ إلى نظام التعليم المعكوس flip model، حيث يركّز الطالب على التدريب والتفكير والتعلّم من الأخطاء والتجارب.

وبالإضافة إلى ذلك، يجب "تعليم طريقة التعليم" من أجل تخريج جيلٍ من الشباب التنافسي والمبتكِر الذي يستطيع التأقلم مع أيّ بيئة أعمال، بحسب جالافر. ولكنّ المسؤولية لا تقع كلّها على النظام التعليمي فحسب، وفقاً للمديرالتنفيذي لـ"جنرال إلكتريك" General Electric في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، نبيل حبايب، الذي دعا إلى التعاون بين القطاعَين العام والخاصّ والجامعات من أجل سدّ ثغرة المهارات وإيجاد فرص العمل. كما أشار إلى المبادرة مع "ومضة" التي تشكّل تعاوناً بين القطاع الخاصّ والمستثمرين، لإيجاد فرصةٍ للشباب ضمن الإبداع والإرشاد.

نبيل حبايب أثناء تقديم المبادرة التي قامَت بها "جنرال إلكتريك" بالشراكة مع "ومضة".

الابتكار والبيئة الحاضنة لروّاد الأعمال. يشكّل الابتكار ركيزة اقتصاد المعرفة. وفي هذا الإطار، أكّدَت وزيرة الدولة والمديرة العامة لمكتب إكسبو دبي 2020، ريم الهاشمي، أنّ الإمارات تركّز على الابتكار كأساسٍ للازدهار في السنوات المقبلة. وأضافَت أنّ المبادرات ضمن رؤية 2020 التي تتّخذ شعاراً لها "تواصل العقول"، تركّز على الإبداع والابتكار من أجل نمو اقتصاد المعرفة. وأكّد عبدالله صالح تركيز الإمارات على الابتكار عبر تطوير المنظومة التشريعية والقانونية، لحثّ المزيد من الاستثمارات الخارجية وتطوير البيئة الحاضنة لريادة الأعمال ودعمها.

ونظراً إلى العقبات التي تقف في الطريق، أشار عضو مجلس إدارة شركة "تيك وادي"، بيرن شين، إلى أهمّية جذب المستثمرين التأسيسيين لأنّهم سيساعدون في إطلاق الشركات الناشئة وإبداعها. وذلك في حين شدّد الرئيس التنفيذي لـ"ومضة"، حبيب حداد، على ضرورة إزالة الحدود من أجل تكوين سوق كبيرة واحدة في المنطقة. وبينما ركّزَت المؤسِّسة والشريكة الإدارية في "بالثازار كابيتال" Balthazar Capital، هيذر هينيون، على ضرورة وضع قانون للإفلاس، وافقها المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسَّسة التمويل الدولية، مؤيد مخلوف، مشيراً إلى ضرورة تعديل النظام القانوني وتوفير الإرشاد.

في النهاية، ترتبط ثورة الابتكار التي تهدف إلى تحقيق التنوّع والتحوّل نحو اقتصاد المعرفة، بالتعليم والتدريب وصقل المهارات؛ وهذه الثورة مستمرّة في العالم مع ابتكارات وتكنولوجيا سمحَت بتطورٍ لم يكن في الحسبان. وعلى سبيل المثال، أشار المؤسِّس ونائب رئيس "أرامكس" Aramex والشريك الإداري في "ومضة كابيتال"، فادي غندور، إلى تسلسل الحمض النووي والطباعة الثلاثية الأبعاد التي باتت بمتناول اليد بعد سنوات من التطوير والابتكار. وذكر أيضاً شركات ناجحة وتطبيقات، مثل "إر بي أن بي" Airbnb و"أوبر" Uber و"واتساب" Whatsapp، مشدّداً على أن سرعة العالم في الابتكار تحتّم على الأفراد التغيير المستمرّ لمواكبة العصر. ولكي تحدث ثورة الابتكار هذه وتتبلور في منطقة الشرق الأوسط، لا بد أن تفتح حدودها لتتحوّل من 22 سوقاً صغيرة إلى سوقٍ كليةٍ، بالإضافة إلى وضع استراتيجياتٍ واضحة على غرار صقل المهارات وتعديل القوانين والنظام العليمي، للتحوّل إلى اقتصاد المعرفة.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة