كيف يمكن للبنان ومغتربيه تبادل المنافع في قطاع الشركات الناشئة [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

ملاحظة: هذا المقال هو الأول من بين مقالَين عن المغتربين وتفاعلهم مع الوطن الأمّ.

علاقة المغتربين بوطنهم الأمّ لا يمكن أن تكون علاقةً من طرفٍ واحد، حيث يقدّم المغتربون المال والوقت فقط (ويتعرّضون للخسائر وحدهم) في حين لا يقدّم الوطن لهم شيئاً (ويستفيد من المنافع). فهذا يعني استغلال المغتربين وليس إشراكهم، وهو ما لا يمكن أن يدوم طويلاً. أمّا العلافة الصحيحة التي تربط المغتربين بوطنهم الأمّ يجب أن تكون معادلةً رابحةً للطرفَين.

يوجد الكثير من الطرق التي تساعد على المواءمة بين مصالح المغتربين ومصالح وطنهم، خصوصاً في قطاع الأعمال. إليكم بعض النصائح للبنان.

هناك الكثير من المغتربين اللبنانيين الذين يعيشون في الخارج (ما يفوق 12 مليوناً) ممّن يمكنهم تأسيس شركاتٍ فرعيةً لهم في لبنان وتطوير المواهب فيه. (الصورة من قدموس.أورغ)

لعبة المواهب بالنسبة إلى الشركات الناشئة

يتمتّع المغتربون بأفضليةٍ في ساحة الشركات الناشئة العالمية، خصوصاً من ناحية المشاريع التقنية.

يوجد نقصٌ في مهندسي البرمجيّات وغيرهم من أصحاب المواهب في المراكز العالمية للشركات الناشئة، كما هي الحال في وادي السيلكون ولندن، وبالتالي لا يمكن لهذا العدد الكبير المتزايد من الشركات الناشئة تحمّل تكاليف توظيف مطوّري برمجيّات محليين؛ فالندرة تؤدّي إلى رفع الأجور حتماً.

في الولايات المتّحدة، يبلغ متوسّط أجور مطوّري البرمجيات ضعفَي متوسّط الأجور العام في البلاد. وفي لندن، يتحدّث عنوان هذه المقالة عن نفسه: "حصل على ستّة عروض عمل والمشغّلون يطاردونه: حرب المواهب التقنية في لندن".

وبالتالي، فإنّ تأسيس مكتبٍ خلفيٍّ في الوطن الأمّ من الطرق التي يمكن فيها التغلّب على هذه المشكلة.

أ) المكتب الخلفي

من بين مؤسّسي الشركات الناشئة الصاعدة في أوروبا وأميركا وغيرها من مناطق العالم، يوجد الكثير من اللبنانيين. ومنهم راند هندي في فرنسا الذي أسّس شركة "سنيبس" Snips للذكاء الاصطناعيّ والذي أوردته "فوربس" في قائمتها "ثلاثون تحت الثلاثين" 30 under 30؛ وأيضاً كريم عطية الذي يسكن في الولايات المتّحدة وانضمّ إلى "واي كومبينايتور" Y Combinator هذا العم كمؤسّسٍ لشركة "باريباص" Paribus، وهي منصّةٌ لأسعار المشتريات عير الإنترنت.

يمثّل روّاد الأعمال في الخارج فرصةً كبيرةً للمستثمرين والمواهب في الوطن، كانت شركة الاستثمار المُخاطر "شركاء المبادرات في الشرق الأوسط" MEVP ممّن يستفيدون منها.

فقد عمدَت شركة الاستثمار المُخاطر هذه إلى الاستثمار في روّاد أعمال مغتربين وتشجيعهم على تأسيس مكاتب خلفيةٍ لهم في لبنان تهتمّ بالشؤون الهندسية، ومنهم "فاضل بارتنرز"  Fadel Partners(في الولايات المتّحدة)، و"بوكس أند أوتوماتيف سوليوشنتز" Box & Automation Solutions أو "باس" BAS (في فرنسا). وبالفعل، بات لدى هاتَين الشركتَين الناشئتَين فرقٌ هندسيةٌ في لبنان، يضمّ كلٌّ منها 30 و20 مهندس برمجيّات على التوالي.

إذاً، هذه الطريقة هي من الوسائل التي يمكن أن يعتمدها لبنان للحدّ من هجرة الأدمغة وإيجاد فرص عمل، كما أنّها صفقةٌ جيّدةٌ للشركات الناشئة في المغترَب.

روّاد الأعمال اللبنانيون في الخارج يحظون بفرصة الاستفادة من المواهب المحلّية في الوطن الأمّ. (الصوة من chitiktikchiti3a.blogspot.com)

يقول وليد منصور من "شركاء المبادرات في الشرق الأوسط" MEVP، إنّ لبنان وطنٌ "للمواهب الهندسية العظيمة،" إضافةً إلى أنّ كثيراً منهم يتحدّثون الإنجليزية والفرنسية بطلاقة.

ويشير إلى أنّ "هذا الأمر بمثابة نعمة، لأنّ التواصل شيءٌ أساسيٌّ للشركات الناشئة،" مضيفاً أنّ اللبنانيين "محبّون للسفر ومطّلعون ويمتلكون علاقاتٍ جيدة" عالمياً، لأسبابٍ ليس أقلّها وجود الكثير من أقاربهم في الخارج. كما يضيف أنّهم "قادرون على إبرام عقودٍ مع شركاتٍ مثل ‘آي بي أم" IBM و‘أوراكل‘،" في إشارةٍ إلى الشراكات التي عقدَتها "فاضل بارتنرز".

بالإضافة إلى كلّ ما سبق، فإنّ الأجور في لبنان أقلّ ممّا هي عليه في الولايات المتّحدة، إذ يتراوح أجر مبرمجٍ خرّيجٍ في لبنان من 20 ألف إلى 30 ألف دولار أميركيّ في السنة، وفقاً لمنصور، بينما يحصل المبرمج عديم الخبرة في الولايات المتّحدة على متوسّط 55 ألف دولار سنوياً.

يُذكَر أنّه في عام 2013، بلغ متوسّط ​​الراتب الشهري لمهندسي البرمجيّات 1700 دولار، أي ما يعادل 23% ممّا هو عليه في الولايات المتّحدة، و27% في ألمانيا، و33% في بريطانيا.

ومع هذا، فإنّ مطوّري البرمجيات اللبنانيين ليسوا الأرخص أجراً عالمياً (خصوصاً إذا ما قارنّاهم بألائك في البلدان الآسيوية مثل الهند)، إلّا أنّهم يتمتّعون بصفاتٍ يقدّرها أصحاب الأعمال في الخارج.

ب) العائدون إلى الوطن

تعتبر العودة إلى الوطن أسهل من الناحية الثقافية بالنسبة إلى المغتربين. وفي هذا الإطار، يشير منصور إلى أنّ الكثير من اللبنانيين المغتربين عادوا لتأسيس مكاتب هندسيةٍ في لبنان، كما أنّ كثيراً منهم جاؤوا من أجل العمل مع الشركات التي تضمّها "شركاء المبادرات في الشرق الأوسط" في محفظتها الاستثمارية.

من جهةٍ ثانية، فإنّ البعض عاد إلى لبنان من أجل إطلاق شركته الناشئة، مثل هلا لبكي الرئيسة التنفيذية لـ"شهية" Shahiya.com، والتي استحوذت "كوكباد" Cookpad اليابانية على شركتها مقابل 13.5 مليون دولار في العام الماضي.

وممّا يثير الإعجاب، ما ورد في قائمة "إنديفور" Endeavor التي ضمّت 25 رائد أعمالٍ لبنانيّ ذوي تأثيرٍ عالٍ، أنّ 15 شخصاً منهم كانوا يعيشون في الخارج من أجل التعلّم و/أو العمل، علماً أنّ "إنديفور" تعمل على توجيه الزمالات في قطاعاتٍ مختلفة وليس في القطاع التقنيّ وحسب.

ولكن بالرغم من ذلك، يمكن أن تكون العودة معقّدةً ودونها تسوياتٌ مالية. فالشركات الناشئة المحلّية تعاني في كيفية تسويق نفسها للمغتربين، كما أنّ بعض اللبنانيين في الخارج مهتمّون بالفرص في الوطن ولكنّ البداية صعبةٌ بالنسبة إليهم.

هذه العقبات تُثبت أهمّية الحملات الهادفة، مثل "ريفيان ليون" Reviens Léon (أي "عودوا إلى ليون") التي أُطلِقَت في شهر أيار/مايو الماضي من قبَل 10 شركاتٍ ناشئة بارزة في فرنسا، والتي تستهدف المغتربين الفرنسيين الذين يمتلكون خبراتٍ عمليةً في سان فرنسيسكو ونيويورك ولندن.

من خلال هذه الحملة، يقوم مؤسّسو شركاتٍ فرنسيون (بات عددهم 14 شخصاً حالياً) بحثّ أبناء مدينة ليون على العودة إلى الديار لمساعدة الشركات الفرنسية النامية، كما يوجد على موقعها الإلكترونيّ نصائح إجرائية عن العودة إلى الوطن.

وبالتالي، يمكن للبنان أن يقوم بمبادراتٍ مشابهة ليستفيد من مغتربيه.

الكثير من المغتربين اللبنانيين يريدون العمل في بلدهم ولكن هناك بعض الهوامش. (الصورة من "دايلي ستار")

ج) العمل مع المواهب عن بُعد

تأسيس شركةٍ فرعيةٍ في الوطن أو العودة إليه يمكن أن يشكّل تحدّياً جسدياً للمغتربين اللبنانيين، ولذلك قد يكون القيام بالمشاريع عن بُعد أكثر ملاءمةً.

من ناحيةٍ أخرى، ونظراً للتكلفة العالية لأجور المطوّرين في أوروبا وأميركا الشمالية، تعتمد الكثير من الشركات على أشخاصٍ يعملون عن بُعد، خصوصاً المطوّرين والمصمّمين، من الأسواق الناشئة وحتّى من مدنٍ تكون فيها تكاليف المعيشة منخفضة نسبياً مثل هامبورج الألمانية.

وبالتالي، فإنّ الشركات التي توظّف عاملين عن بُعد ليس بالضرورة أن تكون بقيادة مغتربين. كما أنّ التعاقد مع أشخاصٍ عن بُعد من دولٍ مثل لبنان لا يزال محفوفاً بالمخاطر بالنسبة لأولئك الذين ليسوا على درايةٍ كافيةٍ بالمنطقة.

في المقابل، يمكن للمغتربين اللبنانيين توجيه الأعمال والنظام التعليميّ في لبنان، إذ أنّ بعضهم يعرف أشخاصاً ذوي مواهب في البلاد أو يعرفون أحداً يدلّهم عليهم. وبهذا، سيكون الجميع رابحاً: ستتعاقد الشركات مع أشخاصٍ موهوبين برواتب معقولة، في حين سيحصل المطوِّرون اللبنانيون العاملون عن بُعد على رواتب أعلى من متوسّطها في السوق المحلّية، بالإضافة إلى بناء سيَرهم الذاتية.

في هذا السياق، يوجد شركاتٌ لبنانيةٌ استفادَت من ميزة مواهب المطوّرين التي يتمتّع بها لبنان، مثل شركة "فو" FOO لتطوير تطبيقات الأجهزة المحمولة، والتي أسّسها في بيروت كلٌّ من غدي الريس وإيلي نصر.

هذه الشركة التي قدّمت خدماتها حتّى الآن إلى أكثر من 200 عميلٍ وبات فريقها يضمّ 40 شخصاً، تأتي 60% من عائداتها من الخارج، فيما أصبح من بين عملائها شركاتٌ متعدّدة الجنسيات مثل "بي بيسي" BBC و"هاينكن" Heineken و"روش" Roche.

يؤكّد نصر على دور المغتربين اللبنانيين في الأيّام الأولى للشركة، ويقول إنّه "في البداية، كانت المشاريع تأتي عبر المغتربين اللبنانيين. وفي وقتٍ لاحق، بات يتمّ الأمر عبر تناقل الأحاديث عنّا [...] إلى أن أصبحنا قادرين على استهداف عملاء بشكلٍ أسهل بعدما نضجت علامتنا التجارية."

بالنسبة إلى التعاقد عن بُعد، يتمّ الكثير منه بشكلٍ غير رسميّ من خلال التواصل الشفهيّ. وبالتالي، فإنّ التوعية والتواصل يساعدان كثيراً في تسليط الضوء على فوائد هذا النوع من التعاقدات كما وعلى التفاصيل العملية وإبرازها لمجتمع الأعمال في الاغتراب. وهذا الأمر أسهل على "فو" أكثر من ممّا هو على مهندس برمجياتٍ مستقلّ.

في غضون ذلك، هناك بعض الهيئات، مثل "ليبانون فور أنتربرينيرز" Lebanon For Entrepreneurs  و"ستارتب ميجافون" Startup Megaphone، تقدّم الكثير من الدعم للبيئة الحاضنة للشركات الناشئة في لبنان، وتعمل على إبراز روّاد الأعمال اللبنانيين في الخارج خلال حفلاتٍ تقيمها مع المغتربين اللبنانيين.

ويُذكر أنّ "ليبانون فور أنتربرينيرز" LFE هي مبادرة مشتركة بين ثلاث شبكاتٍ لبنانية اغترابية هي "لايف" LIFE و"ليب نت" LebNet و"سيل" SEAL.

 في المجمل، إنّ المكاتب الخلفية وعودة المواهب والمشاريع عن بُعد يجب أن تتكامل لتطوير الشركات الناشئة اللبنانية: لأنّها تساعد على تطوير المواهب في لبنان. ولكن، يبقى أن يتمّ تسهيل هذه الخيارات الثلاثة من النواحي العملية والقانونية والمالية.

وإذ يمكننا أن نضيف الإنترنت وسرعته في لبنان إلى الأولويات أيضاً، فإنّ تأطير الجهود من أجل حوارٍ جماعيٍّ بنّاء مع المغتربين عن الفرص في الشركات الناشئة سيكون موضع ترحيب كذلك.

لا يمكن اعتبار أنّ جميع المغتربين اللبنانيين من أصحاب الأعمال يهتمّون بإنشاء شركةٍ فرعيةٍ أو بالتعاقد عن بُعد أو بالعودة إلى الوطن، ولكنّ بعضهم على الأقلّ كذلك، وسيكون من المؤسف أن يتمّ إهمالهم. 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة