البحرين على طريق النجاح مع الشركات الناشئة

اقرأ بهذه اللغة

البحرين تسعى جاهدةً لتصبح مقراً لروّاد الأعمال. (الصورة من "فليكر" Flikr)

فيما يحاول كلّ بلدٍ من بلدان الشرق الأوسط أن يجذب ويطوّر سوقاً لرّواد الأعمال، تتحضّر البحرين لتصبح الوجهة الإقليمية الأولى الداعمة والمموِّلة للشركات الناشئة.

منذ أكثر من 10 سنوات، بدأت هذه الدولة الصغيرة التي لا يفوق طولها عن 55 كم ولا يتخطّى عدد سكانها ـ1.5 مليون نسمة في التوجّه نحو عالم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، بهدف أن تصبح مركزاً إقليميا للشركات الناشئة. بدأت رحلة التطوّر هذه عام 2006 مع "تمكين" Tamkeen التي تركّز على شركات القطاع الخاص، بالإضافة إلى منظّمات أخرى كـ"مكتب ترويج الاستثمار والتكنولوجيا" ITPO التابع لـ"منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية" UNIDO، ومؤخراً شبكة المستثمرين التأسيسيين "تنمو" Tenmou.

أمّا اليوم، ومع إعلان البحرين عن تعاونها مع أحد فروع "أمازون" Amazon في تشرين الثاني/نوفمبر، ومع تحديد انطلاقة السوق المالية للشركات الناشئة في شهر كانون الثاني/يناير، فإنّ احتمالات تحقيق المملكة الصغيرة لهدفه باتت أكبر.

"نريد أن نوجِد بيئةً تسمح لرائد الأعمال الفلسطيني أو المصري أو المغربي أن يبني شركته الناشئة هنا؛ فإذا ابتكر المرء فكرةً رياديةً، نريد أن نوجِد له بيئة تضمّ عدّة شركات استثمار يمكنه أن يعرض عليها فكرته،" كما يقول المدير التنفيذي لـ"مجلس التنمية الاقتصادية" EDB، خالد الرميحي.   

أمّا المشروع المثالي، فيكمن في إنشاء ملاذٍ يجذب بعض الشركات الناشئة من خلال أسعار الإيجارات والأجور المتدنية، بعكس دبي. وفضلاً عن الأسعار، يكمن العنصر الجاذب أيضاً في القوانين التي تسمح بإدارةٍ أجنبيةٍ كاملةٍ للشركات وبضرائب متدنية، فيما تقوم صناديق التمويل الكبيرة للشركات الناشئة بفتح أبوابها في البحرين مّما يجذب البقية.

وبذلك، يطمح هذا البلد الصغير إلى تحقيق ما لم تحقّقه بعد أيّ دولة في الخليج العربي: الاستهداف المباشر لأسواق روّاد الأعمال الإقليمية والمحلية.

المنافسة محتدمة

تستهدف بلدان الخليج العربي سوق الشركات الناشئة بقوّة، غير أنّ هذه الجهود غالباً ما تبقى ضمن حدود الدولة الواحدة.

في خطّة الإمارات "رؤية 2021" Vision 2021 نجد نقاطاً عدّة ترّكز على روّاد الأعمال، كما ذكرت "ومضة" سابقاً. وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر، أطلقت الكويت "الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة" National Fund for Small and Medium Enterprise Development؛ كذلك، أطلقت "جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية" KAUST، المدعومة من الحكومة السعودية، صندوق تمويل أوّلي قدره 2 مليون دولار؛ وموّلت قطر نظاماً متكاملاً من حاضنات الشركات الناشئة؛ ولكن كلّ هذه الجهود التي تبذلها هذه البلدان لا تزال ضمن حدودها، بعكس البحرين.

لدى سؤاله عن إمكانية المنافسة مع الإمارات التي يساوى اقتصادها 12 ضعف اقتصاد البحرين، يجيب الرميحي بأنّ الشركات المستهدَفة في استراتيجية البحرين هي تلك التي في مراحلها الأولى. وبحسب الرميحي، فإنّ روّاد الأعمال لديهم مهلة صغيرة للنجاح قبل أن ينفذوا من الأموال، "فإذا نظرتُ إلى الأسواق المجاورة أرى نجاحاتٍ كبيرة، أمّا إذا كنتُ شركةً صغيرة تحاول النجاح بتمويل صغير، فالأسواق المجاورة لا تؤمّن العوامل الأساسية التي تحتاج إليها تنمية الشركة. وهذا يعني أنّني قد أوّسع أعمالي نحو هذه الأسواق لاحقاً، ولكن هل أبدأ من هناك؟"

ويضيف الرميحي أنّ "تمكين" - التي تؤمّن برنامج دعم لروّاد الأعمال المحّليين والأجانب أيضاً، وبرنامج حضانة للأعمال، وحتى مساعدة في وضع خطط العمل - هي إحدى المنظمات التي تميّز البحرين عن باقي دول الخليج العربي كونها تدعم بكثافة الشركات الناشئة على الأراضي البحرينية.

ومن الشركات التي نشأت في البحرين وتوسّعت لاحقاً إلى الإمارات، "وايت بايمنتس" White Payments التي اسُتحوِذ عليها هذا العام، وشركة الحجوزات في المطاعم "إيت" Eat التي افتَتَحَت مكتباً لها في دبي منذ بضعة أشهر.

مصلحة مشتركة

من ناحيٍة أخرى، تحتاج البحرين لهؤلاء الروّاد على قدر ما يحتاجون هم إلى دعمها.

من حيث الموقع الجغرافي، تُعتبر البحرين في موقعٍ مثالي، على مقربة من اثنين من الأسواق الأكثر اهتماماً بروّاد الأعمال: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة. هذا وتنعم البحرين أيضًا باحتياطات نفط وغاز طبيعي، فضلاً عن قادةٍ يُدركون أهمية تنّوع الاقتصاد وعدم حصره بقطاع النفط الذي يؤمّن 81% من إجمالي الناتج العام.

وحالياً، يوجد في البحرين 90 ألفاً و711 شركة الصغيرة ومتوسطة الحجم، تُنتِج 30% من الناتج المحلي الإجمالي GDP وتؤمِّن 37% بالمئة من فرص العمل. وبالتالي، فإنّ الهدف يكمن في زيادة هذه المساهمة في الناتج المحلّي الإجمالي إلى 35% بحلول عام 2018.

والأهمّ أنّه بحسب مؤشّر " مؤسَّسة هيريتاج" Heritage Foundation و"وول ستريت جورنال" Wall street journal لعام 2015، احتلت البحرين المرتبة 18 في العالم للحرية الاقتصادية. وهي إذ شهدت تدنياً بسيطاً عن مرتبتها عام 2011 لكنّها لا تزال تتفوّق على باقي دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هذا المجال.

تتراجع البحرين في مؤشّر "منظمة هيريتاج" و"وال ستريت جورنال" للحرية الاقتصادية لعام 2015، لكنّ نسبة الحرية فيها لا تزال مرتفعة مقارنةً بالنتائج الإقليمية والعالمية. (الصورة من "مؤسَّسة هيريتاج")

في المقابل، إنّ نموّ الناتج المحلي الإجمالي في تراجعٍ مستمر، فمن 6.8% عام 2005 وصل إلى 2.9% هذا العام، وذلك وسط الاضطراب السياسي الذي تواجهه البحرين منذ عام 2011 والهبوط في عائدات النفط الذي أثّر سلبيّاً على القطاع المزدهر غير النفطي. وهذا العام، وصلت نسبة الدين على الناتج المحلي الإجمالي إلى رقم قياسيٍّ جديد بلغ 54%.

وفيما تهبط أسعار النفط للسنة الثانية على التوالي، تهبط معها قدرة الحكومة على الإنفاق، ما يضع الحكومة أمام معارضة شعبية إذا حاولت تقليص الدعم على الكهرباء والمواد الغذائية والنفط.

بالإضافة الى ذلك، تواجه البحرين تحديّات المنافسين الأغنياء كدبي وقطر والسعودية وأبو ظبي، وتجد صعوبةً في المحافظة على موقعها التاريخي كمركٍز للخدمات المصرفية الإسلامية في الخليج العربي.

من جهةٍ أخرى، "تساهم كلّ من الركيزة الاقتصادية المتنوعة والتجارة والروابط المالية مع بلدان الخليج وتدفّقات المشاريع الصناعية، على المدى البعيد، بازدهار النموّ"، كما ورد في تقرير "بي أم أي ريسرتش" BMI Research في تشرين الثاني/نوفمبر.  

الشركات الناشئة هي الحلّ

يعتبر اندفاع البحرين لكي تصبح مركزاً إقليمياً لريادة الأعمال حركةً هجومية لتنويع الاقتصاد والاستفادة من النموّ المحتمل للأعمال المقبلة والتي ستحقق نجاحاتٍ كتلك التي حققتها خدمة حجز السيارات "كريم" Careem وموقع طلب الطعام الجاهز "طلبات" Talabat.

أمّا عن المساهمين في تفعيل هذه الخطوات، فـتشكّل "تمكين" ركيزة الجهود البحرينية في ريادة الأعمال، و"مجلس التنمية الاقتصاديّة" يوفّر نصائح عن كيفية إنشاء شركةٍ في البحرين، كما وأنّ "بنك البحرين للتنمية" BDB يؤمّن تمويلاً لروّاد الأعمال فضلاً عن النصائح التي يقدّمها.

وإلى جانب كلّ هذا، يقول المدير التنفيذي لـ"تنمو"، حسن حيدر، لـ"ومضة"، إنّ غرفة التجارة والصناعة في البحرين بدأت بعملية تعديل بعض الأنظمة والقوانين، مثل إزالة الضوابط في عملية الحصول على تأشيرة الدخول إلى البحرين.

كذلك، فإنّ برنامج "تسريع السحابة الإلكترونية" Cloud accelerator والسوق المالية يعتبَران إضافةً جديدةً إلى الأساليب السائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تهدف بشكلٍ أساسيٍّ الى جذب روّاد الأعمال الأجانب.

خالد الرميحي يعلن عن إطلاق برنامج "تسريع السحابة الإلكترونية" في البحرين، وإلى يساره يجلس المدير التنفيذي في ـ"سي5"، دانيال فريمان؛ ومعهما نائبة مدير "خدمات أمازون ويب"، تيريزا كارلسو؛ ومديرة عمليات "تمكين"، أمال كوهجي. (الصورة من "تمكين")

يدخل برنامج التسريع هذا سوق الخدمات النامية، مع برامج التحليل الهادف للبيانات الضخمة والآلات المتّصلة بالإنترنت، مستفيداً من تحرير قطاع الاتّصالات بشكلٍ كبير.

وهذا البرنامج الذي يُعتبَر مشروعاً مشتركاً بين "خدمات أمازون ويب" AWS، ومسرّعة الأعمال "سي5" C5 Accelerate التي تُعنى بالاستثمار في التكنولوجيا وتستقرّ بين لندن والبحرين، و"مجلس التنمية الاقتصادية في البحرين"، يُعدّ أول برنامج لتسريع الشركات الناشئة التي تستخدم السحابة الإلكترونية في المنطقة.

سيستقبل البرنامج مجموعتين من 10 شركات ناشئة من المنطقة سنوياً لتشارك في برنامجٍ تدريبي مدّته أربعة أشهر، ويفضّل أن تكون هذه الشركات ناشطة في مجال الصناعة أو القطاع المالي أو التكنولوجي. وبعد إكمال الدورة، تتأهّل كلٌّ من هذه الشركات الناشئة لفرصة الحصول على تمويلٍ من صندوق الاستثمار التابع لــ"سي 5" والذي يساوي 100 مليون دولار.

من ناحيةٍ أخرى، تعتبر فكرة "سوق الاستثمار البحرينية" BIM فكرة خلاّقة بالفعل، فهي تعمل كسوقٍ ماليّة للشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم وللشركات التكنولوجية الناشئة، فتعيد تنظيم متطلّبات الدخول في قائمة الأوراق المالية وتخفّض قيمة القيد في قائمة أسعار البورصة الحالية بحوالي 4 آلاف دولار.

تكمن الفكرة وراء هذا المشروع في تأمين واحةٍ من الشفافية تسمح للشركات في الحصول على تمويل، وإنشاء مجموعةً من الشركات ذات النموّ المرتفع ومستثمرين غير اعتياديين، وذلك على هيئة مشاريع ومستثمري أسهم خاصّة.

وتمرّ الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم بتدقيقٍ محكمٍ لمدّة شهر حيث يتمّ تقييم كلّ أساسيّات الشركة، ويُحدّد سعر السهم فيها بحسب النتيجة. وإذا أرادت هذه الأخيرة أن تسجّل دخولها في قائمة الأوراق المالية، يمكنها القيام بذلك بالسعر المحدّد في هذا التقييم.

في هذا الإطار، يقول المدير التنفيذي لبورصة البحرين، الشيخ خليفة بن إبراهيم الخليفة، لـ"ومضة"، إنّ الهدف النهائي من هذا المشروع هو مساعدة الشركات الصغيرة لتصبح كبيرة بما فيه الكفاية لتدخل في البورصة الأساسية. أمّا الهدف الأوّلي فهو تسهيل عملية حصول الشركات الناشئة على التمويل وتسهيل عملية تعرّف المموّلين على الشركات الناشئة.

ويشرح ذلك قائلاً إنّ "الحصول على لائحة للشركات في قطاعٍ ما، يشكّل معياراً للمستثمرين المخاطِرين والبنوك لتحديد مكانة هذه الشركات. وبهذا، يمكنك حتى مقارنة معظم الشركات الناشئة ببعضها البعض كونها تقوم على المعايير الحسابية نفسها، وبالتالي تتشابه في الطريقة الحسابية."


بورصة البحرين في ساعات التداول. (الصورة من "أرابيان بيزيس" Arabian Business)

ستستقبل "سوق الاستثمار البحرينية" الطلبات بدءاً من كانون الثاني/يناير من العام الجاري، وتفتح أبوابها للمستشارين الذين سيقودون الشركات ويتابعونها قبل وخلال وبعد عملية الدخول إلى البورصة.

وبحسب خليفة، فإنّ الكثير من الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم والمشاريع ومستثمري الأسهم الخاصة أبدوا اهتمامهم بإمكانية إدراج شركاتهم القابضة في "سوق الاستثمار البحرينية" كطريقةٍ للتمهيد لعمليات البيع أو الاستحواذ.

ولكن في المقابل، لا تزال تسود حالةٌ من الحذر الشديد لدى المستثمرين، تماماً كما يحدث في أيّ سوقٍ تداول عام، خصوصاً مع ذكر البعض أنّ 9 من كلّ 10 شركات ناشئة مصيرها الفشل.

ووفقاً لخليفة، فيما سينحصر المستثمرون بالمتعاملين المجازين في قاعة التداول، يمكن للفرد أن يشتري الأوراق المالية من خلال سمسار بورصة.

في الإجمال، ما زال الوقت مبكراً لتحديد مدى استعداد روّاد الأعمال الأجانب لإطلاق مشاريعهم في سوقٍ بعيدة عن ديارهم وعن سوقهم المستهدفة الأساسية.

ولكن فيما يحاول كلّ بلد في الشرق الأوسط انتزاع لقب "مركز الشركات الناشئة"، تبقى البحرين الوحيدة التي بدأت بفتح حدودها واقتصادها لتحقيق هدفها بالحصول على هذا اللقب.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة