خدمة العملاء الجيدة: ميزة تنافسية للشركة [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

ينبغي الثقة بالنفس. خدمة العملاء الجيدة تزيد من العائدات وتقلل من التكاليف. (الصورة من "تنوز.كوم" tnooz.com)

بات عدم التركيز على رضا العملاء أو عدم تواجد هذا الأمر من الأساس، في بعض بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جزءاً من الثقافة السائدة. وهذا ينطبق على نسبةٍ كبيرةٍ من الذين يوفّرون الخدمات والمنتَجات، سواء كان ذلك ضمن قطاع عامّ أو خاصّ، من متاجر صغيرةٍ وكبيرة، وشركات صغيرة وكبيرة، بالإضافة إلى هيئات حكومية ومنظّمات تُعنى بالخدمات العامّة.

أمّا الأمثلة فهي كثيرة، وتتراوح بين سوء دعم العملاء والتردّد في إعادة الأموال المدفوعة واسترجاع المشتريات، وصولاً إلى غياب المصداقية والشفافية فيما يتعلّق بالتعامل مع العملاء مثل إخفاء الكلفة الحقيقية والنكث بالوعود والبطء في التجاوب، وغيرها الكثير.

الحاجة إلى خدمة عملاء جيدة ليست إحساناً نقدّمه للغير: رِضا العملاء يؤدّي إلى زيادة الولاء، ويوسّع قاعدة العملاء، ويخفّف من كلفة اكتساب العملاء، كما أنّ له تأثيراً إيجابياً على الربحية. وعلى سبيل المثال، فإنّ زيادةً قدرها 5% على الولاء ترفع الأرباح بنسبة 100%. باختصار، تؤدّي الخدمات الرديئة إلى أرباح أقلّ، والأهمّ من ذلك ربّما أنّ خدمة العملاء الجيدة تكفي نفسها بنفسها.

عملية اكتساب العملاء ليست رخيصة، فالإعلانات وحملات الترويج والكلفة التي يتطّلبها حثّ العميل على زيارة المتجَر أو إبداء اهتمامه بعروضات الشركة، كلّ هذا يحتاج إلى مئات الآلاف من الدولارات لكلّ عميلٍ جديد. وبالتالي، عندما يأتي العميل لأوّل مرّة لا يقتصر الأمر على إتمام الصفقة الأولى وحسب بل أيضاً التأكّد من أنّه سيعود مرّةً أخرى.

الشركة التي تركّز على البيع مرّةً واحدة ستفشل تقريباً في تحقيق هذه الإمكانية، خصوصاً وأنّ كلفة عملية "الارتقاء بالصفقة" (بيع البديل أو المنتَج الأغلى للعميل) up-sell، أو "البيع العابر" (بيع منتَجات إضافية إلى عميلٍ حاليّ) cross-sell، أقلّ بكثير من كلفة البيع الأوّلي. وفي حين يجب إقناع العملاء الجدد بالشراء، فإنّ العملاء الحاليين يألفون الشركة ولا يحتاجون إلى كثيرٍ من الإقناع لشراء المنتَج أو الخدمة بشكلٍ عامٍ. وبالفعل، على صعيد التجارة الإلكترونية، يمكن أن ينفق العملاء الحاليون أكثر بمرّتين من العملاء الجدد.

من الأسباب الأخرى التي تدفع للتركيز على خدمة العملاء، أنّ جزءاً من التسويق الجيد للشركة يعود إلى تناقل الكلام عن هذه الشركة، وأنّ خدمة العملاء الجيدة يمكن أن تكون أقلّ كلفةً من الإعلانات. على سبيل المثال، يثق 92% من العملاء بتوصيات وإحالات الأصدقاء والعائلة أكثر من الإعلانات. في المقابل، العميل غير الراضي عن الشركة يصعّب عملية اكتساب عملاء آخرين، ما يمكن أن يؤدّي إلى حالةٍ مشابهةٍ للدلو المثقوب leaky bucket، حيث تصبّ الجهود فقط في اكتساب مزيدٍ من العملاء على حساب استبقاء العملاء الحاليين.

من جهةٍ ثانية، يمكن أن يَنتُج عن خدمة العملاء السيئة تكاليف لا تتعلّق بالمبيعات، مثل استبقاء الموظّفين. في هذه الحالة إذا كان ينبغي على الفريق التعامل مع عملاء غاضبين ولا قدرة لهم على إرضائهم، سيؤدّي الأمر إلى إحباط الموظّفين وعدم رضاهم عن العمل مع احتمال تركهم للوظيفة، ما يستتبع ذلك من كلفةٍ لإعادة توظيف البدلاء وتدريبهم من جديد. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ تدريب الموظّفين على خدمة العملاء بشكلٍ جيد هو على الأرجح أسهل من تحضيرهم للتعامل مع الأفراد غير الراضين.

الطريقة الأسهل لتحقيق خدمة عملاء لائقة هي عبر تجاوز توقّعاتهم.

ويمكن لذلك أن يتمّ من خلال الموظّف الذي يبذل مجهوداً إضافياً للتأكّد من أنّ العميل حصل على طلبه ضمن الوقت المحدّد، أو الشركة التي تتحمّل المسؤولية عن أيّ منتَجٍ يعتريه خللٌ ما عبر استبداله في الحال، أو السياسة التي تشمل التعامل مع سلعٍ يوجد أخطاءٌ في أسعارها أو تتضمّن بعض التغييرات لصالح العميل.

كلّ هذا يمكن أن يترك انطباعاً إيجابياً، فيربح الطرفان علاقة عملٍ طويلةً ومبنيةً على الصداقة.

ومن الناحية العملية، تتضمّن خدمة العملاء الممتازة عناصر مثل: بناء قناة تواصل مباشرة مع العملاء (تسهيل حصولهم على الخدمات أو تقديم مطالبهم مثلاً)؛ تمكين الموظّفين فيما يتعلّق بالميزانية أو اتّخاذ القرار لإرضاء العملاء في الحال (وذلك من خلال التدريب، ومنحهم القدرة على إرجاع الأموال أو استبدال المشتريات، وتزويدهم بصلاحية تقديم المزيد من الإكراميات أو الحسم من مجموع قيمة الفاتورة)؛ وبعبارةٍ أوضح، معاملة العملاء بطريقةٍ لائقة.

خدمة العملاء السيئة يمكن أن تسبّب الكثير من المشاكل للشركة. (الصورة من customerexperienceinsight.com) 

رأت "ماكنزي" McKinsey أنّ 70% من عمليات الشراء تستند إلى شعور العملاء تجاه الطريقة التي تمّ بها التعامل معهم. وبالتالي، فإنّ التعامل مع العملاء بطريقةٍ لائقةٍ يبدأ مع ما يراه هذا العميل، مروراً بمجاراته وصولاً إلى النتيجة النهائية التي يحصل عليها.

العناصر التي يجب ألّا تغيب عن البال هنا هي الجودة، والتنظيم، والاحترافية، واللطف، وحتّى نظافة الشركة ومظهر موظّفيها. وبالأهمّية نفسها هناك الشفافية، والدقّة، وإمكانية التعامل مع المشاكل والمطالب. وهي حاجةٌ يمكن تفسيرها بضرورة الحفاظ على عدّة نقاط تواصل، وتوفير قنواتٍ سهلةٍ للعملاء كي يتمكّنوا من الوصول إلى قسم الخدمات (المكالمات الهاتفية، البريد الإلكتروني، تطبيق للأجهزة الذكية، روابط للاتصال على الموقع الإلكتروني).

أخيراً، في حين يقوم أقلّ من 4% من العملاء غير الراضين بتقديم شكواهم ومطالبهم إذا كانوا غير سعداء، فإنّ 91% منهم لا يقومون بهذا الأمر بل يغادرون ولا يعودون مرّةً أخرى. ونظراً لهذا الأمر، من الضروري للشركة ألّا تفتح قنوات تواصل للحصول على التعليقات وردود الأفعال وحسب، بل أيضاً عليها استكشاف عملائها والاستماع إلى أفكارهم واتّخاذ خطواتٍ تصحيحية إذا لزم الأمر.

عندما يتمّ اعتبار خدمة العملاء كحاجةٍ استراتيجيةٍ للشركة، يمكن للمدراء رصد الأداء من خلال عدّة مؤشّرات، مثل معدّلات استبقاء العملاء عبر تكرار البيع؛ وتوصيات وإحالات العملاء التي تولّد عمليات بيعٍ محتمَلة جديدة؛ وميل العملاء للتوجّه نحو المنافِس (بسبب الصفقات التي يقدّمها والحسومات)؛ واستعداد العملاء للدفع أكثر مقابل المنتَج نفسه أو الخدمة نفسها؛ بالإضافة إلى سلوك العملاء عندما تحلّ المشاكل (الشكوى إلى مزوّد الخدمة، الشروع في التقاضي، أو التوجّه نحو المنافسين على سبيل المثال).

من الطرق السريعة للقياس هي "مؤشر الترويج الصافي" Net Promoter Score، والذي يتمّ احتسابه عبر استطلاع العملاء من خلال أسئلة "نعم-كلا" حول ما إذا كانوا يوصون بالمنتَج أو الخدمة إلى صديق. مجموع كلِّ فئةٍ من الأجوبة، مقسوماً على كامل مجموع الأشخاص الذين تمّ استطلاعهم، ينتج عنه "مؤشر الترويج الصافي" NPS (يمكن وضع احتمالاتٍ أوسع للإجابة، بالرغم من أنّ الأسئلة التي تحمل خياراتٍ ثنائيةً يمكن أن تؤديّ إلى تجاوب العملاء بشكلٍ أكبر).

في المحصّلة، يجب أن يتمّ اعتبار خدمة العملاء الجيدة كجزءٍ أساسيٍّ من استراتيجية الشركة ومن إدارة العمليات اليومية. وليس من المهمّ أن يكون العرض الذي تقدّمه الشركة ملفتاً للأنظار، فهو سيَبقى غير ذي قيمةٍ بدون عملاء مستعدّين لدفع المال من أجله.

إذا لم يحصل هؤلاء العملاء على معاملةٍ لائقةٍ سيتركونك أو قد لا يأتون بتاتاً. ولهذا تُعدّ خدمة العملاء مكوِّناً أساسيّاً لضمان إقبال العملاء على شركتك، واستمرارهم في ذلك، ولكي يحيلوا إليها أشخاصاً آخرين من شبكة علاقاتهم. وأيضاً عندما تُنفَّذ خدمة العملاء بشكلٍ جيد فهي ستصبح ميزةً تنافسيةً مستدامة تعمل على زيادة الإيرادات وتخفيض التكاليف وتمييزك عن منافسيك. وأجمل ما فيها، أنّها تكفي نفسها بنفسها.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة