هل يفتح قطاع المأكولات باب النجاح لمصر في التكنولوجيا؟

اقرأ بهذه اللغة

عام 1999، نشأ في مصر أوّل موقعٍ لتوصيل الطعام في الشرق الأوسط باسم "أطلب.كوم" Otlob.com. واليوم، فيما يعتاد المصريّون على شراء المنتَجات التي تقدّمها الشركات الناشئة، بدأ أخيرًا قطاع المأكولات والمشروبات الرقمي يتوسّع في بلاد النيل.

يعتمد هذا القطاع على ثلاثة ركائز للنموّ، أوّلها منّصات طلب الطعام عبر الإنترنت وتوصيله، ثانيها اكتشاف الأطباق والمطاعم، وثالها المنصّات التي تجمع بين الاثنين. ويشكّل ذلك جزءاً من توجّه الشرق الأوسط نحو الشركات الناشئة في قطاع المأكولات الذي يسجّل اليوم أكبر صفقات في المنطقة.

ورغم أنّ هذه الشركة السبّاقة في قطاع خدمات الطعام عبر الإنترنت في مصر تمّ الاستحواذ عليها من قبل شركة "روكيت إنترنت" Rocket Internet في تشرين الأوّل/أكتوبر 2015 بسعرٍ منخفض خلافاً للتوقّعات، إلّا أنّ هذه الصفقة  قد حوّلت الأنظار نحو قطاعٍ ينمو أخيراً ويثبت عن قدراته في السوق المصريّة تحت جناح الشركة الناشئة الرائدة في هذا المجال.

المنافسة البنّاءة: حسن مسعود من "المنيوز" Elmenus، وليد عبد الرحمان من "مام" Mumm وأناس مطوالي من "ديش دينو" DishDino، في قمّة "رايز اب" Rise Up Summit 2015 (الصورة لـ ليليان أبو زكي)

مناخٌ مناسبٌ للأكل

يشير الكثير من روّاد الأعمال الذين تمّت مقابلتهم إلى الأسباب التي تجعل من مصر مكاناً مناسباً لإنشاء مشاريع ناشئة في مجال المأكولات والتكنولوجيا. وبحسب ما قاله معظمهم، يعود الأمر إلى الأجور المتدنيّة وتكاليف الفيزا المنخفضة ناهيك عن التكاليف التأسيسيّة الزهيدة بالمقارنة مع بلدان أخرى، وهذا ما يسمح بتطوير مشاريع تجريبيّة بشكلٍ أسرع وأرخص.

ويربط هؤلاء نموّ الشركات الناشئة في قطاع المأكولات بعوامل عدّة، منها حبّ المصريين للأكل والكثافة السكانية البالغة 90 مليون فردٍ. هذا بالإضافة إلى أنّ قطاع المأكولات والمشروبات في مصر سينمو باستمرارٍ وبشكلٍ كبير هذا العام.   

تقدّم الزيادة في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي كذلك منصة للمطاعم التي تريد بناء وجود لها على الإنترنت، كما أنّ خدمات الدفع الإلكتروني وانتشار استخدام الهواتف الذكية بكثرة تسهّل عمليّة تفعيل الخدمات على الهواتف وتجعلها مقبولة لدى المصريين الذين لطالما كانوا من محبّي الدفع نقداً.     

وأخيراً، إنّ الزيادة في عدد الشباب العاملين الذين يبحثون يوميّاً على الإنترنت لاختيار وجباتهم تؤدّي إلى تطوير خدماتٍ أفضل تسهّل عملية طلب الطعام من أجل تلبية حاجاتهم اليومية.

Egypt fast food delivery

الوجبات السريعة تحتلّ الصدارة في قائمة طلب الطعام على الإنترنت (الصورة من "إي تي كاي فوتوجرافي" ETK Photography)

يقول المستشار الاستراتيجي في "أند استراتيجي" Strategy& (سابقاً "بوز&كومباني" Booz&Company)، باسم فايق، إنّ "العائدات ستكون هائلة إذا تمكّن المرء من حسن إدارة العمليّات في الشركة. كما أنّ الشركات الناشئة يمكنها أن تتعلّم من الشركات الأكبر التي حققت أهدافها وتخطّت العقبات في قطاعات أخرى."

ولكنّه من جهةٍ أخرى يذكر أنّ المشكلة في إنشاء شركة رقميّة من أيّ نوع في مصر وبخاصةٍ في قطاع المأكولات تكمن في أنّ الناس معتادون على الدفع نقداً مقابل هذه الخدمات. ويضيف أنّ "الدفع عبر الإنترنت في السوق المصريّة لا يزال محصوراً وضئيلاً" لأنّ الثقة في طريقة الدفع هذه لم تُبنَ بعد.

ويعطي فايق الذي يعيش تارةً في دبي وطوراً في القاهرة من حالته مثالاً، فهو مستهلكٌ محبّ للتكنولوجيا ولا يخشى استخدامها في الإمارات لكنّه يتردّد في استخدامها في مصر، تماماً مثل 72% من المستهلِكين الذين يفضّلون الدفع نقداً لمشترياتهم عبر الإنترنت – بما فيها المأكولات.

خدمات توصيل الطعام

تتصدّر خدمات توصيل الطعام العناوين في أخبار قطاع المأكولات والمشروبات حول العالم وفي الشرق الأوسط، وشركة "اطلب" المصريّة ليست الوحيدة في هذا المجال.

فعلى سبيل المثال، عام 2013، تأسّسَت شركة تقديم الطعام "جدتي" Gedety التي تتخصّص في توصيل المأكولات الصحيّة إلى الشركات التي تتعاقد معها، ومنها "راش" Rush و"مايكروسوفت" Microsoft. والاستثناء الوحيد لعمليّاتها مع الشركات الأخرى هو كشك الطعام الذي افتتحته في "ذا جريك كامبوس" The Greek Campus الذي يعتبَر المكان الوحيد لهذه الشركة الذي

تتعامل فيه مع الزبائن الأفراد.

كذلك، تقدّم بعض الشركات الناشئة الأخرى خدماتٍ تُشرِك الزبون في عمليّة تحضير الطعام، مثل ـ"إيزي بان" Easy Pan و"جاست كوك" Just Cook، وهي توصّل مكوّنات الوجبة بالكميّة المطلوبة في الوصفة المرفقة من أجل تحضيرها في المنزل. أمّا خدمة توصيل الأغذية "نوكمارت" Knockmart فلها متجرًا إلكترونياً مع خطٍ ساخن لطلب السلع الغذائيّة إلى المنزل.

تقدّم "إيزي بان" خدمة ‘نحن نحضّر وأنت تطبخ‘ (الصورة من "إيزي بان")

يَعتبر المدير العام لشركة "جدتي"، ياسر نجم، أنّ التحدّي في قطاع توصيل الطعام الذي يعتمد بشكلٍ أساسي على النوعيّة والثبات، كان في إيجاد مكوّنات عالية الجودة بشكل يوميّ.

وبحسب  الشركة الناشئة المصريّة "أنجزني " Engezni.com، فإنّ قطاع توصيل الطعام الذي كان السبب وراء دفع "روكيت إنترنت" مبلغ 170 مليون دولار مقابل "طلبات" Talabat الكويتيّة ودفع "ديليفري هيرو" Delivery Hero 598 مليون دولار مقابل "يمكسيبيتي" Yemeksepeti التركيّة، هو قطاعٌ صعبٌ للغاية.

تأسّسَت "أنجزني" أوائل عام 2013 كمنافسةٍ لشركة "أطلب"، لكنّها واجهت صعوباتٍ عدّة منها قلّة ثقة الناس في طرق الدفع الإلكتروني ونقص المعلومات عن هذا القطاع، مما أجبرها على الابتعاد عن مجال العمل هذا.

واليوم، تعمل "أنجزني" كشبكة تواصل اجتماعي، تطلب مشارَكة ‘مغامرات وخبرات الأفراد في الأكل‘ في سبع مدن، كما تؤمّن خدمات الإعلانات للشركات الصغيرة والمتوّسطة الحجم في قطاع المأكولات والمشروبات.

وعن هذا الانتقال بين المجالات، يقول الشريك المؤسِّس لهذه الشركة، عمر أشرق، إنّ المشكلة الأساسيّة كانت أنّ السوق الكبيرة لقطاع المأكولات والمشروبات ليست على الإنترنت، في حين أنّ الحصول على مستخدمين رقميين يأتي نتيجة تسهيل وتبسيط عمليات استخدام الخدمات الرقميّة. ويشرح أنّ "السياق الطبيعي للأمور اليوم في مصر يفرض زيادة نقاط تفاعل بين المستخدِم ومقدّم الخدمة، مثل مراكز اتّصال وموظفين جدد ليقيموا صلة وصلٍ بين المستخدِم والمطاعم التي ليست على الشبكة، وهذا ما يزيد من تعقيد هذه العمليّة. لهذا السبب، قرّرنا الخروج من مجال توصيل الطعام في الوقت الحالي."

تقييم الطعام

تُعتبر "أنجزني" اليوم احدى شركات اكتشاف المأكولات والمطاعم الأساسية في مصر، وهي تجذب اهتماماً محليّاً وعالميّاً أيضاً.

بدورها تشكّل "المنيور" Elmenus.com منصّةً أساسيّة في هذا المجال أيضاً. ووفقاً لمديرها التنفيذي، أمير علاّم، تقدّم المنصّة دليلاً يساعد المستخدمين على إيجاد "ما يأكلون" عوضاً عن "أين يأكلون"، وفيما تقترح المنصّات الأخرى أفضل المطاعم تقترح "المنيوز" أفضل الأطباق.

وفي حديثه مع "ومضة"، يشرح علام طريقة عمل هذه المنصّة قائلاً: "نستخدم المعلومات والصور التي يشاركها ويفضلّها المستخدمون ونقترح عليهم أطباقاً لتجربتها بناءً على اختياراتهم وتفضيلاتهم السابقة."

Foodies

صور المستخدمين وآراءهم ركيزة عمل الشركات الناشئة في مجال اكتشاف الأطباق. (لصورة من "أرابيك زيل" Arabic Zeal)

يسمح ذلك لـ"المنيوز" بالعمل بشكلٍ مشابهٍ لعمل "يلب" Yelp واستخدام أسلوب الاستدراج: يقدّمون للمطاعم صفحةً مجّانيّة على موقعهم، وحين تبدأ هذه الصفحة بجذب اهتمام المستخدِمين ويزيد عدد تعليقاتهم فيها، تبدأ "المنيوز" ببيع الإعلانات عليها. وبحسب الإحصاءات الحديثة، يصل عدد الزيارات لموقع "المنيوز" إلى 1.5 مليون زيارة في الشهر و160 ألف تنزيلٍ للتطبيق على "آي فون" iPhone و"أندرويد" Android.

من جهته، فإنّ الدليل الإلكتروني "جيران" Jeeran الذي يتّخذ من الأردن مقراً له والذي شارك في المؤتمر الكبير للشركات الناشئة "رايز اب" مصر Rise Up في كانون الأوّل/ ديسمبر، أضاف في نيسان/أبريل مدينة القاهرة إلى محفظة أعماله المؤلّفة من 36 مدينة في ستة بلدان عربيّة.

وفي حديثٍ مع "ومضة" يلفت رموز صادق، مدير الإنتاج التنفيذي في هذه الشركة التي نشأت عام 2000 كدليلٍ للمطاعم وموقعٍ للتقييمات ثمّ توسّعت لتشمل صالات الرياضة والأطباء ووجهات التسوّق وتصليح السيارات وغيرها، إلى أنّ التقييمات والمفصّلة شكّلت الركيزة الأساسية لنجاح "جيران". وما ميّزهم عن تطبيقاتٍ مشابهة مثل "زوماتو" Zomato فهو معرفتهم لأسواق المنطقة والعادات والتقاليد المحليّة بأدقّ تفاصيلها بالإضافة إلى استخدامهم اللغة العربيّة.

خلافاً لكلٍّ من "المنيوز" و"أنجزني" اللتين اعتمدتا على التمويل التأسيسي واتبعتا سياسة الاستفادة القصوى من الموارد والحدّ من النفقات، تحظى الشركة الناشئة الأردنيّة بتمويلٍ من مسرّعة الأعمال "أي تي أيش" ATH، و"500 ستارتبس" 500 startups، و"إنتل كابيتال" Intel Capital، كما تسعى للحصول على تمويلٍ جديد للتوسّع في أسواقٍ مثل السوق السعوديّة. 

وبحسب صادق، "تشكّل مصر سوقاً كبيرة، وبالرغم من ذلك لم يجرِ حتّى الآن التعمّق بشكلٍ كاملٍ في مجال اكتشاف الأطباق والمطاعم. فتقديم التقييمات على مستوى واسع بالإضافة إلى تقديم دليل عالي الجودة يتطلّب دقّة وجهداً كبيرَين على الأرض وعلى الإنترنت، ولهذا نثق بأنّ القيمة المقترحَة لما نقدّمه تفوق تلك لدى ‘زوماتو‘ وغيرها من المنصّات."    

Jeeran Rise Up

فريق "جيران" المصري مع مؤسّسة "138 بيراميدز" 138 Pyramids نيفين الطاهري (الثانية من جهة اليسار) في قمّة "رايز اب" 2015. (الصورة من "تويتر")

أكبر تحدٍّ يواجه الشركات الناشئة في مجال اكتشاف الأطباق والمطاعم هو الحصول على إضافة مطاعم جديدة.

ففي حين تحقّق كلّ الشركات في هذا المجال الأرباح من خلال بيع الإعلانات المستهدفة وخدمات تعديل الصفحات لما يناسب المطعم، غير أنّ أصحاب المطاعم ومدراءها الذين ليسوا على اطّلاع بمجال الإنترنت يقفون عائقاً أمام هذه العمليّة.

وبالتالي، يتّفق علاّم من "المنيور" وأشرف من "أنجزني" على أنّ المطاعم لا تزال متأخّرة عن مفهوم العالم الرقمي. ويقول علاّم إنّه "مع تولّي الشباب لإدارة المطاعم وازدياد الاعتماد على ‘فايسبوك‘ كأداة تسويقية، بات أصحاب المطاعم يتنبّهون اليوم إلى قيمة وفائدة تقديماتنا."

مزيج من الإثنين

ثمة شركاتٌ تقدّم خدمتي التوصيل والاكتشاف، مثل "مام" و"أكلني" Aklni و"ديش دينو"، وهي تشكّل صلة وصلٍ بين الأشخاص الذين يطبخون في المنازل والأشخاص العاملين الذين يريدون شراء وجبات الطعام.

يشرح مؤسّس "مام"، وليد عبد الرحمن، أنّ شركته الناشئة هي مشروع اقتصادي مبنيّ على المشاركة، يسمح للنساء في المنازل بالحصول على مدخولٍ من خلال ربطهنّ بأفرادٍ يريدون شراء وجباتٍ منزليّة صحيّة.

و"مام" التي بدأت بالعمل منذ حوالي شهر ونصف الشهر، تتلقى اليوم عدداً كبيراً من الطلبات اليوميّة، وهي "تطمح لتقديم أطباقٍ مستوحاة من المستهلكِين وتركّز على الزبون،" بحسب عبد الرحمن الذي يضيف أنّه "في ‘مام‘، نتأكد دائماً من جودة عمليّاتنا. والآن نحن في صدد البحث عن ذوي مواهب للانضمام إلى فريقنا."

من جهة ثانية، تقدّم شركة "أكلني" خدمةً مشابهة وهي في الوقت الحالي [خلال فترة المقابلة] تضفي اللمسات الأخيرة للتأكّد من توافق شبكة الطبخ الخاصّة بها مع معايير سلامة الغذاء والنظافة ومن أنّ خدمة ايصال الطعام لديها سليمة ومستقرّة.

يشدد عبد العزيز وعبد الرحان على أنّ إدارة فريقٍ لتوصيل الطلبات في مصر مهمّة فائقة الصعوبة، خصوصاً وأنّ الشركتين قد اعتمدتا على موقعَيها وأنظمتها الالكترونيّة لنقل معلومات الطلبات. ويشيرا أيضاً إلى أنّ الحصول على فريقٍ ماهر لتوصيل الطلبات أمرٌ ضروريّ لكنّه فائق الصعوبة.

فيما تحاول هذه الشركات الناشئة بناء نموذجٍ قادر على التوسّع في مصر وخارجها، فإنّ التفاصيل تصبح مهمّةً أكثر وأكثر. وحتّى اليوم، لم يتمكن أحدٌ من هذه الشركات من التوسّع أبعد من السوق المصريّة، ولكن ربّما مع الوقت ستشهد المنطقة منافسةً حامية على صعيدٍ أشمل.

--

ليليان أبو زكي تختصّ في التخطيط الإبداعي، وتعمل مع شركات تقنية ناشئة ومؤسّسات اجتماعية على استخدام التصاميم التي تركّز على المستخدِم لتحفيز الابتكار. كما تدرِّس التفكير التصميمي في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت. يمكنكم التواصل معها عبر "لينكدإن"

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة