الاقتصاد التعاوني طريقنا لتخطي المحن الاقتصادية في المنطقة

اقرأ بهذه اللغة

تمثيل بصري للنموذج الذي يمكن أن يغير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. (الصورة من Meridian-180.org)

إذا ما أردنا التحقّق من مستقبل شركات التكنولوجيا القابلة للحياة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يمكننا العثور على خارطة طريقٍ للنجاح ضمن تاريخنا الجماعي.

على مدى مئات السنين، تمكّن الناس الذين يعيشون ضمن مجتمعاتٍ صغيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من تجميع المدخّرات والأموال وإتاحتها أمام الآخرين على شكل ديونٍ على المدى القصير أو البعيد.

إلى هذا اليوم، فيما أصبحَت مئات الآلاف من المجتمعات الصغيرة تتحلّق حول أمكنة العمل، فإنّ الأسر وغيرها من التجمّعات في بلدان المشرق باتت توفّر ما يلزم من الديون القصيرة والطويلة الأجل لأعضاء مجتمعاتها من خلال ما يُعرَف بـ"الجمعية". وبالتالي مع واقع أنّ 14% فقط من البالغين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يمتلكون حساباً مصرفياً، يستمرّ نموذج الإقراض هذا لتلبية الحاجة الماسّة إلى الخدمات المالية التي تجاهلها القطاع المصرفي وغيره من المؤسّسات المالية.

يترقّب الكثيرون تأثير التكنولوجيا في إنشاء أشكال جديدة للتبادل، غير أنّ قدرتها الفعلية تكمن في السماح لملايين الأشخاص بالوصول إلى طرق العمل الجديدة التي ستغيّر وجه المنطقة.

وعلى سبيل المثال، تقوم الشركات التي تعنى بالتكنولوجيا المالية مثل "لندينج كلوب"Lending Club بتوسيع نموذج عمل الجمعية غير الرسمي بالاعتماد على التكنولوجيا، ما يؤدي إلى توسيع نطاق هذه الممارسات إلى مستوى عالمي غير مسبوق. ففي البلدان التي يوجد فيها قطاعات غير رسمية كبيرة وقطاع مصرفي متأخّر، يرجّح أن تسمح التكنولوجيا المالية على اختلاف أشكالها لملايين الأشخاص بدخول أسواق رأس المال وزيادة مشاركتهم فيها.

من جهةٍ ثانية، يحدث في قطاع النقل شيءٌ مشابهٌ لما سبق. فمع خدمة سيارات الأجرة التي يعود تاريخها إلى خمسينات القرن الماضي، لا يعدّ مفهوم تشارك ركوب السيارات جديداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في حين تسمح "أوبر" Uber وغيرها من تطبيقات تشارك ركوب السيارات للجماهير بالمشاركة في هذه السوق كمزوّدين للخدمة، وللعملاء المحتمَلين بالوصول مباشرةً إلى العرض، استطاعَت الشركات التي أضفَت على نموذج العمل هذا طابعاً محلّياً من النجاح بمشلٍ كبير، كما فعلت "كريم" Careem.

مرّةً أخرى، تتمثّل أهمية التكنولوجيا هنا في قدرتها على تسريع وتوزيع وإتاحة هذه النماذج التجارية لاعتمادها بشكلٍ واسع على جانبَي العرض والطلب، بحيث أنّ هذه العلاقة بين التكنولوجيا والاتّصال بالإنترنت تسمح للأفراد بأن يشاركوا في الأسواق وتتيح لهم الوصول إلى طرفَي العملية.

ويساهم تحرير سوق العمل بهذه الطريقة في توسيع المشاركة وجعلها غير قابلةٍ للفساد، لأنّ الخوارزمية التي تسيّر هذه الأسواق في مأمنٍ من المحسوبية التي تعاني منها المنطقة منذ فترةٍ طويلة.

تقف المنطقة عند نقطة تحوّل حاسمة، ففي حين أنّ الآثار المباشرة للتحوّلات الاقتصادية الكبرى الأخيرة - الثورات الصناعية والزراعية - قد تخطّت المنطقة، فإنّ الثورة الرقمية الوشيكة الحدوث التي تأتي على شكل الاقتصاد التعاوني، مدعومةً بالنموّ الهائل للاتّصال بالإنترنت عبر الأجهزة المحمولة، سوف تأتي إلى المنطقة محمّلةً بآثارٍ فورية وأخرى بعيدة المدى بالإضافة إلى إمكانية إطلاق موجةٍ من النموّ لم ترَها المنطقة خلال قرونٍ من الزمن.

سوف تسمح نماذج العمل بالاقتصاد التشاركي للأفراد بتخطّي التبعية التي بُنيَت عليها الكثير من اقتصادات المنطقة. فالقطاع العام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يوظّف قرابة 50% من القوى العاملة، وهو أعلى بكثير من معدّلات "منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية" OECD   ااالتي تتراوح بين 5 و28%، ناهيك عن أنّ قطاعات النفط والغاز تساهم بما يناهز 50 إلى 60% من الناتج المحلّي الإجمالي.

للأسف، الحقائق المالية والديموغرافية الحالية تجعل من هذه النموّ الاقتصادي الذي تقوده الحكومة غير مستدام على المديين المتوسّط والبعيد.

ولكن في المقابل، تعد التكنولوجيا بألّا يبقى الفرد معتمداً على الدولة للحصول على الدخل وتحقيق الأمن المالي والرخاء. بل سيقوم بدلاً من ذلك بالاعتماد على نفسه واستخدام الكثير من الأدوات المتاحة لتحقيق القيمة من خلال الأصول الشخصية ولبناء مصادر فردية للدخل.

 وبالتالي، ستصبح الأصول غير المربِحة سابقاً، مقل المنزل والسيارة والوقت والمهارات، كمصادر دخلٍ شخصية، ما يؤدّي إلى انتشال الملايين من الفقر وإعادة الوكالات للأفراد.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة