كيف تؤثر أزمة السيولة في مصر على الشركات الناشئة؟

اقرأ بهذه اللغة

كلّ المصريين عانوا من أزمة الدولار الأمريكي منذ فرض ضوابط على رؤوس الأموال، ولكنّ هذا العام كان الأصعب. (الصورة من "ستراتفور" Stratfor)

في مصر، تشكّل الضوابط الصارمة على العملة والنقص في الدولار الأمريكي عاملاً ضاراً للشركات الناشئة، في الوقت الذي يكافح فيه المستوردون للوصول إلى العملة الصعبة.

في شهر شباط/فبراير من العام الماضي، وضعَت الحكومة قيوداً على الودائع والسحوبات بالدولار التي تبلغ أكثر من 50 ألف دولارٍ شهرياً، من أجل الحفاظ على مخزونها من الدولار الأمريكي الذي يتراجع بسرعة. وفي كانون الثاني/يناير، زيدَت المبالغ المسموح سحبها إلى 250 ألف دولار للشركات التي تتاجر بالسلع الأساسية مثل المنتجات الغذائية، حتّى وصل يوم 9 آذار/مارس حيث رفعَت هذه القيود نهائياً.

في هذا السياق، يقول الشريك المؤسِّس لـ"سولارايز إيجبت" SloarizEgypt، ياسين عبدالغفار، في حديثٍ مع "ومضة"، إنّ وضع العملة ما زال يؤثّر بشكلٍ كبيرٍ على شركته التي تقوم بتركيب ألواح الطاقة الشمسية.

ويشرح الأمر بأنّه "قبل أشهر، كان سقف القيمة التي يُسمَح بإيداعه يبلغ 50 ألف دولار، وكان باهظاً للغاية بالنسبة لنا. ثمّ بعد ذلك رُفع السقف إلى 250 ألف دولار، وصولاً إلى رفعه في خطوةٍ لا يمكن اعتبارها إلّا إيجابية. ولكن الآن باتت المسألة تتعلّق بإيجاد عملة الدولار، فهي متوفّرة ولكنّ الأسعار في السوق السوداء متقلّبة. وبالتالي، يقوم هذا باستنزاف هوامش الربح لدينا ويجبرنا على رفع الأسعار بطريقةٍ تضرّ استراتيجيتنا التسويقية."

يوضح عبد الغفار أنّ رفع القيود التي كانت مفروضةً على الودائع والتحويلات سهّل العمل على مشاريع أكبر، ولكن بقي هناك مشاكل أخرى تجعل التعامل مع التجار في الخارج أمراً صعباً.  ويضيف أنّ "تشريعات مصلحة الجمارك والتشريعات المصرفية تتغيّر باستمرار، ما يجعل من كلٍّ شحنةٍ تحديّاً في حدّ ذاتها."

من جهته، محمد صالح، صاحب مكتبةٍ ودار نشر ويعمل أيضاً مع الهيئات الحكومية والمدارس، يقول لـ"ومضة" إنّ السوق السوداء كانت السبيل الوحيد للحصول على كمّياتٍ كبيرةٍ من الدولارات، والآن "أنا أخسر أعمالي وبالكاد ألبّي الطلبات في المواعيد المحدّدة لها."

أمّا العضو في "معهد التحرير" Tahrir Institute، تيموثي قلدس، فكتب هذا الشهر أنّ النقص في العملة الأميركية يعود إلى عدّة عوامل، من بينها ارتفاع الطلب على الواردات، وانخفاض إيرادات قناة السويس بعدما ساهم انخفاض أسعار النفط في جعل الرحلة حول رأس الرجاء الصالح أرخص من المرور عبر الطريق المصرية الأسرع، بالإضافة إلى غياب السيّاح.

القصّة الملحمية للعملة

سوء تسعير الجنيه أيضاً في تشكيل بيئةٍ غير مستقرّةٍ للشركات الجديدة في مصر.

ففي يوم 14 آذار/مارس، خفّض البنك المركزي المصري قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار إلى 8.85 جنيهات بعدما كان 7.73 جنيهات، وأتبَع ذلك برفع سعر الفائدة 150 نقطة للحدّ من التضخّم.

جاء هذا القرار بعد أسابيعٍ على تأكيد رئيس البنك المركزي طارق عامر بأنّ تعويم الجنيه لم يكن خياراً، وبعد أسبوعٍ واحدٍ على رفع القيود على رؤوس الأموال.

وفي هذا الإطار، تشير رائدة أعمال في قطاع تصنيع الملابس والأكسسوارات، فضّلت عدم الكشف عن هويتها، إلى أنّ أعمالها الجديدة تواجه خسائر كبيرة.

وتقول هذه الريادية التي درسَت الاقتصاد إنّها تدرك بأنّ "الشروع في الأعمال التجارية، وخصوصاً مثل مشروعي الذي لا يستهدف شريحةً كبيرة في مصر، يشبه الوقوف على أرضيةٍ متزعزعةٍ في سوق غير مستقرّة." وتتابع مضيفةً: "لم أدرك أنّه في غضون سنةٍ واحدة قد تنخفض القوّة الشرائية للعملة إلى هذا المستوى. لدينا كثير من الحرّية بالنسبة إلى السياسات النقدية، ولكن لا يوجد ما يكفي من رأس المال."

من جهتهم، يشكّك الاقتصاديون في محاولة البنك المركزي المصري لدعم الاقتصاد المصري المحبط، قائلين إنّ عامر، حاكم المصرف المركزي، يحتاج إلى تعويم الجنيه ولكنّه يسمح له بأن يضعف.

ويرى كثيرون أيضاً أنّ الهبوط في قيمة الأصول الثابتة depreciation للبنك المركزي المصري هو بسبب سعر الصرف الموجّه managed float (ترك سعر الصرف يتحدّد وفقاً للعرض والطلب مع تدخّل المصرف المركزي كلّما دعَت الحاجة)، الذي يُعرف أيضاً باسم "التعويم الرديء" dirty float. ويقول كبير الاقتصاديين في مصرف "إتش إس بي سي" HSBC لوسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، سايمون وليامز، إنّ هذا الإجراء الذي طال انتظاره يمكن أن يضيف المليارات لاحتياطيات العملة الأجنبية للبلاد.

"سعر الصرف الموجّه لا يمكن أن يكون ذا فائدةٍ كبيرة، خاصّةً مع التضخّم الذي يرافقه."

كيف تستفيد الشركات الناشئة؟

بالرغم من ذلك، لا يجب أن يشكّل تباطؤ الاقتصاد عقبةً أمام روّاد الأعمال.

فوفقاً لتقريرٍ صادرٍ عن "مؤسّسة كوفمان" Kauffman Foundation عام 2012 باسم " ريادة الأعمال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: فتح الباب على مصراعيه" Entrepreneurship in the Middle East and North Africa: Opening the Floodgates، يعتبَر الوصول الموثوق إلى رأس المال هو الأساس.

وبالتالي قام البنك المركزي بالعمل على معالجة هذه المسألة في كانون الثاني/ يناير الماضي، مع إصداره لتعميمٍ يقضي بأن تخصِّص البنوك 20% من إجمالي محفظة القروض والتسهيلات الائتمانية للشركات الصغيرة والمتوسّطة.

في غضون ذلك، يذكر تقرير "كوفمان" أنّ أوّل شيءٍ سيظهر خلال فترات الركود الاقتصادي هو غياب الديون الرخيصة، من "القروض المرحلية وصولاً إلى تمويل الديون الإيجابي الذي يساهم في تسريع النموّ من دون خفض قيمة الأسهم."

ويرِد فيه أيضاً أنّ "من الأمور التي يتعيّن على المعنيين أن يسارعوا إلى إيلائها مزيداً من الاهتمام، هي البنوك الإقليمية والمحلية التي تكرّس رؤوس الأموال والمتخصِّصين من أجل دعم نموّ المؤسَّسات الوطنية الصغيرة والمتوسطة الحجم."

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة