كيف تغيّر أسعار النفط المنخفضة منطقة الشرق الأوسط؟

اقرأ بهذه اللغة

Wharton oil

نُشر هذا الموضوع أساساً على "نولدج آت وارتون" Knowledge@Wharton.

في أواخر عام 2015، أعلنَت السعودية عن عجزٍ قياسيٍّ في الموازنة بلغ 98 مليار دولار أميركي، وهو العجز الثاني لها في عامٍ واحد.

وفي بداية صعبة لعام 2016، قامَت الحكومة السعودية برفع سعر البنزين بنسبة 50% تقريباً. كما انّ ولي ولي العهد، محمد بن سلمان، قال في مقابلةٍ له إنّ المملكة تفكّر في عرض شركة "أرامكو" المملوكة للدولة على الاكتتاب العام.

هذه المؤشّرات، أكثر من أيّ شيءٍ آخر، تسلّط الضوء على الواقع القاسي الذي يواجه أكبر اقتصادٍ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولكنّ السعودية لا تبدو وحدها في هذه المعاناة.

من عُمان وصولاً إلى الجزائر، تعاني المنطقة بسبب أسعار النفط المنخفضة التي وصلَت إلى 28 دولاراً للبرميل في 18 كانون الثاني/يناير، وهو انخفاضٌ يساوي أكثر من 60% عمّا كانت الأسعار عليه في شهر حزيران/يونيو 2014، وفقاً لتقرير إعلامية.

وبحسب تقريرٍ صدر مؤخراً عن "صندوق النقد الدولي" IMF، إذا استمرّت أسعار النفط بالهبوط، يُحتمَل أن تخسر الدول المنتِجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما يصل إلى 300 مليار دولار في عام 2016 وحده. علماً أنّه مع وصول الأسعار إلى أدنى مستوياتها التاريخية، لا يتوقّع الخبراء في هذا القطاع أن تعود الأسعار إلى مستوى 100 دولار للبرميل في المستقبل القريب.

من نموٍّ منخفض إلى نموٍّ معدوم

وفقاً للبنك الدولي، ليس من المستغرب أنّ النموّ الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقبع في حالة ركود.

فقد شهدَت الدول الستّ التي تعتمد على النفط في مجلس التعاون الخليجي - البحرين، الكويت، عُمان، قطر، السعودية والإمارات - نموّاً يُقدَّربـ3% في عام 2015، ما يعني أنّه تراجع عن متوسّط 4% الذي كان عليه خلال العقد الماضي. ووفقاً للخبراء، فإنّ دول الخليج المعتمدة على النفط سوف تستمرّ في المعاناة من آثار هذا الانخفاض في الأسعار، في وقتٍ يتوقّع صندوق النقد الدولي انخفاض النموّ في عام 2016 إلى 2.75%.

في مواجهة العجز المتزايد، تقوم دولٌ مثل عُمان ومصر والمغرب وتونس والجزائر بتخفيض الدعم على الوقود والمواد الغذائية والحدّ من المشاريع الاستثمارية العامّة.

وبحسب كبير الاقتصاديين المختصّين بأفريقيا والشرق الأوسط في "معهد التمويل الدولي" Institute of International Finance [القائم في واشنطن]، جياس جوكنت، فإنّ الأداء الاقتصادي للدول المصّدِرة للنفط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتدهور وسوف يستمرّ في ذلك بسبب انخفاض الإنفاق الحكومي.

يقول جوكنت إنّ جميع دول مجلس التعاون الخليجي تشهد تخفيضاً للدعم كما باتت تلتفت إلى إيراداتٍ غير نفطية، ويشرح أنّه "خلال العامَين المقبلَين من المتوقّع أن ينخفض الدعم وترتفع الأسعار، بحيث يُرجَح في عام 2018 أن تُفرَض ضريبةً على القيمة المضافة بنسبة 5% في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، وهي يمكن أن تحقّق إيراداتٍ ماليةً تساوي 1% من الناتج المحلّي الإجمالي."

بالإضافة إلى ذلك، تَظهر تحدّياتٌ أخرى تتمثّل في الضغط المتزايد لاستحداث فرص عمل. فوفقاً للتقديرات، يصل مستوى البطالة لدى الشباب في المنطقة إلى 25% - هذا المعدّل أعلى بين الشابات الإناث - وهو يزداد سوءاً منذ عام 2012. في غضون ذلك، فإنّ الإمارات، وبحسب بعض الروايات والبحث على المواقع الإلكترونية المخصّصة للوظائف في المنطقة، تشهد فرص عمل أكثر من بقية دول مجلس التعاون الخليجي مجتمِعةً. ويتوقّع البنك الدولي أنّه من أجل استيعاب طفرة المواليد المقبلة، يتعيّن إيجاد 100 مليون فرصة عمل في المنطقة بحلول عام 2020.

التنويع ثمّ التنويع

على الرغم من امتلاك بعض الدول المنتِجة للنفط سياساتٍ وبرامج للتنويع الاقتصادي، يقول محلّلون إنّ الدولة الوحيدة التي استطاعَت أن تحقّق بعض النجاح على هذا الصعيد هي الإمارات العربية المتحدة. ومع استمرار تجلّي الأزمة الحالية، تبدو دبي في وضعٍ قويٍّ نسبياً نظراً لانخفاض اعتمادها على النفط، وهي التي تستضيف "إسكبو 2020" Expo 2020، الفعالية التي يقول محلّلون إنّها يمكن أن تحفّز النموّ وتزيد عدد السياح الوافدين.

Wamda Chris Schroeder

من جهته، يقول مؤلّف كتاب "نهضة الشركات الناشئة: ثورة ريادة الأعمال في الشرق الأوسط" Startup Rising: The Entrepreneurial Revolution Remaking the Middle East، كريستوفر شرودر، إنّ الإمارات " تقوم منذ سنوات بالتركيز على بعض الأعمال وتضخّ المال وتُحدِث التغييرات، من أجل احتضان الابتكار والفرص الجديدة في القرن الواحد والعشرين." وبالإضافة إلى ذلك، يستشهد شرودر بتقريرٍ صحفيّ نُشر حديثاً ليشير إلى أنّ دبي، بعد عامٍ من الآن، ستصبح أكثر مدينةٍ تعتمد على الحكومة الإلكترونية على وجه الأرض.

في المقابل، إنّ الوضع في أبوظبي الغنية بالنفط مختلف. يقول خبراء إنّ العرض والطلب اللازم لتحقيق التوازن في الميزانية ينبغي أن يتراوح بين 66 و98 دولاراً للبرميل، وإذا استمرّ الوضع على ما هو عليه يُرجِّح بعض المحلّلين أن تتوجّه أبوظبي نحو الاستدانة.

في هذا الإطار، يشير محمد مكي، الشريك المؤسِّس لـ"أسترولابز دبي"AstroLabs Dubai، إلى أنّ "عدم الاستقرار في المنطقة إضافةً إلى تزايد صعوبة الهجرة، هي عوامل تستفيد منها دول مجلس التعاون الخليجي، وخصوصاً دبي، بما أنّ أصحاب المواهب يستمرّون في التوافد [إلى هذه الدول] في إطار البحث عن الأمن والسعي لتحقيق فرص اقتصادية."

ومع أعلى معدّلٍ للبطالة بين الشباب على صعيد العالم، يرى مكي أنّ "الطريقة الأنجع لتحفيز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ككلّ تكمن في دعم وتشجيع روّد الأعمال والشركات الصغيرة لتصبح المحرّك الأساسيّ للنموّ الاقتصادي."

بدوره، يعتقد شرودر أنّ "انخفاض أسعار النفط كان كارثياً على منتِجي النفط،" لكنّه يلفت إلى "أنّنا شهدنا شيئاً جديداً مثيراً للاهتمام، وهو الميزانية الشفافة نسبياً والعملية التي أصدرتها السعودية. فالتحوّلات الكبرى يصاحبها قدرٌ كبيرٌ من الشكوك، ولكن من المهم أن يكون لديك نظرةٌ شاملةٌ وأن تأخذ بعين الاعتبار الإمكانات وكذلك التحدّيات."

التعويل على ريادة الأعمال

يشير الخبراء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أنّ نموّ الشركات الناشئة الريادية يقدّم الجانب الإيجابي من الموضوع، فيما يذكر شرودر أنّه حضر "لقاءً جمع 5 آلاف شابٍ يمتلكون طاقةً هائلةً تجاه الشركات الناشئة التي تُعنى بالتكنولوجيا."

يوافق فادي غندور، الشريك المؤسِّس لـ"آرامكس" Aramex ونائب رئيس مجلس الإدارة، على هذا الأمر، ويقول إنّه "بالنسبة لي، شكّل عام 2015 بدايةً لنهضة الاقتصاد الرقمي وظهور التجارة الإلكترونية كقوّةٍ لا يُستهان بها. وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، بات يوجد عدد أكبر من الشركات الناشئة الرقمية وصناديق التمويل وصناديق الاستثمار المخاطر، والكثير من الشركات التي تكون في طور النموّ."

وغندور الذي يُعَدّ من بين أبرز روّاد الأعمال المعروفين في المنطقة ومرشداً للكثير من الشباب العرب، يشغل منصل رئيس مجلس إدارة "ومضة كابيتال"Wamda Capital، صندوق الاستثمار المخاطر الذي يستثمر في شركاتٍ من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يضيف غندور أنّه "في وقتٍ تعاني القطاعات الأخرى وتشهد البلدان في المنطقة اضطراباتٍ سياسيةً وانخفاضاً في أسعار النفط وعجزٍ في الميزانية، فإنّ المجال الرياديّ يسير في الاتّجاه المعاكس؛ وأعتقد أنّ عام 2016 سيشهد المزيد على هذا الصعيد. أمّا بالنسبة إلى انخفاض أسعار النفط، فأرى أنّ ذلك يعني أنّ دول مجلس التعاون الخليجي باتت تأخذ الإصلاح الاقتصادي بجدّيةٍ أكبر وتواجه التحدّيات الاقتصادية بطريقةٍ واعية وواقعية."

من ناحيته، يعرب مكي أيضاً عن تفاؤله بعام 2016 على الرغم من التحدّيات، بحيث أنّ "أسترولابز" تشهد "شركاتٍ ناشئةً مبتكرةً حقّاً تتقدّم إلى هذا المركز التقني من مختلف أرجاء المنطقة، وبوتيرةٍ متسارعة." ويقول: "مع أنّ قطاع التكنولوجيا ما زال صغيراً نسبياً، غير أنّ نموّه كان متسارعاً في السنوات القليلة الماضية، وأرى أنّ هذا سيستمرّ في عام 2016."

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة