الشركات الكبرى والشركات الناشئة: مِن الاستحواذ إلى الشراكة

اقرأ بهذه اللغة

نُشرَت هذه المقالة أساساً على منصة "ريادة الأعمال الاجتماعية" Coentrepreneurship.

ذكر تقريرٌ صدر عن "ومضة" و"إكسبو 2020 دبي" Expo 2020 Dubai أنّ أكثر من نصف المبادرات التي تجمع بين الشركات الكبرى والشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا انطلقت بعد عام 2011، وأنّ 82% من صناديق الاستثمار المخاطر التابعة للشركات الكبرى تأسّست في السنوات الستّة الأخيرة.

في الآونة الأخرة، بدأت الشركات الكبرى تعي أهميّة العمل مع الشركات الناشئة.

ويُقدّر أنّ شركاتٍ ناشئةً مثل "سوق" ٍSouq.com  و"طلبات" Talabat.com و"فوري" Fawry و"نمشي" Namshi و"كريم" Careem، قد تخطّت عتبة الـ100 مليون دولار من حيث القيمة وأنّها تُثبت عن قدراتها كلّ في مجالها.

نموّ الشركات الناشئة وقدرتها في الوصول إلى قاعدة واسعة من العملاء يدفع الشركات الكبرى على إطلاق برامج ريادة أعمال تعاونيّة Collaborative Entrepreneurship تعمل بمثابة درع دفاعيّ لها لحمايتها من الثورة التي يُرجّح أن تطلقها الشركات الناشئة في مجالها.  

بدايات ريادة الأعمال التعاونيّة

في حين تُعدّ ريادة الأعمال التعاونيّة ظاهرةً حديثةً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلّا أنّ الشركات الكبرى في مناطق مثل أمريكا الشماليّة بدأت بالاستثمار في الشركات الناشئة منذ عقود.  

صندوق الاستثمار المخاطر من "إنتل" Intel الذي تأسّس عام 1991، استثمر حتّى الآن أكثر من 10 مليارات دولار؛ وصندوق "كوالكوم فينتشرز" Qualcomm Ventures الذي تأسّس قبل 16 عاماً برأسمال يفوق الآن 500 مليون دولار. ورغم أنّ "جوجل فينتشرز" Google Ventures هو صندوق حديث نسبيّاً تأسس في عام 2009، غير أنّه قد أخرج 5 شركات من محفظته الاستثمارية [ضمن صفقات بيع واستحواذ] تقدّر بمليار دولار.

التكنولوجيا اليوم باتت داعمة للمجالات غير التكنولوجيّة [الصورة من "أي ستوك"]

من منتصف الستينات إلى أوائل التسعينات، كان السبب الأساسي لإطلاق الشركات الكبرى صندوق استثمار مخاطر يقوم على تحقيق عائد مالي. ولكن في العقد التالي، شكّل عصر الإنترنت الجاذب الذي دفع الشركات الكبرى إلى الاستثمار في التكنولوجيّات الحديثة والابتكار في حين تحوّلت العائدات الماليّة إلى الحافز الثاني.

استخدام ريادة الأعمال التعاونيّة للبقاء على قيد الحياة

طبيعة المجال التقني الكثيرة المنافسة والسريعة النموّ والتطوّر كانت وستبقي عرضة للثورة الرقميّة.

في محاولةٍ لحماية نفسها والبقاء في طليعة المنافسة، تستثمر الشركات التقنيّة الكبرى في شركاتٍ ناشئةٍ صغيرة وتعمل مع أشخاصٍ يُحتمَل أن يُحدصوا ثورةً في القطاع لتقديم منتَجاتٍ جديدة إلى السوق بشكل أسرع.

ولكن اليوم، لا تقتصر ريادة الأعمال التعاونيّة CE على الشركات التقنيّة.

تشكّل نهضة الشركات الناشئة التي تقودها التكنولوجيا تهديداً للشركات الكبرى في المجالات غير التقنيّة. فالشركات الناشئة التي تتخطّى قيمتها المليار دولار أو ما يعرف باللغة الإنجليزيّة "يونيكورنز" Unicorns استحوذت على حصّة كبيرة في السوق في مجال التنقّل ("أوبر" Uber) والضيافة ("إر بي أن بي" Airbnb) والرعاية الصحيّة ("إنتارسيا ثيرابيوتكس" Intarcia Therapeutics) والتمويل ("صوفي" SoFi) في وقت قصير نسبيّاً.

شراكات بدلاً من صفقات استحواذ

تعمل الشركات الكبرى في هذه المجالات بشكل استباقي، فتضمّ التكنولوجيا الابتكاريّة إلى عروضها وتستكشف أشكالاً مختلفة من الشراكات مع الشركات الناشئة، من دون أن تستثمر فيها أحياناً.

بسبب الطبيعة البيروقراطيّة ومتطلّبات رأس المال الكبير لصناديق الاستثمار المخاطر التابعة للشركات الكبرى، تسعى هذه الأخيرة إلى تحقيق تفاعلات والتزامات أقل استنفاداً للموارد يمكنها الاستفادة منها.  

تسمح النماذج الحديثة للتفاعل بين الشركات الناشئة والشركات الكبرى لهذه الأخيرة باختبار العلاقة بينهما والعمل عن قرب مع عدد كبير من الشركات الناشئة وإيجاد شركات مع من يشاركها تفكيرها وثقافتها، وذلك فيما تقلّص العمل مقدّماً ورأس المال المخصص للاستثمار.

نماذج تفاعل مختلفة لحاجات مختلفة

رعاية الفعاليّات: يمكن للشركات الكبرى أن تدعم فعاليّات ترتبط بريادة الأعمال ومسابقات تتمحول حول خطط العمل أو محتوى يركّز على الشركات الناشئة، وذلك كوسيلة لتقديم نفسها إلى البيئة الريادة وربط علامتها التجارية بشركات ناشئة تتوافق مع هدفها وركيزتها الأساسية أو تقدّم لها قيمة استراتيجية مضافة.

في الإجمال، هذا جهد في العلاقات العامة أو المسؤوليّة الاجتماعيّة للشركات CSR. 

يمكن للشركات الكبرى أن تقدّم نفسها إلى البيئة الرياديّة وتوسّع شبكة معارفها من دون القيام باستثمار طويل الأمد. ويمكن للشركات الناشئة أن تكتسب مصداقيّةً بربط مشروعها باسم علامة تجارية كبرى أثبتت عن نجاحها.

من الأمثلة على ذلك، فعاليّة "إنجاز" Injaz برعاية " ستاندرد تشارترد" Standard Chartered و"أرامكس" Aramex و"كريدي سويس" Credit Suisse وفعاليّة "عرب نت" ArabNet عام 2016 في بيروت برعاية "بنك عوده" Bank Audi و"منطقة بيروت الرقميّة" Beirut digital district و"بنك البحر المتوسّط" Bankmed.

التدريبات وورش العمل: يمكن للشركات الكبرى أن تقدّم تدريبات تقنيّة وغير تقنيّة للشركات الناشئة.

يرتكز الشكل الأكثر اعتماداً في هذا النوع من التعاون على تقديم الشركات الكبرى برامج تدريبية عن منتجاتها وخدماتها بأمل أن تجذب الشركات الناشئة لتصبح من عملائها. 

من خلال الجلسات التدريبيّة وورش العمل، تُسوِّق الشركات الكبرى لمنتَجاتها ومن المحتمل أن تكتسب عملاء جدد. في المقابل، تحصل الشركات الناشئة على نفاذٍ إلى التكنولوجيا، بالإضافة إلى اكتساب الخبرة والمعرفة.

من الأمثلة على ذلك، برنامج "إنتل" التدريبي المجاني عبر الإنترنت للمطورين، وبرنامج تدريب "فايسبوك" Facebook عبر الإنترنت "بلو برينت" Blueprint وورش العمل من دون إنترنت لروّاد الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن كيفية استخدام "فايسبوك" لنشر الإعلانات.

برامج الإرشاد: وهي نوع من تبادل المعرفة حيث يقدّم موظّفون من شركات كبرى خبراتهم لروّاد أعمال يديرون شركة ويسعون إلى تنميتها. في المقابل، تقدّم الشركات الناشئة للشركات الكبرى نظرة إلى التكنولوجيات الحديثة ونماذج العمل الابتكاريّة.

بالقيام بذلك، يبني الطرفان المعنيّان علاقة مع شركاء محتملين. 

يمكن للشركات الكبرى أن تحدد موظّفين مختلفين لإرشاد مؤسسي الشركات الناشئة، ما يسمح لهم بتطوير ثقافة موظّفين داعمة لريادة الأعمال ويعطيهم نفاذاً إلى نماذج عمل ومنتجات جديدة.

في المقابل، تصل الشركات الناشئة إلى معرفة وخبرة الشركات الكبرى وتطوّر علاقة متينة مع موظّف أو مدير.

من الأمثلة على ذلك، برنامج "فنتشر سبرينت" Venture Sprint الذي أطلقته "جنرال إلكتريك" GE بالتعاون مع "ومضة" وهو برنامج إرشاد مكثّف لمدّة 6 أسابيع بين موظّفي "جنرال الكتريك" وروّاد أعمال من مجالات مختلفة؛ وشراكة "ومضة" مع "زين الأردن" Zain Jordan لإطلاق "تراكشن" Traxn حيث يقدّم مدراء من "زين" إرشاد في الموارد البشريّة والعمليات والتسويق والعلاقات العامة لخمسة شركات ناشئة.  

شراكات لدخول السوق: تتمثّل هذه الشراكات بتعاون الشركات الكبرى والشركات الناشئة ودمج عروضها بتطوير منتج أو خدمة جديدة بشكل مشترك.

يقوم الشكل الأكثر اعتماداً من هذه الشراكات على تطوير الشركات الناشئة الخدمة أو المنتج المعروض وتقديم الشركات الكبرى، شبكة معارفها وقاعدة عملائها وإرشادها للحرص على نجاح المنتج أو الخدمة المطلقة حديثاً. 

تسمح هذه الشراكة للشركات الكبرى بالوصول إلى ابتكارات الشركات الناشئة لتطوير منتجات أو خدمات ذات قدرة تنافسيّة عالية أو للدخول إلى أسواق جديدة، في حين تسمح للشركات الناشئة بالوصول إلى قاعدة بيانات الشركات الكبرى واكتساب المصداقيّة من خلال ربط العلامات التجارية والاستفادة اقتصاديّاً.

من الأمثلة على ذلك شراكة "البنك العربي" Arab Bank مع "تلر" Telr المسؤولة عن الإدماج الكامل للباعة والشارين، فيما يحرص "البنك العربي" على تقديم هياكل أسعار تنافسية للشركات؛ وإطلاق منصّة "بريديكس" Predix من "جنرال إلكتريك" التي تسمح لروّاد الأعمال بتصميم حلول لأسواق إنترنت صناعية مختلفة وتتيح الفرصة لتسويق حلولهم بالشراكة مع هذه الشركة الكبرى.

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة